قصة قصيرة … رزق الله – للقاص والروائي أحمد عبد الله بري

لم نكن في تلك الليلة نتوقع أن تهطل أمطار غزيرة وبشكل متصل لمدة أربعة ساعات . فقد بدأ الجو منذ مغيب الشمس هادئاً لا ينذر بشيء .. وقد كنا نمرح في فناء المنازل مع غروب الشمس صبايا من الجنسين بلا قيود أو حواجز .. نتصارع ونتسابق ويعلو صياحنا فوق صياح الحمير والكلاب والأبقار العائدة من الحقول .. فقد اعتادت القرية على هذه الضجة كل مساء .. فأصبحت موسيقى يومية نودع بها الشمس قبل أن تتوارى خلف الأشجار الباسقة التي تمتد في الجانب الغربي من القرية . وفي ذلك المساء الدامس الذي بدأ فيه الجو هادئاً هدوءاً تشوبه رهبة صامتة تخيل لنا أن الشمس قد غربت قبل زمن طويل رغم أنها لم تغب عنا إلا دقائق معدودة . وعزينا ذلك لسحابة داكنة سوداء خرجت مع الأصيل من بين سيقان الأشجار لتواري عنا حمرة الغروب .. ولكنا لم نعرها التفاتاً حيث اعتدنا على رؤية ألواناً من السحب ركائم بعضها فوق بعض .. وهجع الناس مبكراً إلي مضاجعهم وران على الكون سكون أخرس .. وكنت أسترق السمع إلي صوت جدتي تقول لأبي أن الأمطار توشك أن تهطل وعليه التأكد من أن ليس هنالك ما يخشى عليه من الأمطار وبدأ لي أن جحافل من الأقدام الثقيلة تطأ هامة قطيتنا المتواضعة .. يؤازرها في ذلك صوت الرعد القاصف الذي يهز جنبات الدار وأنا في سريري الصغير أجمع أطراف غطائي على صدري ولكن وجهي ظل بارزاً ذلك أنني أعشق رؤية المطر المتساقط ولا أرهب صوت الصواعق .. ولا أدري لهذا سبباً وقد شذيت في هذه الخصلة عن الكثيرين .
وبعد أن عاد أبي وأغلق خلفه الباب لم يلحظ رأسي البارز , وبدأ المطر يتساقط حبيبات في البدء , ولكن بعد دقائق تكامل الانهمار واستسلمت الأرض للماء المندلق وبدأ البرق ينير عتمة الليل بين الفينة والفينة .. وكنت أرى بوضوح دجاجاتي الصغيرة البيضاء وهي تحتضن بيضاتها الثلاثة داخل أجنحتها المفروشة وكثر في تلك ثغاء الأغنام في أطراف القرية .. ولمحت أبي وهو يتوسط مرقده مرفوع الرأس كأنما يرقب شيئاً .. فقد هب بعد أن زاد صوت القصف واتجه نحوي كي يضع الغطاء على رأسي ..
وفي تلك اللحظة برق البرق .. فوقعت عيناي المفتوحتان فتراجع وهو يقول أنت لم تنم يا محمد .. ولكن ردي عليه ضاع تحت قصف صاعقة اهتزت لها جنبات القطية ورأيت الدجاجة طافية على الماء .. فقد دخلت المياه على القطية .. وكنت مع ذلك أجد متعة طاغية لا توصف حينما أنزلت قدماي أبحث عن نعلي فلم أعثر عليهما .. فقد ذهبت مع الماء . واستيقظت أمي ودون أن أشعر وجدتها بالقرب مني تمد يدها وهي تسأل .. محمد ماذا بك ؟ فطمأنتها بصوت ملئ بالنشوة والسرور مما جعلها تتراجع وصوت الماء يأتي من تحت أقدامها وهي تقول .. اللهم سترك يا رب . وكان أبي قد نهض في تلك اللحظة وهو يمد رأسه خارج الباب والمطر يتساقط عليه ليرى ماذا حدث للأغنام والأبقار التي جسمت متجهة برؤوسها عكس اتجاه الأمطار .
