سوق (منكوت) أو الحفائر … مشروع منطقة شعبية حرة

أيمن محمود

وأنت تقصد مدينة كسلا تجد نفسك مجبراً بأن تستلهم من فضاء إرثك الثقافي معلومات عن أهم ما يميزها، وفي مقدمها كما هو حال إنطباع الكل شموخ جبل توتيل، وإذا إعدت الكرة مرتين لاستلهامك هذا نجد أن القاسم المشترك الذي يفرض نفسه في مسألة الخيارات هو سوق الحفائر الذي يقبع عند مشارف مدينة كسلا قبالة شارع الدوحة الذي يربط بين كسلا السودانية وتسني الاريترية.
سوق الحفائر أو سوق (منكوت) ولأي من تلك المسميات قصة يرويها من يوصفون بقدامى مرتادي السوق، وكما للتجار الذين تقادمت بهم أيام مزاولتهم للتجارة في قدح هذا السوق الاستثنائي يعتبرون بمثابة مرجع ومصدر يشبع فضول انصار الذين يسعون لتعزيز ذخيرتهم الثقافية بالإلمام والملاحقة قاصدين بها دحر الجهل.

يروي لنا العم سليمان شبيكة منكوت سبب تسمية هذا السوق بالحفائر قائلاً: أنا أول من حط رحاله في هذا السوق، وكان ذلك في العام 1986م من القرن الماضي، وبدأت بنصب خيمة وعرض بعض الاحتياجات اليومية للعرب الرحل والرعاة عبر المسارات، وظللت على هذا الحال حتي توسعت تجارتي بإقامة دكاكين تعرض منتجات أخرى. وعندها فقط تقاطر بقية التجار من كل ربوع البلاد وشرعوا في عرض منتجاتهم كل في مجال تخصصه الى أن ذاع صيت هذا السوق واضحى واحداً من اكبر الاسواق في البلاد شهرة خاصة بجودة الماركات مع رخص ثمنها. إذ يحوي السوق كافة المستلزمات من الإبرة الى جهاز كشف الذهب.
وعن تسميته بسوق الحفائر جاءت إفادات العم شبيكة مؤكدة أن لوجود حفائر ضخمة حول هذا السوق والتي نتجت عند قيام بعض الردميات بطول الشارع الاسفلتي الذي يربط كسلا ببقية المدن هذا هو سبب التسمية.
قاطعه صالح تهداي بصورة تحتوي إطارها على المحافظة للحق الأدبي للعم شبيكة منكوت بحكم أنه أول من انشأ هذا السوق إذ قال: ما إن امتطى العم منكوت جواد ابتكاره قاصداً به المشاركة في سباق الاكتشافات حتي ربح رهان السبق الاختياري لموقع السوق، لذا دائما ما يكون اسم سوق منكوت بجانب اسم سوق الحفائر حاضراً في حال الاحاجي والحكاوي.
وعند نوعية الزبائن الذين يرتادون السوق اسهب منكوت في الحديث قائلاً: من كل الاجناس والسحنات، وعن القبائل التي توصف بالمداومة في الحركة الشرائية بيعاً وشراءً قبائل الجلادين وودعامري ودحيان والحويجات والمنافير وكيعكات والدهمان، فضلاً عن القبائل المتاخمة لولاية القضارف وخشم القربة والشوك وغيرها. وقال منكوت إن بعض الزبائن يعتبرون عابري سبيل بالدواب أو بالسيارات فيعرجون الى هذا السوق للتنوير ولكن الحق يقال أن أي زبون يقصد سوق الحفائر أنه سيظفر باي منتج ما، تماماً كالشخص الذي يدخل يده في جوال الدقيق لا تخرج نظيفة باي حال من الاحوال ويرجع ذلك بعودة المنتج مع رخص الثمن.
