إنتقاد التيارات الإسلامية (درامياً).. طريق محفوف بالمخاطر

أكرم الفرجابي
وما إن إنتهى العرض التلفزيوني لمسلسلات رمضان بنهاية الشهر الكريم، حتى بدأ الإسلاميون بمختلف ألوانهم السلفية والإخوانية بشن الهجمات على الدراما الرمضانية، كون عدد كبير من الأعمال التي قدمت في هذا الموسم، وجهت الإنتقاد من خلال السياق الدرامي لفترة حكم الإخوان التي إمتدت لعام واحد فقط، وأبرزها كان مسلسل الزعيم عادل إمام (أستاذ ورئيس قسم)، العمل الذي واجه انتقادات سياسية لاذعة، بسبب المشاهد التي جسدت وصول الرئيس المعزول محمد مرسي إلى سدة الحكم، وما رافق تلك الفترة من إحباط سياسي وفق سيناريو المسلسل الذي خطه يراع الكاتب الكبير يوسف معاطي، حيث كان الأستاذ الجامعي فوزي جمعة، بطل العمل الذي يجسد شخصيته الممثل القدير عادل إمام، أحد أبرز المصابين بهذا الإحباط السياسي، الذي دفعه لمقاطعة السياسة برمتها، رغم أنه مناضل سياسي كبير ساهم بشكل أو بآخر في إندلاع ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس حسني مبارك.

غير مباشرة:
لم يكن المسلسل الذي قام ببطولته الزعيم عادل إمام أول الأعمال الدرامية التي تنتقد جماعة الإخوان، إذ ظل موضوع إنتقاد التيارات الإسلامية حاضراً بشكل لافت في الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة، سوى أن تطرق المسلسل للوضع السياسي في مصر بشكل مباشر أو غير مباشر، وحرصت أعمال درامية عديدة على توجيه الانتقاد إلى التيارات الإسلامية المتشددة في عدة قوالب درامية، بعد أن كان المثقفون والفنانون، في مواجهة مباشرة مع نظام الإخوان المسلمين، من خلال الاعتصام الذي أقاموه داخل وزارة الثقافة، إلى حين عزل الرئيس محمد مرسي، كانت هنالك مواجهة أخرى غير مباشرة تناولتها السيناريوهات في شخصية رجل الدين الداعية، كما تناولت نموذج المواطن المصري المتزمت، بالإضافة إلى شخصية المواطن الذي يتاجر بالقيم الدينية، في سبيل الارتقاء الاجتماعي.
رجل الدين:
رمضان قبل الماضي كان شاهداً على مسلسل الداعية الذي قام ببطولته الممثل السينمائي هاني سلامة في أولى تجاربه التلفزيونية، وسيناريو العمل يرصد علاقة حب جمعت بين داعية إسلامي وعازفة كمان، ساهمت هذه العلاقة في تغيير نظرة الداعية إلى الأشياء، فتحول من رجل متعصب إلى رجل يؤمن بالحب وبالفن وبالاعتدال الديني، الأمر الذي يضر بصورة رجل الدين الإسلامي من وجهة نظر جماعات إسلامية متشددة سعت إلى العمل على اغتياله، وشخصية الداعية الإسلامي تبدو أيضا في مسلسل (نيران صديقة) الذي تم إنتاجه في ذات العام، من خلال شخصية طارق التي يؤديها الممثل عمرو يوسف، حيث يقوم كاتب المسلسل محمد أمين راضي من خلال شخصية طارق باستعراض تاريخ الجماعات الإسلامية وعملها المسلح خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث يرتبط طارق بهذه الجماعات بناء على اتفاق مع جهاز أمن الدولة، ثم تتطور الأحداث ليصبح طارق من أشهر الدعاة، بل أن المسلسل تناول عملية الأقصر الإرهابية في سنة 1997 كحدث داخل السياق الدرامي، الذي يغير مسار الأحداث، من خلال مقتل (جورجيت) إحدى شخصيات العمل، والشلل الذي أصاب (رؤوف) بطل المسلسل.