كانت ساعات عصيبة على أبي .. فإذا كنت أجد النشوة والمتعة في دخول الماء داخل قطيتنا الصغيرة وأتلذذ بصوت الرعد والبرق .. كان أبي مضطرباً متوجساً .. فقد كان مشغولاً بالتفكير في سقوط القطية أو موت بقرة أو اتلاف محصول أو .. أو .. تلك كانت هواجسه التي جعلته يقف مشمراً مستعداً والمطر يضرب صفحة وجهه المكدود وهو غير مبالٍ .. التقطت دجاجتي ورفعتها معي على السرير ولكني لحظتها كأنها تستعطفني أن أبحث لها عن بيضاتها التي كانت واحدة منها في تلك اللحظة تتقلب مع الماء . وسمعت صياحاً وضجة من جهة عمنا النور الذي يقع أمام القرية .ز أصوات تتعالى رغم هدير الماء والرعود وكان أبي في تلك اللحظة قد رجع وسكينته على ذراعه ويتمنطق بثوبه .. يشده على وسطه ويلتقط عصاه من على السرير وهو يقول لأمي التي كانت تشرئب بعنقها .. هل تسمعين هذه الضجة ولكنها لم ترد عليه فقد كانت الضجة أوضح من كل رد بل زادت أكثر من ما كانت عليه وخرج أبي كالسهم تحت ذلك البرق اللاصف .. وغافلت أمي وخرجت في أثره أخوض في المياه والوحل .. إنها مشاهد لا تنسى وحوادث لا تتكرر .. إنها الدنيا بعينها خيرها وشرها .. رأيت بأم عيني ما لم أتوقعه على الإطلاق مما أدخل الخوف في جوفي وجعلني أتوارى خلف الرجال الذين قدموا للنجدة والاستجابة لذلك الصوت المستغيث . إن الحياة قد تهون على المرء في لحظة من اللحظات فيضحي بها غير مبال حتى ولو لم من أجل نعجة وهذا ما حدث تماماً .
رأيت بعيني الواجفة وأعضاء فكي الأسفل تصطك من الخوف والبرد دماً يرشح كالنافورة من عنق حيوان بدأت تنهال عليه الضربات من كل جانب بالفؤوس والعصي بلا رحمة .. إنها نهاية لحياة ذلك الذئب الجرئ الذي رماه حظه العاثر في قبضة رزق الله الصياد الذي اشتهر بغزواته الليلية على مهاجع الوحوش واصطيادها .
وسمعت أحد الناس وأظنه جدي عبد الرحيم بصوته الأجش يردد الشهادة في أذن رزق الله المتمدد بالقرب من الذئب .. وبصوت مسموع ردد كثير من الناس الشهادة .. ولكن لم يستطع رزق الله أن يرد عليهم الشهادة .. فقد غاب عن الوعي .. فقد تمكن الذئب من قضم جزء كبير من فخذه اليمنى التي سالت دماء كافية لإسكات حياة فيل صغير , لقد كان العراك متصلاً بين الوحش الآدمي والوحش الحيواني .. وقد بلغ ذروته من الخسائر قبل أن تصل النجدة مكان الحادث .. وكانت الفريسة المتنازع عليها ترقد جثة هامدة بالقرب من شوك الحظيرة وقد لفظت أنفاسها الأخيرة قبل أن يلتفت الذئب إلي رزق الله الذي أخذ يغرس مديته في جوفه . ورفع رزق الله بلا حراك .. وكان لا يستره إلا خرقة تكاد تستر عورته .. وهو يصدر أنيناً متقطعاً .
وتلاحقت الآراء والنظريات في إسعافه .. فهناك من قال عليكم بالزيت المقلي وأخر أشار بالقرض المقلي بالشاي وثالث أشار بلحاء الشجر وآخر .. وآخر .وبعد تلك الليلة وبعد ثلاث ليالي مضت وقبل شروق الشمس فتح رزق الله عينيه على الحضور وهو مندهش لهذا الجمع الملتف حوله .. وسأل عن السبب ولكنه تلقى الرد من جدي عبد الرحيم الذي قال له بسم الله الرحمن الرحيم .. وردد رزق الله خلفه وهو يتنفس بصعوبة .. وشقت الكون في ذلك الليل الساكن زغرودة فرح ( صوت أخته أم كلثوم ) , وبعد ستة أشهر كاملة أصبح رزق الله الصياد يستطيع المشي بين أزقة القرية ولكن بثلاثة أرجل ..