وعن سؤال طرحناه له عقب تصريحه لرخص اسعار البضائع، جاءت إجابته وكأن بها رسالة للقائمين بالأمر ولكل من له صلة أو اختصاص بتوريد البضائع من المسئولين بسحب أو تقليل كمية الايصالات التي تفرض على المنتجات من نفايات وجبايات وضرائب وعبور وجمارك وغيرها.. إذ قال: بالطبع إن رخصة اثمان هذه البضائع من مواد تموينية وأجهزة كهربائية ومواد البناء ناتجة عن عدم وضع رسوم عليها إذ يقوم بجلبها بعض القبائل من الحدود والتي يجبلها غيرهم بطريقة أو بأخرى من بعض الدول العربية والآسيوية والأفريقية، لذا فإن التاجر يطرحها للمستهلك بسعر يحفز على شرائها بدون مجادلة. أما إذا كانت هذه البضائع تحتوي على أي تبعات واعباء رسوم مالية سيصبح قيمتها كما هو مطروح في اسواق المدن الكبرى وعندما سينطبق على المواطن مثل (الما عندوش ما يلزموش) أو شوف العين ما كتل الغزال.
مسودات في المبايعات
تركنا العم منكوت يتسامر مع اقرانه وقررنا أن نغوص في أضابير السوق ووجدناه يعج بحركة دؤوبة، فالكل يجري في اتجاه والبعض الآخر يبحث عن مبتغاه حالات مفاوضات بشأن الاسعار، فالتاجر يطرح مسوداته التي تشفع في اقناع الزبون بجودة المنتج ورمزية السعر، والزبون يقدم بدوره مسوداته الممهودة في آخرها جملة أن هذا السعر يفوق الخيال، في الوقت الذي يكون الزبون قد ظفر بالمنتج بتراب الفلوس وفي نهاية المطاف يصادق كل منهم على طرح الآخر وعندها يدس الزبون يده في جيبه مستخرجاً حفنة الجنيهات ويسلمها للتاجر والذي يمطره بمقولة مبروك.
يتكون سوق الحفائر من دكاكين تختلف المواد التي اسهمت في بنائه من مواد ثابتة وأخرى بالزنك مع امتداد لكل دكان (بعريشة) صممت من المواد المحلية ليجابه هذا الامتداد الامداد الدائم للبضائع المهولة التي تغزو السوق عند شروق كل يوم جديد.
آثرنا في جولتنا أن نتحقق من نوعيات مختلفة من المنتجات وما أن انتهى قرارنا النهائي حتى انتهى بنا المطاف الى إحدى دكاكين الاجهزة الالكترونية والتي تكتظ بكل أنواع وماركات الاجهزة الكهربائية من شاكلة التلفزيونات والغسالات وأجهزة الكشف عن الذهب وملحقاته أو كما قال لنا عبد الرحيم الناجي صاحب محل للاجهزة: إن تلك المنتجات يجلبها لنا تجار الحدود من القبائل المتاخمة لدولتي اريتريا واثيوبيا وتتسم تلك المنتجات بالجودة والماركات المعروفة وابلغ دليل على جودتها إن لم تكن كذلك لاصابها الكثير من التلف والدمار جراء وعورة الطريق مع السرعة الفائقة.
وقال الناجي إن معظم الزبائن من حلفا وكسلا والقربة والقضارف والفاو، وكذلك شركاء الطريق من وإلى كسلا. واضاف الناجي إن كل اسعار الاجهزة لا تضاهيها اسعار في أسواق البلاد فلك أن تتخيل سعر تلفزيون LCD)) بلازما شاشة فلات 32 بوصة بـ 1100 جنيه، في حين في الاسواق الأخرى لا يقل عن 2500 جنيه نفس الماركة وذات الجودة.
بارحنا المكان سريعاً حتى نبقي حيذاً في محيانا لدهشة جديدة التقينا بتاجر الإقطاعي محمد فاروق محمد الشهير (بحلفاوي) والذي أشار الى أن سوق الحفائر يعتبر بمثابة ملتقى طرق فهو يربط كسلا وخشم القربة وحلفا الجديدة، فضلاً عن أنه يطل على الشارع الرئيسي الذي يربط بدوره عدداً من الولايات مع بعضها قبل أن يتفرع منه شارع الدوحة الاسفلتي الرابط مع الجارة اريتريا.
