مقدمة لديوان «برتاح ليك» للشاعر عمر بابكر كمبلاوي

بقلم: آدم حامد قلباوي
مجرد اقترابك من تجربة تتورط في سياقاتها الشعرية التي تجرفك إلى منزلقات الإلفة والشوق والحنين الدافق إلى عبق فضاءات الامكنة.
لا تستطيع المقاومة أو الهروب من تلك الرائحة التي تشئ بشئ من الفتنة والبراءة وقدراً من القلق والتوجس في تلك الملمح الطامحة بالبشاشة ومحاولتك المستميتة في كيفية فك طلاسم مغنطيسيته الفريدة التي يتمتع بها دون سواه في جذب كل من حاول الاقتراب من مداره ليتداعى في براحات المؤانسة ومحفزات الضحكة.
كثير من نثروا الملح على جراحات الوطن (حميد) في (عيوشته) و (المجذوب) في (بائعة الكسرة) وشاعرنا (كمبلاوي) في (ست الشاي) التي موسقها يوسف حسن الصديق.
هنا تلتقي وتتقاطع الإنسانية الضاجة حنان ورأفة وسلامة قلوب في انحيازها الحصري للمهمشين والغبش والطبقات المعدمة التي تشكل فسيفساء هذا الوطن.
ملامح من السماحة والإيثار تمور بعبق بيئة إنسان الشمال ، عطاء وانسياب كما النيل الذي أبحر شاعرنا عكس مصبه في حميمية شديدة الرهافة وخارجة عن المألوف في سحر لا يضاهي في قدرته على اشعال لحظات البوح والوجع تزاحمك أحرف (ياء) النداء (يا بنية) في مفردته لا من أجل شد انتباه الأخريات إليه، بل نداء داخلي لوطن شوادن وجاذر منتبه التي باعدت بينه وبينهن قدرية وظيفة والده وانتزع من احضان مدينة مروي وهو طفل بعد فأورثته عقدة الغربة ويتجلى ذلك في مراثيه الفاجعة المتباهية بذي القربى والمنبت غوصه العميق في موضوعيته وذاتيته الشمولية المترفة وعالم التضاد الصارخ في مهاراته الوصفية واللغوية في تأسيسه للبناء الداخلي لتجربته الشعرية اكتسبها من تعدد أزمنة الإقامة والارتحال.
ولد بالمديرية الشمالية بمدينة مروي ونشأ بمديرية البحر الأحمر سابقاً بمدينة أروما درست فيها الأولية والمرحلة الوسطي ثم غادرها مرغما إلى أمدرمان لدراسة المرحلة الثانوية وما بعدها وقد تشكلت أروما فيه كوطن ثاني بديل عن مروي صاع منه بمجرد انتقال الأسرة للإقامة بمدينة (أبوحمد) .
تباين ذاكرة جغرافية الامكنة حفزته للتشبس بلحظات بالغة الخصوصية في براءة تتجاوز شبق المفردة في تطهرها من ليالي تفاصيل وحشة الألم في نشاذه وجنوح حنينه.
عمر بابكر كمبلاوي عرفه الوسط الثقافي والمنتديات الأدبية تواضعاً وتفرداً وحضوراً وحملته أثير الإذاعات السودانية وعداً وألقاً واتكاءة وعشقته المفردة سحراً وقافية.
خطط ورسم مع اشقائه في ذروة شغفهم الخاص رابط قوس قزح في 1980م واختزلوا ألوانه السبعة إلى خمسة ألوان حسن عجاج وربيع عبد الله وإسماعيل الإعيسر وخالد أبو طالب والشاعر عمر كمبلاوي فكان صالون جمال عوض بالدروشاب المكان الشاهد والمتنفس والمستوعب والحاضنة لتلك القامات السامقة النيرة في فضاءاتنا الإبداعية.
عارفة روحك سمحة جداً أداها الفنان حسن عجاج فكانت أول الفدق التي عمدته في مملكة الغناء السوداني بعدها تعامل مع الكثيرين صلاح براون ، يوسف كرم الله وتمتام وآخرين.
مهما الأطباء تخصصوا أغنية ضاجة بالحكمة والمستحيل والقنوط المستحب أداها أكثر من فنان تمتام ، ندى القلعة، وفنانة من الأبيض وتواصل العطاء والتفرد ما ترجي، ما المحرية فيك، غيمة فرح.
برتاح ليك ذات مساء وأنا اتمشى مع الضفة لفتني النيل إلى صبية ممشوقة القوام مجدولة باهرة المحايا نضت بعض ثيابها من أجل السباحة فامسكت خطواتي ونظراتي الشاردة وجنون مكاني مبهوراً متأملاً واقنعني واقعي الافتراضي بانها نفس المستحمية التي تلصص عليها الشاعر أبو نواس:
نضت عنها الثياب لغسل ماء فورد خدها خفر الحياء
وقابلت الهواء وقد تعرت بمنعدل أرق من الهواء
ومدت راحة كالماء منها إلى ماء معد في إناء
ولما أن قضت وطرا وهمت الى عجل الى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداين فأزبلت بالظالم على الضياء
فصار الصبح منها تحت ليل وصار الماء يعطر فوق ماء
فسبحان الإله فقد براها كأجمل ما تكون من النساء
فجأة خرجت ولم تعرني أدنى اهتمام فتشبست باشرعت الاصيل وأبحرت مع الشمس وغابت عن ناظري فسألت عنها إحدى (المراكبية) وي منو فقال برتاح ليك عمر كمبلاوي وجات من وين وماشي وين قال لي اسأل محمود عبد العزيز ويوسف القديل.
بعدها فاجأتني في إحدى البصات السفرية بالمقاعد الأمامية وأنا في طريقي إلى بورتسودان ولمحتها بالصدفة وهي ترتاد سكن الطالبات بأمدرمان وفي حفل خيري بنادي الضباط وعلى شاشة تلفزيون ودمدني وفي شارع المعونة ببحري وهي تتحرش بطلاب المرحلة الثانوية وفي مركز شباب السجانة تذبذت على آلة العود وقبضتها متلبسة في نغمة تلفون ابن أخي فسألتها حدثيني بصراحة عن سر وجودك في كل زمان ومكان وعن ماذا تبحثين فقالت عن ضحكة مفقودة وانشدت:
برتاح ليك يا غيمة ظليلة .. غيمة حب في الزمن القاسي
زمن الضحكة بقت مفقودة وكل الكون بالفرحة ينادي
ملحوظة: صبية ممشوقة القوام مجدولة
الصبية هي موتور (ركشة) وجدتها تغسل على ضفة النيل وكتبت على خلفيتها بخط واضح (برتاح ليك) وغادرت الموقع أثناء قدومي بدقائق معدودة.