دمـوع علــى خد سيـادي: البشيـر وآخرون.. يوم يبكي السياسيون..!

تقرير : أكرم الفرجابي
كانت لافته للانتباه تلك الدموع التي طفرت من مقلتي الرئيس البشير أثناء اللقاء الذي جمعه بشريحة المعاقين قبيل تدشين حملته الانتخابية، وطبقا لشهود عيان فإن رئيس الجمهورية ذرف دموعا غزيرة بعد إلقاء إحدى المعاقات لقصيدة وصفت بأنها مؤثرة تناولت تحديات الإعاقة، ولم يكن الرئيس البشير وحده من الرؤساء الذين ضبطوا والدموع تنهمر من أعينهم، إذ تحفل الذاكرة بالعديد من الرؤساء الذين ضبطوا وهم في حالة تلبس بالدموع في مناسبات مختلفة، إلاّ أن ذلك البكاء لا يكون في حالات الضيق أو الانهزام، كتلك التي يواجه فيها السياسيون الاعتقال أو يُساقون إلى الإعدام.. لكنهم يبكون من بعض الممارسات السياسية اليومية التي يبدو أنها توفر حيثيات كافية للبكاء، وثمة سوابق كثيرة في التاريخ الحديث، أخرجت بكاء الرؤساء والزعماء السياسيين من دائرة الفعل اللا إرادي المصحوب بالعجز والخجل، إلى ساحات الممارسة السياسية، ودللت على أن البكاء السياسي سواء أكان صادقاً أو مصطنعاً دخل في عالم اليوم ضمن الوسائل الفعالة التي يتقن بها الساسة والقادة استمالة شعوبهم لتحقيق مبتغاهم.

البشير يبكي:
لم تكن الدموع التي طفرت من مقلتي البشير أمام المعاقين هي المرة الأولى التي يبكي فيها الرئيس، حيث ذرف دموعاً غزيرة بمطار الخرطوم الدولي، عندما حمل وزير الدفاع «عبد الرحيم محمد حسين» جثمان وزير الصناعة «عبد الوهاب محمد عثمان» الموشح بعلم السودان، قبل أن يصلي عليه «البشير» ومن خلفه نائبه الأول «علي عثمان محمد طه»، ونائبه «الحاج آدم» ومساعدوه وقيادات الدولة وزملاء الراحل، دموع الرئيس لفقد عبد الوهاب مردها ربما إلى العلاقة القوية التي ربطت بين الرجلين منذ سني الإنقاذ الأولى؛ إذ يعد عبد الوهاب من كوادر الحركة الإسلامية الأساسيين منذ تأسيس (دانفوديو) وشغل منصب مدير لها، ثم ارتباطه بالوزارة التي سبق للرجل أن تقدم باستقالته منها لأكثر من مرة كان الرئيس يقابلها في كل مرة بالرفض، إلا أن مغادرة عبد الوهاب الدنيا بأسرها ومناصبها الوزارية جاءت نهائية هذه المرة ولم يستطع الرئيس رفضها، وهذا ربما ما اختلج في نفسه وجعل دموعه تغالبه على النزول.
مبارك يبكي:
سياسيون كثر طفرت من أعينهم الدموع ونطت من بين صلابة وتماسك يخالها الناظر لهم ضعفا من بعد قوة ارتسمت في مخيلة الكثيرين.. فهناك العديد من المواقف التي فاضت فيها أعين سياسيين وسياسيات أو أجهشوا بالبكاء بسبب مواقف صدق أو بدواعي إحباط من وضع معين، وثمة اعتقاد بأن رؤساء العالم هم عادة أقوى الرجال أو هكذا يفترض أن يكونوا، إلا أن القوة السياسية من الممكن أن تذوب أحيانا أمام المشاعر الإنسانية داخل كل منهم مهما كان جبروته أو عظمته التي يتصورها الآخرون ويوهم بها من حوله، وفي لحظة ما تتغلب الطبيعة على الهالة فتنهمر الدموع ليس فقط في الخفاء ولكن أيضا أمام عدسات المصورين، رؤساء كثر غالبتهم دموعهم أبرزهم الرئيس المصري المخلوع محمد حسنى مبارك الذي انهارت دموعه مرتين وهو الرئيس الأقوى لمصر، لكنه خرج من السلطة بإرادة شعبية وثورة جارفة فالمرة الأولى كانت عندما علم بسجن نجليه علاء وجمال ودخل وقتها في بكاء هستيري ولم يوقف بكاءه إلا الحبوب المهدئة وفى المرة الثانية التي بكى فيها كانت داخل قاعة المحكمة وهو نائم على ظهره والمصريون يهتفون ضده وهنا بكى ولكنه تمالك نفسه.
