التــهــديد فـــى الســيــاســة.. القــفز تحــت المـــاء

تحقيق : جواهر جبريل
لغة التهديد واحدة من اساليب الضغط التى تستخدم فى افاعيل السياسيين كما انها تستخدم فى ارفف الحياة العامة وانسحبت ايضا الى الاستخدام السياسي باعتبار ان السياسة لا تنفك عن التداول و التعاطى من الحراك الذى يحدث فى المجتمع وفى ساحة السياسة السودانية يعتبر التهديد المعنوى(التهديد بالانشقاق عن الكيان او الانفصال عنه) يعتبر لغة اخرى بجانب التفاوض و التحاور ويعتمدها بعض الاشخاص او الجهات التى تكون لديها مطالب لدى الحكومة وعجزت عن الوصول اليها بالطرق التفاوضية الاخرى, وغالبا ما تشكل التهديدات بانواعها مصدر ضجر يؤرق كاهل الاحزاب و الدولة و نظامها

التهديد كلغة متبناه
كما قد يطال التهديد المسئولين ايضا والتهديد بصورة عامة يمثل لغة اكثر من يتبناها الاحزاب المعارضة للنظام او الجماعات المسلحة او اي جهة اخرى تحاول الوصول لاهدافها ومطالبها كما قد تكون احزاب مشاركة ضمن الهيكل الحكومى ويطرأ خلاف بينها وبين النظام يقوم هولاء الافراد او تلك الكيانات باطلاق تهديدات بعد محاولات سلمية او بدونها حسب الجهة وغالبا ما يعتمدون على استخدام التهديد كلغة ضغط على الاطراف التى هم بصدد الوصول معها الى اتفاق وايضا قد يكون خلاف صغير بين رجالات السياسة ثم يتطور و يتصعد حتى يتطور لمرحلة التوجه الى التهديد كلغة متبناه , والتهديد يمثل سلاحاً يستخدمه السياسيون و الجماعات الاخرى عندما يستعصى عليها تحقيق اهدافها بكل الاساليب الديمقراطية من حوارات و مفاوضات و وساطة تلتجئ بعد ذلك الى الطرق العنيفة والتى ياتى فى مقدمتها التهديد كفعل يضغط على الطرف الاخر و يجبره على الموافقة وليس دوما ما يجدى ذلك نفعا فالتهديد لديه ظروف و بيئة خاصة يتماشى معها و ليس كل التهديدات تاتى اكلها و وهناك تهديد يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون هو التهديد بالقتل او الاذى التهديد الجسدى وهو ما يتعرض له الافراد ما يعرف بالتصفية الجسدية اما الانظمة فتتعرض للتهديد بالخروج عنها و التمرد عليها وهو تهديد لفظى لا يشكل خطورة على حياة احد لذلك فهذا النوع فى نظر القانون لا يعتبر جرماً.
التلويح بالضعف
بعض المختصين قالوا ان لغة التهديد تتكون من شقين اولهما التحذير المبطن و الاخر هو التهديد المباشر بالفعل ويعتبران وجهان لعملة واحدة وهى الارهاب بشقيه النفسي و الذى يسببه التهديد بالانفصال عن الكيان الذى ينتمى اليه الشخص الذى يطلق التهديد او الجسدي ويعتبر مختصون ان التهديد عبارة عن لغة ضعيفة الحجة تقف على قاعدة من الروح العدوانية وابراز العضلات فقط وتعتمد على القوة لارهاب الآخرين الذين يختلفون معها وكل هذا لا يمت الى السياسة بصلة حيث ان السياسة لديها اداب و ادوات خاصة تعمل تحتها .وهناك حكمة معتقة مفادها ان كثرة القول يتبعها قلة فى الفعل وهذا يؤكد ان التلويح والتهديد هو مجرد ضعف يمتزج معه علو الصوت دون ان يكون هناك تنفيذ فعلى لتلك التهديدات اذ ان الشخص او الجهة التى تريد القيام بامر فانها تتجه مباشرة الى مرحلة التنفيذ متجاوزا بذلك اطلاق تهديدات الوعد و الوعيد التى ليس لديها صدق يسندها والتى تفسيرها دائما ما يكون هو الضعف بحسب مختصون و تختلف النظرات الى لغة التهديد كمنهاج يحذوه السياسيون تبعا للموقف فهناك من يقبله وهناك من يواجهه بالرفض والتزمر,حيث يرى انصار الشق الاول وهم الذين يقبلون بالتهديد كتصرف ضرورى يرى هولاء ان التهديد فى بعض الاحيان يشكل اداة ضغط يمكن ممارستها ضد الانظمة التى لا تريد ان تدخل فى خلافات مع معارضيها او الاحزاب التى تواليها لجهة ان معظم الحكومات لا تستجيب لمطالب الاخرين الا عن طريق الضغوطات التى تمارس ضدها والتى يفرزها عنصر التهديد ولذا يجد هولاء ان التهديد يمثل بالنسبة لهم سلاحا يقوى من ازرهم عندما تكون لديهم مطالب يريدون الحصول عليها . اما بالنسبة الى الطائفة الاخرى والتى تقف ضد تبنى التهديد كلغة ضغط فهى ترى فى التهديد ضعفا فقط يتخذ من علو الصوت ستارا يحتمى به وما ان يسقط هذه الستار حتى يبرز وجها جبانا وضعيفا .