موسم الإنتقاد:
كان الموسم الذي تلى سقوط حكم جماعة الإخوان في مصر حافلاً بالمسلسلات التي وجهت الإنتقاد للتيارات الإسلامية، إذ تناول مسلسل (موجة حارة) شخصية الداعية من خلال شخصية (سعد العجاتي) الذي يؤدي دوره الممثل بيومي فؤاد، حيث يُبرز الدور الحياة المزدوجة للداعية الديني، الذي يعيش حياة سرية في الخفاء من خلال زوجة ثانية تشتغل في مجالات مشبوهة ذي صلة بالدعارة وبأعمال تجارية غير مشروعة، المسلسل يُظهر من خلال أحد مشاهده الخلط الذي يحدث داخل المجتمع المصري بين اليساري والعلماني والملحد، حيث يدفع الداعية سعد العجاتي زوجة أخيه إلى طرد إبنها من بيتها، بإعتبار أن إبنها (ملحد) وينتمي للتيار اليساري، كما يقدم الفنان أحمد حلاوة في مسلسل (بدون ذكر أسماء) شخصية رجل دين مشبوه، يظهر في الحلقة السابعة والعشرين وهو يتلقى تمويلاً خارجيا للقيام بأنشطة مشبوهة داخل مصر، في إشارة إلى التمويل الذي تحصل عليه جماعات إسلامية من دول خارجية، فالمسلسل الذي كتبه السيناريست الكبير وحيد حامد, قرر أن يرصد بدايات توغل الجماعات الدينية المتطرفة في المجتمع المصري, منذ منتصف الثمانينيات, وكيف تحالفت هذه القوى مع الفساد الذي بدأ في التوحش, والنخر في نسيج المجتمع وتغيير منظومته القيمية في كل المجالات, وبما فيها الصحافة والإعلام، غير أن للمسلسل ميزة أخرى وهي إتاحة الباب أما أسماء جديدة للظهور على الساحة الفنية المصرية, كما هو الحال مع مخرج العمل الشاب تامر محسن, كما أشارات مشاهد عديدة من مسلسل (الاكسلانس) الذي قام ببطولته الفنان أحمد عز، إلى انتقادات وجهت صوب التيارات الإسلامية في مصر.
الإطار الكوميدي:
لعل أبرز عمل كوميدي انتقد نظام الإخوان في مصر والتيارات السلفية المتشددة هو مسلسل (نظرية الجوافة) الذي قامت ببطولته النجمة إلهام شاهين، وقد سبق أن دخلت في مواجهة مباشرة مع التيارات الدينية، حينما اتهمها أحد الشيوخ في إحدى القنوات الدينية بالزنا بسبب مشاهد الإغراء التي قدمتها في أفلام سينمائية عديدة، وبالرغم من أن إلهام شاهين خرجت منتصرة في معركتها القضائية على التيار السلفي، فإنها قامت بنقد لاذع لحكم الإخوان في هذا المسلسل من خلال شخصية طبيبة الأمراض النفسية، أرادت أن تبرز إلهام شاهين أن نظام الحكم في مصر تسبب لدى المصريين في خلق حالة اكتئاب جماعي، كما تطرق المسلسل إلى التشدد الديني من خلال شخصية جار الطبيبة النفسية، الذي كان يحرم الفن والتلفزيون ويرفض خروج أخته بمفردها إلى الشارع، كان حوار المسلسل مليئا بالإيحاءات حول شخصية الرئيس المعزول محمد مرسي وعدد من وزراء حكومته التي لم تستمر سوى عام واحد.
الاحتفاء بالتصوف:
على الرغم من أن مسلسل الشك يتناول قصة اجتماعية ترتبط بخلط الأنساب وبعلاقة الأبناء بآبائهم، إلا أن العمل لم يغفل انتقاد المتاجرين بالدين، من خلال شخصية (مجاهد) التي يؤديها الممثل الشاب أحمد عصام في قالب كوميدي، فمجاهد الملتحي يشتغل في أحد البنوك الإسلامية يجبر زوجته على ارتداء الحجاب، غير أنه سرعان مع يتخلى عن مثل تلك المظاهر الدينية بعد تعرفه على سيدة غنية، أما مسلسل العراف الذي يقدمه النجم عادل إمام، فيتناول شخصية أحد السلفيين المتشددين التي قام بتمثيلها الممثل محمد عبد الحافظ، بعد تعرفه على معتقلين سياسيين من التيار الإسلامي في السجن انقلبوا عليه عندما ترشح للانتخابات الرئاسية، وبرز موضوع التيار الديني أيضاً في مسلسل (الزوجة الثانية) الذي يقدم فيه الفنان أحمد صيام دور رجل الدين الذي يُطوّع الدين حسب رغبات الحاكم في شخص عمدة القرية، فيما كان مسلسل (خلف الله) الذي قام ببطولته الفنان نور الشريف هو مسلسل يحتفي بالثقافة الصوفية المعتدلة والتي يعاديها التيار السلفي، ويقدم القيم الإسلامية المعتدلة والجيدة من خلال رجل متصوف ومبروك يدعى (خلف الله).
