(أزهري) الجنوب في الخرطوم.. زيارة اللا أجندة

عمرو شعبان
باقان في الخرطوم للمرة الثانية منذ يوليو المشئوم ذاك.. يأتي هذه المرة محمولاً على سيناريو يكاد يقود الى الجنون ممثلاً للحزب الحاكم جنوباً، وبإعلان رسمي حملته سفارة بلاده في العاصمة الأم.. الخرطوم تحمل للرجل في مخيلتها مشاهد وأوصاف عدة وتتلخص بين (لورد حرب)، و(حمامة سلام) ليظل باقان أسير ثنائية التوصيف تلك غير مشتغلاً بها أو ربما لا يعيرها كثير انتباه، بيد إن زيارته الأخيرة للخرطوم التي استبقت هجوم جيش بلاده على هجليج، حاملاً دعوة رئاسية خاصة للرئيس البشير من رصيفه سلفاكير، لم تكتمل حينها بفعل تلبد الأجواء. حينها كانت الخرطوم أسيرة مفاجأتها بفعل توقيع باقان على ما يعد المدخل للتنفيذ العملي للسلام بين الدولتين، لتستمرأ جوبا وقتها إثارة دهشة الخرطوم فتردف المفاجأة بأخرى بتسمية(بقبق)-كما يحلو لعشاق شخصيته مناداته- بأن جعلت الرجل رسول سلام بين البلدين حاملاً دعوة الرئيس سلفاكير للرئيس البشير، لزيارة جوبا بغرض التوقيع على الاتفاقيات المقترحة آنذاك، والتداول في شأن الملفات العالقة المختلف حولها.

عموماً هذه المرة التحليلات تكاثفت تبحث في مضمون ابتعاث باقان للخرطوم، رغم ما يعرفه الجنوب ويعرفه الرجل عن حجم النقمة التي يصبها الكثيرون عليه، باعتباره متهماً بهندسة انفصال الجنوب، وكونه سبب الفشل في نظر مفاوضي الوطني -في وقت من الأوقات- للوصول الى أي اتفاق مرض بين الطرفين، ليبدو أن ثمة إجماعا على توقع ردود فعل متباينة حال وطأت قدما أحد أبرز أبناء جون قرنق مطار الخرطوم.
كثيرون اعتبروا ابتعاثه وزيارته نوعاً من الاستفزاز السيادي، ويرون أن تسميته للخرطوم غض النظر عن الأسباب والأهداف شأن داخلي لا يحتاج للتعليق أو حتى الاجتهاد، ويعتبرون أن توقيت الزيارة نفسه يأت في وقت تتجمد فيه كل المشكلات العالقة بين الخرطوم وجوبا لذا فإن الزيارة لن تكون سوى زيارة علاقات عامة، تعيد مشهد باقان الأخير كمفاوض لأذهان الخرطوم الرسمية..
المعجبون بباقان يرون أنه لا يخشى القول برأيه في العديد من المواقف ويتمتع بشخصية وصفوها بالقوية، مؤكدين أن ذلك ما أهله لأن يكون العدو الأول للمؤتمر الوطني، وربما صراحته تلك دون مراعاته للشارع العام هي ما دفعت الرئيس البشير لإصدار مرسوم جمهوري يوماً ما، بإقالته من منصبه كوزير لرئاسة مجلس الوزراء إبان الفترة الانتقالية، على خلفية تصريحات وصفت باللاذعة ضد الحكومة والدولة واتهامه لها عدة مرات بأنها دولة فاشلة.
ابتعاث الرجل الذي يثير حنق الكثيرين وإعجاب المفعمين بقضايا الثورة والهامش ، يسهم في تنفيس حالة الاحتقان التي تشكلت في أفق العاصمتين خلال فترات ماضية ومتقطعة باتهامات متبادلة بدعم معارضة كل منهما ضد الأخر، وأعتبر خبراء دبلوماسيون أن باقان خلال الفترة الأخيرة قبيل إقالته من الجنوب كان يتمتع بتقدير الرسميين الشماليين، لذا فإن ابتعاثه في الزيارة القادمة إذا صدقت الأنباء محاولة لتحسين الأجواء من جهة وإعادة إنتاج صورة باقان من جهة أخرى..