دموع سخية:
دموع الزعماء سخية عندما يريدون لأنفسهم الظهور أمام شعوبهم بمظهر كل البشر، وثورات الربيع العربي كشفت للعالم أن الزعماء أيضا يبكون وهم يخطون أول خطواتهم في السلطة، والأرجح أن المرزوقي الرئيس المؤقت لم يكن الوحيد الذي غلبه الدمع وهو يلقي خطابه التدشيني بعد تعيينه أول رئيس لتونس بعد الثورة، كما ظهر الجنزوري رئيس الوزراء المصري بدوره باكيا أمام عدسات المصورين وهو يتحدث عن الأحداث الدامية التي شهدتها بلاده أثناء وبعد الثورة، وقد لا تكون دموع الزعماء دوما دليل ضعف بقدر ما يمكن أن تكون دليلا عن النبل والإنسانية حتى أن كان الكثيرون يعتبرون أنها جزء من ديكور قد تفرضه بعض المواقف الحساسة في حياة الزعماء, وقد كان الزعيم الراحل بورقيبة أحدهم وهو الذي لم يكن يتحرج من البكاء في خطاباته أمام الشعب حتى أن بعض المقربين من الزعيم الراحل كشفوا أن ذلك جزءا من شخصيته حيث كان يحدد في خطاباته اللحظة التي سيتوقف عندها ليبكي أمام الحضور قبل أن يعود إلى مواصلة ما كان بصدده، على أن دموع الزعماء قد يقابلها أحيانا دموع شعوب تقدر لتلك الزعامات مواقفها ودورها ومكانتها في التاريخ تماما كما كان الحال مع رحيل زعماء من وزن عبد الناصر وحشاد وبورقيبة وعرفات وغيرهم من الزعامات التي كانت لها بصماتها وتأثيرها على الشعوب.
البيت الأبيض:
فالبكاء لم يقتصر على رؤساء الدول العربية فحسب، وإنما رؤساء الدول العظمى كذلك مثل الرئيس الأمريكي باراك أوباما عقب حملته الانتخابية الثانية التي جاءت به رئيسا للمرة الثانية، قبلها بكاء الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عندما ضرب برجي التجارة العالمي في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وعندها فقد بوش كل قوته السياسية وبكى للمرة الأولى في حياته، أما المرة الثانية فكانت عندما استخف بالقوانين الدولية والآراء العامة لغالبية الدول الغربية التي أمدته بالكثير من المعلومات الخاطئة وعلى إثرها قام بإرسال آلاف الشباب إلى أفغانستان والعراق واعتقد الكثيرون منهم أن في ذهابهم إلى أي من الجحيمين في الحصول على الجنسية الأمريكية آملين جميعا أنهم سيعودون في اقرب وقت إلى وطنهم أمريكا ولكن الرياح دائما تأتى بما لا تشتهى السفن فمنذ الإعلان الرسمي عن انتهاء حرب العراق والمقاومة العراقية كانت أهدافها الجنود الأمريكان وذهب الكثير من الشباب الأمريكي إلى بلادة في نعوش وأمام كاميرات المصورين قام بوش بالبكاء على الجنود الأمريكان وكانت المرة الثانية.
