خالدة زاهر.. أول ملائكة الرحمة

(هي أنثى ولا دستة رجال.. إنسانة ابسط ما يقال.. لو صاح أعز من النساوين الرجال.. أنثى ولا دستة رجال.. تمشي وما بتطأطي ما بين بير وشاطئ.. تطلع عالي واطي) , وكانت الدكتورة خالدة زاهر نموذجا للمرأة السودانية صنواً للرجل في العمل العام وحققت مكاسب كثيرة,ونحتت الصخر وكافحت نظرة المجتمع حينما شجعها والدها علي مواصلة مشوار تعليمها فكانت أهلاً لذلك التحدي بدخولها كلية غردون الجامعية كأول طالبة سودانية تدرس في مدرسة كتشنر الطبية مع زميلتها ذات الأصول الارمنية زروي سكركسيان,وتخرجت عام 1952م كأول طبيبة سودانية في ذلك الوقت , وأول امرأة تحصل علي عضوية الحزب الشيوعي السوداني كما قادت المظاهرة الشهيرة من نادي الخريجين عام 1946م

تقرير : مشاعر دراج

(1)
ولدت الدكتورة خالدة زاهر الساداتي في الثامن من يناير لعام 1926م من مواليد (فريق المستر ريد) بالموردة بأم درمان، حيث يقع منزل أسرتها إلى الجنوب الغربي من بوابة عبد القيوم وشرق دار الرياضة أم درمان وجنوب مستشفى الولادة بأم درمان, وهي اكبر الأسرة المكونة من (18)فرد من (9)أخوات و(9)إخوان ووالدها (زاهر الساداتي ) ضابط في الجيش السوداني وقائد للفرقة السودانية التي حاربت في حرب فلسطين عام 1948م.

(2)
ودخلت خالدة خلوة الفكي حسن بالموردة وتعلمت وحفظت بعضاً من القرآن الكريم، ثم تلقت دراستها الأولية والوسطى والثانوية بمدرسة الاتحاد، كما شجعها والدها علي مواصلة مشوار تعليمها فكانت أهلاً لذلك التحدي بدخولها كلية غردون الجامعية كأول طالبة سودانية تدرس في مدرسة كتشنر الطبية مع زميلتها ذات الأصول الارمنية زروي سكركسيان, وتخرجت عام 1952م أول طبيبة سودانية في ذلك الوقت.

(2)
انضمت خالدة زاهر للعمل السياسي وهي طالبة وعملت في النشاط السري والعلني، وكان لها نشاط سياسي واضح بالجامعة حيث شاركت في قياده اتحاد الطلاب في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات, ومن خلال اٍيمانها بقضايا تحقيق العدالة الاٍجتماعية وقضايا تحرر المرأة اٍنضمت اٍلى الحزب الشيوعي السوداني وصارت أول امرأة تحصل على تلك العضوية قادت المظاهرة الشهيرة من نادي الخريجين في 1946م ضد الجمعية التشريعية فطلب منها الاتحاديون أن تلقي كلمة، فتحدثت عن الحرية الحمراء رغم صغر سنها فكان حديث سوق أمدرمان عنها في ذلك الوقت .

(3)
واول اعتقال لدكتورة خالدة زاهر كان في اليوم الثاني لقيادتها للمظاهرة الشهيرة من نادي الخريجين ، وتم تحفَّظوا عليها في المكتب وأرسلت إليها والدتها خالها عثمان الذي قابل (أبارو) وأطلق سراحها، وكانت أول تجربة لها مع الاعتقال, وبعدها خرجت مظاهرة أخرى من جامعة الخرطوم لكن لم تشارك فيها خالدة وهي المظاهرة التي فصل فيها محجوب محمد صالح، وعلى الرغم من عدم مشاركتها تم اعتقالها بواسطة ضابط بوليس اسمه الديب. شاركت خالدة الحركة الوطنية في نضالها ضد المستعمر بجسارة فائقة قائدةً للمظاهرات وخطيبةً اعتلت منبر نادي الخريجين في أواخر أربعينيات القرن الماضي في زمن لم يكن يسمح فيه للمرأة بالخروج من المنزل وقد تم اعتقالها من جانب المستعمر نتيجة لذلك النشاط، ولم يتوقف نشاطها السياسي بعد خروج المستعمر بل تواصل، وساهمت بفعالية في كل القضايا التي تهم الوطن والمواطنين ومدافعة بشدة عن الديمقراطية ورافضة لكل أشكال الديكتاتورية.

