أوجاع السياسيين .. الهروب من الخانكة

غادة احمدعثمان
لا شك ان من يمتهنون السياسة ويتفرغون لها يعانون معاناة كبيرة فيما يتصل بالعمل في الهم العام، من تشعب في القضايا وصعوبة في إيجاد الحلول وخلافات حادة حملت البعض علي المغادرة مغاضبة بينما بقى الأغلبية يناضلون عنادا مرة وثأرا مرة أخرى ممن تسبب في ان يكونوا في وضعية لا يرضون بها، وخبثا لأجل تمرير أجندات.. ولاشك ان الحدة في النقاش والصعوبة في إيجاد الحلول قد تسبب في ارتفاع ضغط البعض وبالتالي الإصابة بأمراض منهكة ومميتة، في المقابل فإن التخمة التي يسببها الطعام الدسم والراحة الزائدة والدعة تدخل ضمن مسببات إصابة الرموز السياسية بالعلل.. عموماً فإن العملية السياسية والتعاطي معها يربك الشخص ويضعه في موقف لا يحسد عليه حتي لو أنجز وحقق شيئا من أهدافه، فالممارسة السياسية تعدت مرحلة الظهور أمام الكاميرات وتوزيع الابتسامات الإجبارية الى مرحلة أخرى، كإفراز طبيعي لما يدور خلف الأبواب المغلقة، وكثيرا ما أدت بعض المواقف الى ان يلقي العديد من أهل السياسة حتفهم، وأصابت البعض الأخر أمراضا في القلب وضيق في الشرايين لتبتعد قيادات نافذة عن كراسيها لأسابيع وربما لشهور، كما يجبر المرض بعضا من القيادات الى الخضوع للعلاج الأمر الذي يدفعهم في الغالب الأعم الى تفضيل المغادرة مع ذويهم الى الخارج لإجراء الفحوصات وتلقي العلاج، وبالتالي الاستجمام قليلا بعيداً عن سخونة أجواء السياسة، ليستعيد لياقته ويعود أكثر نشاطا وبمعنويات عالية لإعادة إنتاج دوره مرة اخري.
مرض الصحة :
المشهد الوطني لا يحكي سوى التحدي الأبرز في حياة البشر ألا وهو الصحة، التي تسبب إعياء الجيوب فقراً في البحث عنها لدى أماكن أخرى غير المستشفيات، فانتشرت دعايات العلاج بالأعشاب الطبية أو ما يعرف بالطب البديل وتزايدت أرباح العطارين، وظل حال الصحة يغني عن السؤال،وتصبح الدعوات التي اطلقتها الدولة لتبسيط تكاليف العلاج للجمهور، التزاماً معلقاً يبحث عن مصداقية وشفافية طال البحث عنهما في دهاليز الدولة السودانية..
*تقسيم طبقي
التقسيم الطبقي كما يراه الكثيرون تجاوز التحليل الاقتصادي لبني البشر ليقتحم جغرافيا تواجد البشر ومشافي علاجهم فكانت المستشفيات الحكومية وأخرى من عوالم هوليوود الفندقية.. الزائر لاى مستشفى حكومي يقصده البسطاء، يستمع لشكاوى المواطنين و(نفيرهم) منها بدعوى نقص الدمات أو انعدامها وطبقاً لإفادة مرافقين لمرضى جوار حوادث مستشفى امدرمان أمس، فإن ضيق ذات الحال هو ما دفعهم للقدوم الى المستشفى رغم معرفتهم بالنتيجة مسبقاً، بدءاً بالإهمال وانتشار روائح كريهة، بالإضافة الى ان الشخص المعافى يمكن أن تصيبه العدوى بمجرد دخوله لزيارة المريض بالمستشفى فما بال بمريض ملقى على سرير مهترئ وتحيط به كل معوقات الاستجابة للعلاج سواء النظافة العامة مرورا باكتظاظ أماكن الكشف ومعامل الفحص والانتظار لتعم المخاوف من وقوع أخطاء في اى لحظة باختلاط عينة مريض بأخر بسبب الإهمال غير المتعمد نتيجة للتدافع من قبل المرضى.