نوستالجيا الحنين:
ربما تشترك أغلب الأعمال الدرامية التي تم عرضها بعد سقوط حكم الإخوان في ملمحين رئيسين, أولهما النقد المباشر لجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص ولتيار الإسلام السياسي بشكل عام، والثاني هو نوستالجيا الحنين للماضي, التي لازمت معظم المسلسلات، المدهش أن هاتين السمتين تسيدتا صورة المسلسلات حتى تلك التي لا تمت أحداثها لتلك الحقبة بصلة، فعلى سبيل المثال لا الحصر مسلسل (فرح ليلي) للنجمة ليلي علوي والمخرج خالد الحجر, رغم أن أحداثه تدور في الاطار الرومانسي, إلا أننا نلمح جملاُ متفرقة هنا وهناك تناهض الإخوان, وتتحدث عن الانفلات الأمني الذي بليت مصر به أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، ليس هذا وحده بل إن المسلسل الذي تدور أحداثه في الزمن الراهن إلا أن المخرج اعتمد أجواء تصوير وزوايا كاميرا وديكور, توحي بأننا أمام أشخاص مازالوا يعيشون بقيم الزمن في نمط علاقتهم ببعضهم بعضاُ, الأمر نفسه في مسلسل آخر مثل (آسيا) للنجمة منى زكي والموهوب باسم سمرة، فرغم أنه يبدو وكأنه لا علاقة له بالواقع الراهن الذي تعيشه مصر، بداية من الأحداث التي تدور في إحدى المدن الساحلية الجديدة, وتتركز حول تجارة الآثار وعالم الملاهي الليلية, إلا أن المتابع للمسلسل يستمع لجمل بين شخوصه تتطرق للواقع السياسي الذي تحياه مصر.
منظور أخلاقي
يقول الناقد الفني المصري طارق الشناوي إنه يرفض محاكمة الأعمال الفنية من منظور أخلاقي، ويرفض إلزام الممثل في أعماله الفنية بمواقفه السياسية في الواقع، واعتبر الشناوي أن عادل إمام وضع نفسه في مأزق سياسي فني، حينما قدّم عملاً ينتقد حكم مبارك، وينسب فيه نفسه للثورة، في حين أنه تورط إلى حد كبير في الدعاية للتوريث، والدفاع عن نظام مبارك الذي استفاد منه كثيراً، وفيما يتعلق بمهاجمة المسلسل للثورة السورية، قال الشناوي إمام اضطر لمسايرة ثورة 25 يناير، رغم عدائه الشديد لها، لأنها نجحت في إجبار مبارك على التنحي، لكن الثورة السورية تعثرت لذلك لم يجد أية غضاضة في مهاجمتها علانية بهذه القسوة، وأضاف الناقد رغم مخالفتي لرأي إمام في ثورات الربيع العربي، إلا أنني متمسك بحقه في التعبير عن آرائه السياسية من خلال أعماله الفنية، وعلى المشاهد الاتساق مع هذه الآراء أو رفضها.