(4)
تخرجت خالدة زاهر عام 1952م كأول طبيبة سودانية في ذلك الوقت ويعتبر حدثاً مهماً ومشهوداً في تاريخ تطور المرأة السودانية، ولم تقف دكتورة خالدة عند ذلك الحد في تعليمها بل استطاعت ان تحصل على مؤهل فوق الجامعي في وقت كان مجرد خروج المرأة من منزلها ضد الأعراف السودانية في نظر الكثيرين، حيث نالت دبلوماً في الصحة العامة وتخصصت في طب الأطفال في تشيكوسلوفاكيا، ونالت الدبلوم من انجلترا,كما قضت فترة الامتياز في عنبر النساء بمستشفى أمدرمان الذى كان يديره الدكتور عبد الحليم محمد آنذاك,وعملت الدكتورة خالدة زاهر طبيبةَ في وزارة الصحة السودانية وتدرجت في السلك الوظيفي حتى وصلت إلى درجة وكيل وزارة .

(5)
ومن خلال عملها كطبيبة تنقلت بكل أقاليم السودان مناديةَ وناشرةَ الوعي بصحة الطفل والمرأة وحقوقها ومحاربة العادات الضارة حيث قدمت كثيرًا من الخدمات الكبيرة والجليلة عندما عملت لفترة من الزمن مديراً لمركز رعاية الطفل بأمدرمان، كما شاركت في العديد من المؤتمرات الطبية خارج البلاد, ومن أهم اهتماماتها قضايا تحرر المرأة السودانية ومساهمتها جنباً اٍلى جنب مع الرجل في تفاصيل الحياة وتطور المجتمع وسعت اٍلى تحقيق ذلك الهدف بصبر وعزيمة واصرار. كانت تعلم أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من المرأة شيئين هما تأسيس تنظيمها الخاص بها ونشر الوعي، ومن ثم كونت في بداية تعليمها الثانوي مع الأستاذة فاطمة طالب رابطة المرأة ومن ثم لاحقاً ساهمت وكوّنت مع كوكبة من الرائدات السودانيات أمثال حاجة كاشف، فاطمة أحمد اٍبراهيم، نفيسة المليك، أم سلمة سعيد، عزيزة مكي، نفيسة كامل… على سبيل المثال وليس الحصر تنظيم الاٍتحاد النسائي السوداني ومن ثم اختيرت أول رئيسة له.

(6)
كما هي اول من قام بتكوين تجمع نسائي في السودان.. مع فاطمة طالب إسماعيل باسم (رابطة الفتيات الثقافية) بأمدرمان عام 1946م ، وهي من العشر الأوائل اللائي أسسن الاتحاد النسائي السوداني عام 1952 م أمثال حاجة كاشف، فاطمة أحمد إبراهيم، نفيسة المليك، أم سلمه سعيد، عزيزة مكي، نفيسة كامل والذي تولت رئاسته في أواخر الخمسينيات ، حيث كان في ذلك الوقت تحرير المرأة السودانية لا يزال في بدايته, ولا تزال ضعيفة، وتعارضها الغالبية من المتعلمين وغير المتعلمين ولكن مع ذلك كان هنالك اتفاق عام وسط السودانيين بأن تمنح المرأة بعض الحقوق ,وناضلت الدكتورة خالدة زاهر من أجل المرأة السودانية كثيراً في الداخل والخارج حيث شاركت في العديد من المؤتمرات المحلية والعالمية في أصعب الظروف كمؤتمر السلام على سبيل المثال.

(7)
وتحدثت رفيقة دربها الأستاذة نفيسة المليك في نشاط الحركة النسائية والاتحاد النسائي وبحكم الجيرة في حي الموردة بأم درمان عن العلاقة الطيبة التي كانت تربطهم ببعض كما كانت لهما العديد من الأفكار المشتركة في هم الوطن ورفع مستوى الوعي العام للمرأة السودانية، متذكرة قيامهم بالعديد من النشاطات معاً، وتعتبر خالدة من رائدات العمل العام مثل كثيرات من نساء السودان اللائي أتيحت لهن فرصة التعليم في وقت كان فيه تعليم المرأة تحدياً كبيراً. وأضافت الأستاذة الصحفية آمال عباس أن الدكتورة خالدة والسيدة نفيسة المليك والمرحومة الأستاذة نفيسة كامل وغيرهن كلهن أسهمن بصورة واضحة في مسيرة المرأة السودانية على مر التاريخ وأنا اعتبرهن قدوة لي إذ أنني عاصرت بعضاً من مسيرة نضالهن من أجل نصرة المرأة وانتزاع حقوقها وتحريرها من الأفكار والعادات البالية التي كانت تسيطر على المجتمع في الماضي وتحرم المرأة من أبسط حقوقها، ولا زلن يواصلن العطاء اللا محدود في نكران للذات.

(8)
تزوجت الدكتورة خالدة زاهر وهي لا زالت طالبة في الجامعة من أحد مؤسسي حركة اليسار في السودان الأستاذ عثمان محجوب عثمان الشقيق الأكبر للمرحوم عبد الخالق محجوب السكرتير العام الأسبق للحزب الشيوعي السوداني. و عند زواجها منه اشترط والدها عليه ان تكمل تعليمها، ولديها من الأبناء الدكتور احمد الموجود ببريطانيا، الأستاذ خالد الذي يعمل بجامعة جوبا وآخر العنقود بنت تحمل شهادة الدكتوراه.