وأكد حلفاوي أن سوق الحفائر أو سوق منكوت كما يحلو للبعض أن يسميه يفتح أبوابه عقب صلاة الصبح ويستمر في تقديم خدماته الى العاشرة مساءً. إذ يرتاده الزبائن من منطقة القرقف والشاويه ودار هشاي وأم قميص فيأخذون كفايتهم من المواد التموينية حتى نفاد الكمية قبل أن يعودوا مرة أخرى للتزود بغيرها.
وقال حلفاوي إنه بجانب المواد المحلية نتفرد بجلب مواد تموينية واردة من دول أخرى عن طريق البر، منها الزبيب وصلصة المدهش والسكر وبعض المعلبات المحفوظة من بقوليات وفواكه، وكل اسعارها في متناول اليد على العكس من اسعار اسواق كسلا القريبة منه.
خليفة إسماعيل صاحب محل اسبيرات وقطع غيار السيارات قال: إن سوق الحفائر ما فرط من المنتجات من شئ، وهاهي اسبيرات السيارات تشكل منظومة في كرنفالات العرض بجودة عالية، ومن المنشأ، فهي يابانية أصلية وتلبي كل حاجة أصحاب السيارات ويتهافت عليها اصحاب ورش الصيانة في حالة (العمرات أي الصيانة) إذ يعون تماماً من مصدر صناعتها أضف إلى ذلك أنها وبهذه الاسعار ستخفض من قيمة اتعاب الصيانة مما يحدو بكثير من ملاك السيارات استجلاب تلك الاسبيرات من هذا السوق، وهذا ما قد كان.
امتع نظري بالدهشة
في الإستطلاع الذي قمنا به وسط الزبائن اجمعوا بأن سوق الحفائر يعد من أهم الاسواق في المنطقة إذ أضحى مزاراً لكل ومقولة المابشتري يتفرج لا وجود لها هنا ، فرغبة الشراء تشكل محرضاً تضامنياً مع الفرجة.
بكري أبو مرين من ابناء كسلا قال: كنت اسمع بهذا السوق كثيراً، وبالرغم من إقامتي في منطقة ليست ببعيدة عنه إلا انني لم أوفق في زيارته إلا هذا اليوم، وأضاف: في الحقيقة لم أكن اخطط لشراء شئ معين وتركت ذلك للظروف والصدفة وها أنا استحوذ على جهاز ديجتال كاسر للشفرات بمبلغ 70 جنيه.
مشاهدات من سوق الحفائر
الذي يرتاد سوق الحفائر يترأى إلى ناظريه اصطفاف رتل من اصحاب السيارات الخاصة التي تقل عوائلهم في باحة السوق، مما يؤكد أن الكثير منهم كانوا (مبيتين النية) بأن تكون زيارتهم من ضمن برنامج السفر لذويهم ومن ثم العودة الى محل إقامتهم .. وايضاً من المظاهر المألوفة ظاهرة سيارات النصف نقل التي يغوص بداخلها بعض المنتجات من خيرات هذا السوق وبكميات تجارية، مما يعني أنها سترحل الى مناطق أخرى لبيعها بسعر اكثر فائدة للمزيد من الربح.
وبالرغم من أن الزبائن ينظرون إلى هذا السوق بعين العناء إلا أن للتجار عين أخرى يرون بها، وعندما طلبنا أن يطبعوا لنا بعض نتائج هذه الصورة التي التقطتها أعينهم لسوقهم جاءت صور المعاناة واضحة بأن الخدمات المتردية يمكن أن تعتبر خصماً على ارشيف هذا السوق.
فالحفائر والتي سمي السوق باسمها تفيض في فصل الخريف وتعمل خراباً ودماراً بالغاً، خاصة من الناحية الصحية والاقتصادية، كما لقلة الإنارة وشح مياه الشرب يمثلان بقية اضلاع مثلث المعاناة.

3 رأي حول “سوق (منكوت) أو الحفائر … مشروع منطقة شعبية حرة

التعليقات مغلقة.