دموع إسرائيلية:
بكى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريل شارون، أثناء حملته الانتخابية في عام 2001م، كان قد وعد ناخبيه بان يكسب الحرب ضد المقاومة اللبنانية ويحطم الفلسطينيين وكان يحلم أن يكون رجل الإنسانية لكن إسرائيل مرت بأزمة اقتصادية طاحنة والانتفاضة الثانية أخذت منحى كبير والجيش الإسرائيلي أعاد احتلال الضفة الغربية وشارون يحاول دائما أن يوطد علاقاته مع واشنطن وبالرغم من ذلك فانه أصبح بعيدا عن المجتمع الدولي لكن دموع شارون تنهمر بسبب ما يحدث لمواطنيه في العمليات الاستشهادية من جراء احتلاله الأراضي الفلسطينية وكذلك عندما يتذكر حرب أكتوبر التي كان هو نفسه واحدا من ابرز الجنرالات فيها.
موسكو وباريس:
الدموع في العيون الخضر أو (عيون الخواجات) انهمرت من مقلتي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما انتخب عام 2000م ليقوم بتحسين صورة روسيا أمام الأمريكيين فيسمونه (رجل بدون وجه) يومها بكى بوتين بعد أن اخترقت المافيا الروسية المجتمع الروسي وتسببت في انتشار الفساد أم بكى بعد أن مات مالا يقل عن 200 ألف شخص من المدنيين والعسكريين في الشيشان وامتلأت عيناه بالدموع، أما الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك فقد بكى بحرقة شديدة في أغسطس من العام 2003 عندما تسببت موجة حارة في وفاة 15 ألف فرنسي، جميعهم من المسنين، واكتشف المجتمع الفرنسي لأول مرة أنة غير قادر على حماية المسنين.
دموع الإسلاميين:
ذرف الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية الدموع في منزل الشيخ حسن الترابي، كما جاء في تقارير الصحف غداة زيارته لمنزلٍ ألفه الغنوشي وألف أهله رؤية قيادات الحركات الإسلامية في الوطن الكبير تسعى للقاء الشيخ الترابي بعد نجاح الثورة الظافرة في السودان ووصول أول حركة إسلامية للحكم بعد أفغانستان، تذكر الشيخ راشد الغنوشي الزمن الجميل بلغة أهل الفن، والعصر الذهبي بلغة أهل الرياضة، ويقين الغنوشي أن مقولة أجمل الأيام لم تأت بعد هي محض تفاؤل وحلم زائف لحقن شرايين المسلمين بجرعات الأمل.. وقد غربت شمس تلك الأيام التي كان فيها منزل الشيخ الترابي قبلة الزائرين من المعجبين والمشفقين والحادبين على السودان وطناً وعلى الإسلام ديناً ومشروعاً سياسياً خصبته وحدة الصف بفيتامينات المناعة قبل أن يضعف أثرها ويغرد (البوم) في سماء وطن قسمته الأقدار لوطنين ومشروع إسلامي ضربه الجفاف والتصحر وانشق لحزبين، هل بكى راشد الغنوشي المكان أو ذرف الدموع من أجل الزمان؟! وبكى حباً لوطن احتضن الإسلاميين ساعة ضعفهم ولفظهم ساعة قوتهم؟! أم بكى الذكريات والخرطوم كانت ملهمة للإسلاميين في كل مكان وأشواق بددتها قسوة الواقع وأماني تدحرجت من مشروع الأمة لمشروع الدولة، والإسلاميون كل يوم تعصف بهم رياح تقسيم السودان ليس منه ببعيد منذ مفاصلة رمضان الشهيرة وحتى تغييرات ديسمبر الأخيرة.