مراقبون ينظرون للأمر من زاوية أخرى ويستدعون فيها دور باقان كمفاوض، لجهة بقاء العديد من الملفات بين الدولتين معلقة بفعل الأزمة الجنوبية، ويرون أن الجنوب أراد إرسال رسالة مباشرة وقوية في أن واحد للخرطوم وخارجها ، مغزاها مدى حرصه على السلام بإرساله باقان الذي يعد رجل الحركة الشعبية القوي وقائد تيار الصقور المتنفذ في الجنوب في وقت سابق، ما يعني أن ثمة إجماعا على السلام بين مختلف دوائر وقطاعات الحركة الشعبية، ما يقلل من حدة الاحتقانات والحذر لدى مفاوض الخرطوم في بقية الملفات، وبحسب القيادي بحزب الأمة عبد الرسول النور فإن باقان يمثل أشياء عديدة وذات دلالات رمزية للجنوب وللآخرين، فهو الأمين العام للحركة حالياً كما أنه كان آخر وزير للسلام في الجنوب، كما أنه كان أخر رئيس وفد جنوبي مفاوض، فإذا دشن مهامه بعد أداء القسم كأمين عام للحركة بزيارة الخرطوم فان لذلك مدلولاً يعني اقتناعه بأهمية الزيارة الأولى له بعد الأزمة الجنوبية الى الخرطوم، ما يعني أن التيار الذي يمثله سواء متشددين أو كمجموعة معارضة تضم دينق الور أو ربيكا قرنق وآخرين يرغبون في ذلك، ما يعد مؤشراً ايجابياً تجاه الخرطوم.
فيما اعتبرت مجموعة ناشطة سابقاً بصفوف الحركة الشعبية قطاع الشمال زيارة باقان للخرطوم بأنها ليست ذات تأثير يذكر، ويرون أن باقان يحترف العمل السياسي ولا مجال للعواطف في أدائه لدوره، مستدلين على ذلك بإفادات سابقة لباقان تصف الوطني بالحزب الشجاع كونه -أي المؤتمر الوطني – اتخذ قراراً بالتنازل عن جزء من السلطة التي استولى عليها بالانقلاب، بعدما أيد تقرير المصير وقرر توقيع السلام، وهو القوة الوحيدة في التاريخ التي استطاعت أن تتعامل بهذا المستوى من الشجاعة.. وهو الأمر الذي يقلل من العدائية للرجل ويكسبه الاحترام.
بيد أن واقعين في براثن نظرية المؤامرة يرون أن الأمر تكتيكي ليس إلا، وأن باقان يأتي للخرطوم هذه المرة وهو محمل بأجندة مغايرة ربما بالتنسيق مع الرئيس سلفاكير، وتتمثل في إعادة إنتاج نفسه شمالاً في مقابل د.مشار، وخلق حليف موازي للخرطوم أو صديق مقرب كمشار، ما يجعله على مسافة واحدة من العاصمة الأم، وتوظيف تمتعه مؤخراً بالبراءة أمام شعب الجنوب من أي انتهاكات واتهامات تطال الطرفين الآخرين الرئيس سلفا ورئيس المعارضة مشار، ما يجعله محل رهان المجتمع الدولي كحل وسط أزمة السلطة في الجنوب ومقبول، الأمر الذي يجعل الخرطوم تقبل يده الممدودة إليها بديلاً لمشار الذي ارق سلفاكير، بالإضافة الى إمكانية توظيف سلفاكير لباقان في معرفة كيفية دعم الخرطوم لمشار من خلال سعي باقان إليها كرجل يسعى للتخلص من سلفاكير، في سياق من السيناريوهات التي لا يصعب أداؤها..
عموماً تظل الافتراضات الأخيرة أمام جبل من الصعوبات يقبع على قمته شخصية باقان نفسها التي لخصها هو بنفسه أمام بعض رجالات الصف الثاني بالجيش الشعبي والحركة الشعبية في وقت من الأوقات ونقلها مصدر منهم لـ(ألوان) أمس، بأنه أزهري الجنوب، لتكون الزيارة القادمة للأزهري الجنوبي محل احتفاء ولو من الأعداء أنفسهم.. فقط في انتظار الزيارة.