الشاعر : تاج السر عبد القادر يرثي نفسه في «الفات زمان»

الخرطوم: آدم قلباري
التعاطي مع تجربة تاج السر عبد القادر، في مشهد نصها الإبداعي «الفات زمان» في كثافتها الاستهلالية تزج بك في زحمة الأزمنة… هنا زمن يخلعه الظن الافتراضي، وزمن ارتدادي آت من أقاصي أعماق الحلم وأوهام الصبا، نابشاً لذاكرة الطفولة في انبهار وادهاش شعري أتى في اللحظة الانفعالية من صوت صميم اختزنته ذاكرة الحلم، هذا الصوت هشم أزمنة الظن الافتراضي المطلق ، فحرر شاعرنا من قيود الرتابة واليومي الممل، وليبحر قانعاً عبر انسياب سمفونية روعة أناقة النغم.
الكنت قايلو الفات زمان ٭ رجعتو بي طعم الغنا
احلام صباي والذكريات ٭ هومتي بي بالدندنة
أتاري في جواي نغم ٭ هنا القليب بيدق هنا
ثنائية الزمن والفعل أجبرته لرسم حالة انكفاء إنسانية في انهيار ثوابتها وانسلاخها وتغربها من واقعها المعاش.. لكن شاعرنا ظلّ برغم ذلك مبدأ ووجداناً وعاطفة..
ناسي القبيل اتغيروا لكني ما اتغيرت أنا
يعود بنا ثانية إلى تفعيل التياع العاطفة الحلم في مشهدية استفهامية، تتدافع فيها أطياف الهوى في بصمة أدائية متفردة.. فيتعانق الحرف وخيالات الرؤى لتنداح عبر نداءات الوجع والحسرة وتجليات ذاكرة الأغاني:
أطياف هواي الليلة جات تسأل على ملهوفة كيف
أجمل صور عبر الخيال مرسومة في خطوط الحروف
يا وجعت الزول اليتيم يا حسرة القلب الرهيف
يا حليلة طلات الصباح طي العوينات الشفيف
هناك شعراء أحياء رثوا أنفسهم وأشهرهم مالك بن الريب لدغته حية وهو في طريق عودته من إحدى المعارك في «خرسان» وقد ، قضى نحبه قبل أن يبلغ الديار. والقصيدة مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بجنب القضا ازجي القلاص النواجيا
إلى أن يقول في تلك المطولة وقد اخترت منها:
ألا أنني بعت الضلالة بالهوى
وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
يقولون لا تبعد وهم يدفنوني
وأين مكان البعد إلا مكانيا
تذكرت من يبكي عليّ ولم أجد
سوى السيف والرمح الرديني باكيا
واشعر محبوك يجر عناته
إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا
ويرمل نسوة لو شهوتي
بكين وأفديت الطبيب المداويا
فمتهت أمي وابنتاي وخالتي
وباكيه أخرى تثير البواكيا
أما في العصر الحديث، الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته «الجوارية»
لكن الشاعر المصري أمل دنقل هو أكثر شاعر رثى نفسه وتلك المراثي حواها ديوانه «أوراق الغرفة رقم 8» وتوفي بالقاهرة بمستشفى الأمراض السرطانية في 21 مايو 1983م.
نعود «للفات زمان» رأى في القصيدة هي الاخرى مرثية «استباقية» أقرب لمراثي أمل دنقل وإن اختلفت عنها كونها دارجية وإن تشابها الاثنان في البلوى وعشرينات الأشهر في الرحيل.. دنقل رحل 21/6/2013م بمستشفى الذرة بالخرطوم ووري جثمانه بقريته الزرياب بولاية نهر النيل.
في خواتيم قصيدة «الفات زمان» وفي وداعها الدامع، تتكشف عن رمزية فلسفية، تعدت الحدس وتنبأت بالقادم. الغامض في حلوله السرمدي . في متاهات لغوية جعلت من متن النص ، أيقونة مأساوية جمالية، في مشهدية متشابكة الخيوط ومتقنة الحبك، لتفرض دهشتها وتميزها مما أهلها لتكون من أجمل النصوص التي أداها «الراحل محمود عبد العزيز ولتمنحنا زمناً آخر خارج أزمة تاج السر عبد القادر وهو زمن المبدع محمود عبد العزيز والموسيقار عز الدين عيسى، الذي اطفأ على المفردة شجن ولوعة وتطريب من نوع خاص و(استثنائي».
مكتوب على سفر الشجون شوق الحنين لوعة حزين مكتومة في اعماقي محبوسة في دمع العيون
لمتين معاك سفر الشقا قولي متين بكوني
كأني مرهون للعذاب وادفع سنين من عمري دين.