إنتقاد الزعيم:
ليس طارق الشناوي وحده من انتقد عادل إمام في مسلسله (أستاذ ورئيس قسم) لكون دوره كأستاذ يساري معارض للنظام (غير مقنع) للجمهور الذي انطبعت في ذهنه مواقفه الرافضة لثورة 25 يناير، وتوزعت هذه الانتقادات بين مقالات ظهرت في الصحافة المحلية اعتبرت أنه يصعب على الممثل إقناع الجمهور بشخصية مضادة تماما لما هو معروف عن شخصيته، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت صحيفة الوفد على موقعها الإلكتروني يحتاج الأمر إلى قدر من الجهد في التقمص، خاصة أنه مع انتشار الميديا صارت حياة الفنان الشخصية في متناول الجميع، وكان عادل إمام اتخذ مواقف حادة معارضة لثورة 25 يناير ومؤيدة لنظام مبارك، وهاجم في مقابلات تلفزيونية المحتجين المطالبين بتنحي الرئيس السابق في بدايات الاحتجاجات التي اندلعت في أوائل العام 2011 وأسفرت عن سقوط النظام، وقال عضو مجلس إدارة مهرجان الإسكندرية لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط أسامة عبد الفتاح: ليس من حق إمام أن يقوم بمثل هذا الدور خصوصا وأنه أحد المدافعين عن نظام مبارك وتوريث الحكم لابنه جمال، وتضاف هذه الانتقادات على تلك التي تلقاها عادل إمام في السنوات السابقة، والتي تركزت فنيا على تفرده بدور البطولة واعتماده على حضوره الشخصي ونجوميته على حساب الإتقان في الحبكة والسيناريو والإخراج، أما سياسيا، فبعدما كان الإسلاميون هم العدو اللدود لعادل إمام، ولاسيما بسبب أفلام مثل (طيور الظلام) انتقد فيها التيار الإسلامي، انضم اليسار إلى قائمة خصومه، وذلك بعد أن بات اليسار في مرمى سخرية أفلامه منذ مطلع العقد الماضي، ولا سيما فيلم (السفارة في العمارة)، وفي هذا السياق، اعتبر الروائي عزت القمحاوي أن بعض المشاهد في المسلسل حولت شخصية الأستاذ الجامعي اليساري إلى (شخصية كاريكاتورية)، وتحول عادل إمام في السنوات الماضية إلى المسلسلات بعد ربع قرن من الابتعاد عنها، وذلك على خلفية تراجع الإنتاج السينمائي في مصر منذ ثورة 25 يناير وما تلاها من اضطرابات، وكان أول مسلسلاته الجديدة (فرقة ناجي عطا الله)، تلاها ثلاثة مسلسلات بينها المسلسل الأخير الذي ينتقد فيه مختلف التيارات السياسية.
تحاكم نفسها:
رئيس تحرير صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية الأستاذ طارق الحميد، كتب مقالاً بعنوان: مصر تحاكم نفسها، حينما وجهت تهمة ازدراء الأديان للزعيم عادل إمام في العام الذي وصل فيه الإخوان إلى سدة الحكم، قال فيه: (فمن يحاكم عادل إمام اليوم بتهمة ازدراء الأديان يستحق أن يُحاكم هو بتهمة الانتقاص من مصر، وثقافتها، وتنوعها، وبتهمة دعم الإرهاب الذي حاربه عادل إمام في أفلامه يوم لم يتجرأ الإخوان المسلمون، أو السلفيون، على قول قولة حق ضد الإرهاب الذي ضرب مصر في التسعينات، أو الإرهاب الذي أراد استهداف وحدة مصر يوم استهداف أقباطها، بينما كان عادل إمام أكثر شجاعة من الجميع حين تحدى الإرهاب، وحاربه، وقدم صورة زاهية لمصر، ليس أمام العالم، أو العرب، بل وأمام المصريين أنفسهم، فعادل إمام والحديث لا يزال لطارق الحميد كان أجرأ من «الإخوان»، والسلفيين، وأجرأ من أهم من يعتبرون أنفسهم رموز الثورة المصرية اليوم، سواء كانوا ساسة، أو رجال دين، أو اقتصاديين، أو حتى أدباء، فالفنان المصري الرائع عادل إمام تجرأ على انتقاد السلطة، والفساد، وتزوير الانتخابات، وأشياء كثيرة، يوم كان مبارك رئيساً في السلطة، وليس يوم نزل المصريون ضده بالشارع! فعادل إمام كان في ميدان التحرير قبل «الإخوان»، والسلفيين، والمثقفين المصريين بكثير)!