اشياء عزيزة
وفى السياسة السودانية تظهر فى الفينة والاخرى تهديدات يطلقها بعض الساسة وهى تهديدات لفظية خاصة باتخاذ مواقف واخرها هو ما حملته عناوين الصحف فى الايام الماضية ان نواب البرلمان المستقلين قد هددوا الانسحاب من جلسات البرلمان الراتبة حيث اتهموا القيادات التى تدير البرلمان بانها ديكتاتورية حسب قولهم خاصة فيما يلى طريقة انتخاب الروساء التى قال الكيان البرلمانى حديث العمر انها تتم بطريقة باطلة وعشوائية .هذا يؤكد ان فعل التهديد هو لغة واردة فى السياسة السودانية .اذا على ماذا يستند المهددون وهم يطلقون العنان لتهديداتهم وهل هم على يقين من انهم سيجدون استجابة لمطالبهم و ان تهديداتهم تلك ستحظى بشئ من الغلة وماهى نقاط الضعف التى يستهدفونها ضد الاطراف الاخرى؟
المحلل السياسى صلاح الدين الدومة يرى ان التهديدات موجودة فى شتى المجالات سواء كانت فى مجال المال الحياة العامة او السياسة واضاف فى حديثه لالوان امس ان الشخص او الجهة التى تهدد تكون لديها هدف معين تريد ان تصل اليه من خلال التهديد احيانا يكون هدف مباشر و احيانا اخرى يكون غير مباشر فقد يهدد الشخص بشى و فى الوقت نفسه يكون لديه هدف اخر غير معلن ولكن فى الاخير يكون هناك هدف , ودائما تهدد الجهات باشياء تكون عزيزة على الطرف الاخر وان لم يستجيب لها يمكن ان تلحق به اذى ,و التهديدات واردة فى الحياة السياسية سواء فى داخل السودان او خارجه واشهر التهديدات برايى هى تلك التى اطلقتها الحركة الشعبية قطاع الشمال عندما هددت بالانسحاب من البرلمان ومن الحكومة ايضا و ليس دائما ما تجد التهديدات نتائج ايجابية فبعضها لا يستجاب له .
بنظر القانون
التهديد فى احد انواعه يعتبر فعلاً تجرمه كثير من قوانين الدول ما هو الذى يعد جرما والذى يندرج تحت طاولة القوانين وما هى الانواع التى لا تعتبر تهديداً فعلىاً ولا تحرك ضدها اوراق المحاكم وماهو موقف القانون السودانى تجاه التهديد بانواعه ؟
القانونى بارود صندل يرى ان التهديد الذى يمثله تخويف الاخر باي شكل من الاشكال و يشكل خطورة على حياته يعتبر جريمة بموجب القانون الجنائى السودانى ايا كان شكله سواء كان عنفاً لفظياً موجهاً هو فعل مجرم قانونيا واضاف فى حديثه لالوان امس ان عقوبته تتفاوت لانه ليس كل لفظ يمكن اعتباره تهديداً وعقوباته تتدرج بين السجن و الغرامة و جبر الضرر وذهب صندل فى حديثه الى ان التهديد الذى يستخدمه رجال السياسة السودانية بالانسحاب من الحكومة او مقاطعتها و ما الى ذلك فهذا لا يعتبر من التهديدات التى يجرمها القانون بل يعتبر احدى الفنيات المتبعة فى عمليات التفاوض والحوار فعندما يكون هناك طرف حكومى وطرف اخر داخلى او خارجى تقع انواع من التهديدات اللفظية كالانسحاب من الحكومة او مقاطعتها و هذا ليس لديه علاقة بالجريمة لانه يمثل فقط طريقا تتخذه الاطراف لاجبار الطرف الاخر الذى تتفاوض معه على قبول مطالب محددة .