*الأوجاع المتشعبة :
حال المرضى في السودان يبكي كل من له شعور ويؤلم حد البكاء خصوصاً من البسطاء، مما حمل بعض العائلات الى الاستغناء عن بعض مما يملكون والمغادرة للخارج لأجل ايجاد علاج يخفف وطأة ألم المرض وعاد بعضهم معافى، بينما فقد الكثيرون أموالهم وصحتهم دون ان يتسلموا اى تعويضات مالية مثلما يحدث في الخارج حيث تصل العقوبة للطبيب المخطئ حد الإيقاف والغرامة، ولا تزال قضايا كثيرة عالقة بطرف الجهات المسؤؤلة ويرى مراقبون ان عدم اتخاذ إجراءات المحاسبة من قبل الجهات المختصة في مواجهة المخطئين، افقد مرضى ومشافي كثيرة حقوقهم لتتشعب أوجاع المرضى الجسدية والمادية والمعنوية حد المعاناة في نعمة العافية.
*سراب الفندقية:
في مقابل الواقع المزري للمستشفيات الحكومية التي يشهد أهلها بذلك، أنشئت مشافي جيدة وباشر العمل فيها أطباء مميزين ولكن بالطبع تعذر على الأغلبية ارتياد هذه المشافي، وصارت بالتالي محتكرة لأصحاب الحظوة المقتدرين في سياسة فاضحة حرمت بموجبها بقصد أو بدون قصد المئات من تلقي العلاج بسبب الكلفة العالية بدءا من مقابلة الطبيب حيث استجلبت بعض المستشفيات أطباء أجانب مرورا بتكاليف الفحوصات بأسعار لا يستطيع حتى ذوي الدخل المرتفع ان يحتمل تكاليفها، وهكذا لم يتحصل المئات على العلاج المناسب في الوقت المناسب لضيق ذات اليد.
حالياً المشهد العام يحكي بتلاشي الطبقة الوسطي من المجتمع، وتراجع مستويات التوازن الذي كانت تخلقه بين الأدنى والأعلى سواء في الدخل أو الحصول على الخدمات ، عزز من ذلك خروج الدولة التدريجي من قطاع الخدمات وترك المواطن في مواجهة صاحب المنتج وبالأسعار التي يقدرها هو لا واقع المجتمع بحقائق الدخل المحدود، ولم يعد العلاج متاحا إلا عند الطبقة المقتدرة وأصحاب الحظوة والنفوذ وهو ما ينطبق على معظم السياسيين في اغلب التيارات السياسية عند مرضهم لكنهم لا يتلقون علاجهم بالبلاد بل يغادرون الى الخارج بدءاً بالأردن مروراً بألمانيا وأميركا وسويسرا أو غيرهم من الدول التي تتوفر بها خدمة طبية مضمونة ومتميزة ليحكي المشهد عدم توفر العلاج إلا للأغنياء، في بلد تتجاوز نسبة الفقر فيه 46% بحسب الإحصائيات الرسمية، ما يعد مؤشر مقلق لاى حكومة رشيدة لكون ان نصف الشعب إلا قليلا بناء علي هذه النسبة يعيش تحت خط الفقر.
* السم في الدسم
الخبير الأمني حسن بيومي نبه الى نقطة غاية في الأهمية تتعلق بمصير بلدان كاملة وليس شخص واحد مريض اضطرته ظروف المرض للمغادرة الى الخارج طمعا في العلاج وقال لـ(ألوان)أمس (هنالك أمر مهم للغاية هو الطب الاستخباري وهو خطير جدا حيث تعرض السفارات على المريض المهم أو النافذ قائمة من المستشفيات التي تقدم العلاج، وعليه أن يقرر المغادرة للدولة التي عرضت خدماته). وشرح بيومي حديث بأن الوزير إذا أصابه المرض فإن السفارات تعرض عيه العلاج فوراً خصوصاً إذا كان وزيراً مهماً، بالإضافة الى مساعدته حال رغب أبناؤه في الدراسة فتوفر لهم التأشيرات اللازمة، في الوقت الذي يكونون قد حددوا إمكانية بقائه أو مغادرته لكرسي الحكم وعما إذا كان مفيداً أم لا ولو كان غير مفيد يمكن ان يضعوا له فيروس ليبدأ بعد عامين في العد التنازلي ومن ثم يعطلونه)..