دموع السياسيين:
الدموع ليست محصورة على الرؤساء فحسب، وإنما السياسيون الكبار أيضاً ممكن أن يبكون، إذ مسح البروفيسور إبراهيم غندور مساعد رئيس الجمهورية حينما كان يتقلد وقتها منصب أمين العلاقات السياسية بالمؤتمر الوطني، بمنديل أبيض ناصع الدموع التي طفرت من عينيه على نحوٍ مباغت أثناء حديثه العاطفي عن الوحدة بمدينة عطبرة بصالة المعلم أمام حشود كبيرة في فاتحة اجتماعات اللجنة المركزية للنقابة، كان يتحدث عن أهمية العمل من أجل تحقيق الوحدة والوعي بالمؤامرات التي تستهدف تقسيم البلاد، ثم قال أن التاريخ لن يرحمنا إذا انفصل السودان، ولن يرحم من يقف على الرصيف.. أجهش غندور بالبكاء. بعدها، مدير الجهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق صلاح قوش بكل (هيلمانه) أجهش بالبكاء لحظة وصوله منزله والتقائه أسرته التي بادلته الدموع بعد اتهامه بالمحاولة الانقلابية، وحينما غادر وزير المعادن السابق كمال عبد اللطيف مقعده الوثير في الوزارة جراء التعديلات الأخيرة، قرر العاملون في الوزارة رد (الجميل) للرجل فأقاموا له حفلا فخيما أحاله كمال لسرادق عزاء، لعل مفارقة المنصب هي ما جعلت دموع الرجل تفضحه بالبكاء، كما أجهش القيادي بالمؤتمر الوطني أمين حسن عمر بالبكاء في مجلس شورى الحركة الإسلامية الأخيرة بعد اتخاذ القرار بإبعاد غازي صلاح الدين قائد مجموعة الإصلاحيين بالوطني، ولعل دموعه حينها كانت تبكي إبعاد رفيق دربه في جامعة الخرطوم والحركة الإسلامية، وقد وصف الرجل إبعاد غازي ومجموعة الإصلاحيين بأنه خطأ وبأنه كان بالإمكان حل المشاكل بالحوار المتبادل، كما بكى أيضاً القيادي بالحزب الحاكم د. نافع علي نافع عندما تذكر رفقاء الميل أربعين بمحلية ود بندة في يناير من العام 2012م.
الربح والخسارة:
رئيس تحالف قوى الإجماع الوطني فاروق أبو عيسى، طيلة سنين عمره وهو ينافح من أجل قضايا آمن بها في عمله السياسي، قال في إفادة سابقة للزميلة (اليوم التالي) قبل اعتقاله بعد توقيعه لوثيقة نداء السودان مع الجبهة الثورية للدموع عند الرجل دلالات سياسية تحملها، أبو عيسى لديه مقولة قالها مرة عن دموع السياسي، حين وصفها بأنها دموع غالية لا تُذرف إلاّ لمن يستحقها من الناس أو الأحداث. وقال الرجل إن الذي يبكي هو السياسي الإنسان المرتبط بقضايا وطنه وبمن يعملون معه في ميدان السياسة، فعندما يفتقد أحدهم، أو يفقد واحداً من الأهداف التي كان ينادي من أجلها فإنه يبكي، أما السياسي التاجر، الذي يتعامل مع السياسة بمفهوم الربح والخسارة، فإنه لا يبكي ولا يعرف الدموع.
دموع تماسيح:
المحلل السياسي عمر حمد حاوي يرى أن دموع السياسيين ليست دموع تماسيح وأن البعض لديهم عواطف جياشة، وأن بعضهم قد يسعى لتحقيق وضع أو شيء خلال مسيرته السياسية يتحول إلى بكاء لإحساسه بالنقص والعجز عن تحقيق ذلك الشيء، وقال وفقاً لتقارير إعلامية سابقة إن بعض السياسيين تصيبه الصدمة من الدعاية التي ظل يقدمها للشعب.. ولحظات الفقد السياسي عند الدكتور عمر حاوي شبهها بلحظات الفقد الإنساني وربما هو مرد الدموع التي تغالب السياسي، ولفت الرجل إلى أن بعض السياسيين قد تكون لديهم هشاشة إنسانية وبعضهم تربطهم صداقات وتداخلات سياسية وذكريات مع غيرهم من السياسيين وخاصة الإسلاميين، ورأى أن الموقف الإنساني يفوق الموقف السياسي.
بكاء تاريخي:
الكاتب بصحيفة الأهرام المصرية د. حمدي حسن أبو العينين وصف البكاء بأنه تعبير عن المواقف التي تلامس فيها المشاعر لحظات الضعف الإنساني، ومضى في المقال الذي كتبه بالأهرام بأنه شعور لا يعبر عن نفسه في مواقف الحزن فقط، وإنما في مواقف كثيرة منها الندم، والفرح، والألم والخوف والضعف والسياسة أيضا، وإذا كان السياسيون هم الأقل بكاء إلا أنهم أكثر من تسببوا في بكاء الناس على مر التاريخ.