البُعـد المسـرحــي فـي (عـم عبـد الرحيـم)

قيس الصديق شحاته

لم يلجأ الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد إلى المباشَرَة في الأشعار التي غنّاها، بل اتّخذ من الرمزية سبيلاً سلكه عبر معظم أغنياته، وأجادَ في انتقائه لقصائد عبّرت – أو كادت- عن طبيعة الأفكار التي تعكس اتجاهه الفكري والثقافي، وميوله الغنائية والشّعرية.
وتعتبر أغنية (عم عبد الرحيم) إحدى إشراقات الراحل التي تُعَد أنموذجاً مثالياً لمشروعه الغنائي وفلسفته الفنيّة.. أنموذجاً يختزل بين جزيئاته من حيث المبنى والمعنى، قدْراً غير يسير من الإبداع الذي يشرح بوضوح كم كان الراحل مُغنّياً فذّاً ومُلحّناً مُقتدراً.
يمكن بدءاً تصنيف أغنية (عم عبد الرحيم) في طليعة الإرث الغنائي الثوري الذي يُحاول أن يُلامِس آلام وأحلام قطاع الهامش العريض، حيث اتخذ الراحل (حمّيد) شخصية (عبد الرحيم) نمطاً عبّر من خلال تفاصيل يومه العادية عن حياة البُسطاء ومصائرهم المُحزنة عندما تختار لهم أقدارهم مجاهلَ وعِرة المسالك، ودروباً شائكة الحواجز.
الأغنية عبارة عن ملحمة مُحتشِدة الصُّور والرموز.. وبها مسرح مكتمل الأركان والتفاصيل والمشاهد… وقد استهلها حمّيد بـ (تقرير) مُعبّر عن (صباحات) عبد الرحيم ذات الأبعاد المُوحية والتفاصيل الصغيرة الغنيّة، بينما أوفتْ استجابة مصطفى اللحنيّة هذه المُقدّمة ما تستحق من (التمهّل) حيث تمدّد الصوت الطروب ليرسم بعناية مدروسة عدداً من المشاهد التي حرِص حمّيد على إثراء اللوحة بها:

صلى على عجل
همهم همهمة
حصّن للعباد .. وهوزز سبحتو
دنقر للتراب .. هم فوق هم هما
صنقع لى السما
وكان فى الجو فى غيم
وكم نجمات بُعاد
وكان الدنيي صيف
لا قالتلو كيف
كيف أصبحت .. كيف
لا لمسة وداد
لا لمسة حنان
لا رمشة طِريف
من قلباً وفى
زى أيام زمان .. أيام الدِفِى
كانت ماها فِي.. كانت في المراح
شدَّتلو الحمار .. تحلب الغنم لي شاي الصباح
والطير ما نضم .. ما رسّل نغم

وقد طوّع مصطفى اللّحن «والصوت» بطريقة تجاوبت – تماماً كما ينبغي – مع المتعرِجات والمُنحنيات والمواقف والانفعالات التي تحفل بها القصيدة.. يتضح ذلك في كثير من مقاطع و(كوبليهات) الأغنية:

السكة الحديد يا عمو القطر..
يا عبد الرحيم قدامك قطر..

حيث سرعة الايقاع المُوحِي بخطر وشيك، والذي يعتمد على «نقرشة» العود بدقّات «عنيفة» مع ارتفاع صوت المُغنّي حتى يكاد يبلغ حد الصراخ.. وأبلغ ما في هذا المقطع أن المشهد يكتمل وتتضح نهايته الدرامية دون أن يُفصِح الشاعر عن ذلك، بل إنه ترك فراغاً ملأ مساحته الحَرَكية مصطفى عزفاً على العود، ليواصل الشاعر – من بعْد – سرْده مُكمِلاً:
… وسال الدم مطر

وفي ذلك براعة في التصوير وحذْق في الأداء الدرامي للأغنية.
ثم تأمل كيف «يهدأ» الايقاع ويجمُد الانفعال ويُبطئ مصطفى من نبرات صوته.. انتقالاً لـ(مشهد) آخر مُنفصل مكاناً عن المشهد الأول، لكنّه مُتصل به في التتابع الزمني والتسلسل الموضوعي للأحداث:
يا طاحن الخبر ما بين القضا ومرحاكة القدر
الشهدوا الدموم .. والدمع الهدر ..
إيدهم في التراب .. والعين في القطر ..
عارفين الحصل .. عارفين في حذر ..

ثم، بعد هذا التصاعد المُرتّب والمُثير.. تسير الأغنية في وتيرة متأرجحة، تتباين فيها مساحات الايقاع بين الرؤى المسرحية التي تصنعها كلماتُها الخلاقة، وبين الأداء الصوتي والنغمي لمصطفى سيد أحمد.. إلى أن يشتد الايقاع «سخونةً» مرة أخرى في المقطع الذي يقول:
عم عبد الرحيم في الشارع عَصَر ..
لي تاله اليسار واتفادى الكجَر

وهكذا، «صنع» مصطفى سيد أحمد من الأغنية سِيرة وحكاية ومسرحاً وفصولاً من الايقاعات والألحان والتعابير.. واستطاع بعبقريته، وسعة خياله، ومرونة أفكاره.. أن يصمّم «قالباً» لحنيّاً يتقمّصُ شعورَ حمّيد قبل شِعره، ويترجمُ إحساسه قبل كلماته، ويفسّر رموزه قبل إشاراته.. ليقدم لنا «منتوجاً» غنائياً فريداً، لم يستوعب أكثرنا – بعد – أبعاده، ولم يُدرك معظمنا – بعد – حدوده، ولم يبلغ أغلبُنا – بعد – منتهاه … ولن نبلغ.

رأي واحد حول “البُعـد المسـرحــي فـي (عـم عبـد الرحيـم)

التعليقات مغلقة.