ولذلك يؤكد بيومي ان اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات المصري لم يتوف وفاة طبيعية وكان ما لم يأخذ دواء المخ والأعصاب لا يكون في كامل تركيزه، ونبه بيومي الى ضرورة ان يتنبه السياسيين لعرض الخدمات العلاجية والإغراءات، ويري بيومي ان الحل هو الامتناع عن العلاج كلية في الخارج أو الاستجابة لاى سفارة تعرض عليك خدماتها العلاجية في أفخم المشافي وينبغي التفكير في العلاج بالسودان أو اي دولة صديقة.
ويعتقد القيادي بحزب البعث محمد وداعة ان أهل السياسة أول ناس مفترض يتلقون علاجهم بالداخل لكونهم صرفوا مبالغ كبيرة لتوطين العلاج بالداخل وارجع سبب لجوء المواطنين للعلاج بالخارج لتردي الأوضاع في المستشفيات وكان بحسب قوله لـ(ألوان)أمس كان الأجدى بالسياسيين إنشاء مشافي بالداخل حتى تعاد الثقة في العلاج الداخلي
*فترة للاستجمام
ويعتقد الفريق صديق إسماعيل نائب رئيس حزب الأمة القومي ان مغادرة السياسيين للخارج أحيانا لا تكون فقط للعلاج بل في الغالب هي فترة للاستجمام من عناء ورهق العمل السياسي وحتي لو كان علي النفقة الخاصة فهو محاولة لتحقيق ذات الهدف لكون السياسة مرهقة.
*القدح في المصداقية
وفي ذلك قال ناصر بكداش المحلل السياسي ان علاج السياسيين في الخارج يقدح في مصداقيتهم وأضاف لـ(ألوان) أمس،ويمثل إهانة حقيقية للخدمات وهذا يمثل جزء من أزمة النخب السياسية ذلك انه حتي التسوق صار من الخارج بينما يطرحوا في نفس الوقت شعارات تدعو للتوطين.
*التمييز
ويؤكد صالح محمود الناشط في حقوق الإنسان والقيادي بالحزب الشيوعي ان علاج السياسيين بالخارج يمثل مفارقة تعبر عن أولا انه صار هنالك تمييز بين الناس بدليل ان هناك نسب مقدرة من المواطنين لا تتوفر لها طوة العلاج الفندقي أو السفر للخارج حيث كان العلاج مجاني وكذلك المياه إلا أن هذه المكاسب بدأت تتقلص، ويقول صالح أن السودان موقع على معاهدات دولية خاصة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهي حقوق متساوية تماما مع حقوق العلاج في اي بلد ولكن لا احد يتحدث عليها ويضيف المسئولين يعدون مواطنين لا فرق بينهم والشعب السوداني .
*الخلاصة:
وهكذا فان علاج أهل السياسة بالخارج يعتبر هروبا من واقع انه يقدح في صحة البرامج السياسية التي ظلوا يدعون إليها فيما عرف مؤخرا بالتسويق الأمر الذي أسهم وبشكل مباشر في ألا يجد قطاع الصحة بشكل عام الاهتمام الذي يحتاجه، ولذلك من العيب على أهل السياسة ألا يتذكروا مواطنيهم إلا وقت التصويت ثم يغفلون عنهم أكثر الحقوق أهمية وهو تقديم خدمات صحية متميزة تزيل عنهم رهق المرض حيث كان ان تبرعت جهات عديدة رافضة حتي لذكر أسمائها تبرعت بإنشاء غرفة للعناية المكثفة بحوادث احدي المشافي خاصة بالأطفال تحت لافتة مبادرة شارع الحوادث حيث اجتمعت مجموعة من الشباب العفيف علي فعل خير نال إشادات واسعة حتي من وزارة الصحة نفسها وهيئوا بتبرعاتهم القسم الحيوي الذي تسبب غيابه في ان يلقي عشرات الأطفال حتفهم وهكذا نجحت المبادرة بامتياز وهذا حرك خيرين كثر لدعم القطاع الطبي ولكن تظل مغادرة أهل السياسة لتلقي علاجهم بالخارج تؤكد أن هناك نواقص كثيرة في المستشفيات العامة.