استراتيجية الحزب الحاكم
اذا كان بتلك الطريقة يتعامل القانون السودانى مع التهديد حيث يقاضى على التهديد الذى يشكل خطورة على حياة الجهة او الشخص الذى يوجه اليه التهديد بينما يظل النوع الاخر اي التهديد اللفظى يظل بنظر القانون اسلوب تفاوض يتخذه الساسة للضغط على الحكومة او على الاطراف الاخرى ,اذا كيف تتعامل الحكومة مع التهديدات التى تقع عليها من معارضيها او من الاحزاب الاخرى بمختلف تسمياتها و مواقعها لدى الحكومة . وهل الحكومة نفسها هل تمارس التهديد هى الاخرى ام دوما هى الضحية التى يطالها التهديد القيادى بالحزب الحاكم المؤتمر الوطنى د. ربيع عبد العاطى يرى ان السياسة لا بد لها من ان تتبع اسلوب الترغيب اكثر من اساليب الترهيب و الترغيب واوضح فى حديثه لـ(الوان) امس ان لا احد يستطيع ان يستقطب احد اويملى عليه تصرف باستخدام لغة التهديد خاصة وانها اصبحت فى الاوانة الاخيرة ثقافة محاربة و اي كيان يتبع فى سياساته لغة التهديد هو الخاسر ان لم يجد نفسه هو المستهدف فى نهاية الامر واضاف القيادى البارز بالوطنى فى حديثه ان حزبه المؤتمر الوطنى يعتبر من الاحزاب التى تميل فى تعاملها الى الرفق لانه يمثل المبدأ الذى اتخذه الحزب منهاجا فى تعامله و اعتمد عليه حتى اصبح ثقافة بالنسبة له واكد د. ربيع ان التهديد هو تصرف بعيد عنهم كل البعد لانه يمثل فشل الحزب و خسرانه و اي حزب يميل الى التهديد سيعرض نفسه حتما للخسران و بالتالى على المؤتمر الوطنى ان يمارس المبدأ الذى تبناه و يعمل وفقا لها وهو مبدا استقاه الحزب من الاية (ادفع بالتى هى احسن ) وقال: لا مجال للعمل عندنا الا بذلك و اي اسلوب اخر سيخسر الحزب و يفشله . وفى استيضاح طلبته الصحيفة من د. ربيع حول كيف يتعامل الحزب الحاكم مع التهديدات التى يتلقاها ايا كان مصدرها و نوعها قال :نتعامل مع التهديدات التى نتلقاها ايضا بمبدأ الدفع بالحسنى ومن منطلق الايه الكريمة( ولئن بسطت الي يدك لتقتلنى ما انا بباسط اليك يدي لاقتلك ) واضاف :ان جاء شخص ما و مارس معنا التهديد لا نواجهه بالتهديد بل نتعامل معه بالرفق و اللين حيث ان المودة و السماحة فى مقدورها ازلة الخلافات و من يتعامل معنا بالتهديد نعامله بالحوار فقط حتى نصل معه لحلول .
فن الممكن
السياسة حقل اكثر ما يميزه هو الخلافات المتكررة و التى تبرز اوساط السياسيين من جهة و بين الحزب الحاكم و الاحزاب الاخرى من جهة اخرى و لما كانت هذه هى الصفة الغالبة لا بد ان تجد التهديدات ارضا خصبا و تتطاير فى مختلف ارجاء الاعلام معلنة عن ان الاوضاع بين السياسيين وليست على مايرام . حيث ان مختصين اكدوا ان التهديد و السياسة يمثلان خطين متوازيين و فرصة التقاهما مستحيلة لان التهديد لغة لا تتناسب و لا تتفق مع السياسة باي شكل ناهيك عن كون المبادى التى تعمل السياسة وفقا لها . اذا كان الحزب الحكم من جهتة اكد انه بعيد عن مبدا التهديد و لا يمارسه مطلقا بل يتعامل مع التهديدات التى تقذف نحوه بشى من الرفق و اللين .كيف تتعامل المعارضة السياسية مع التهديدات او بالاحرى ما هو موقفها تجاه التهديد كلغة مستخدمة فى بطون السياسة و مناهجها بغض الطرف عن من الذى يستخدمها و ما هوالشكل التى ترد به عند الاستخدام
القيادى بحزب المؤتمر الشعبى د.كمال عمر قال بان السياسة هى فن الممكن و اوضح فى حديثه لالوان امس ان احد الادوات المهمة فى السياسة هى اللغة لذلك فان اي قالب تهديد ينتقص من معانى السياسة بشكلها المطلوب لانه يتعارض كليا مع السياسة التى وصفها د.كمال بلغة اللينة و الطيبة و المقنعة و هى معانى لا تستقيم مع لغة التهديد وذهب القيادى بالشعبى فى حديثه الى ان التهديد هو اسلوب لا يحبذه حزبه المؤتمر الشعبى حيث قال :نعتبر ان التهديد هو اسلوب مضر ويعبر عن عقلية استفزازية و طاغية تزدهر اكثر فى النظم الشمولية حيث يتصدر التهديد طابع الكلمات السياسية ويصدر دوما من السلطة ,اما فى عهد الديمقراطية فليس للتهديد مكان وذلك لا الديمقراطية مربوطة بالشورى و الحريات و راي الشعب و التهديد لغة مرفوضة وغير مقبولة .
فى جميع الاحوال تظل السياسة مرتع يرتاح عنده كثيرون و بذلك هى تمثل ابواب مفتوحة امام كل من يريد و تظل ممارساتها متجددة بين الحين و الاخر كما سيظل التهديد لغة وان تم تجاهلها الا انها ستكون موجودة و المحك سيكون فى كيف يمكن التعاطى مع تلك اللغة ذات الابعاد المترامية و فى الساحة السياسية السودانية التهديد لم يصل بعد الى مرحلة الخطورة حيث التلويح لا يزال بالانسحاب و المقاطعة وهى امور فى مقدور الحكومة التعاطى و التداول معها