ألوان تجوب ولاية شمال دارفور(2-2)

رصد وتغطية: عبد الله مكي
«دارفور بلدنا» هكذا تغنى المغني، ولن تتأكد من هذه العبارة حتى تزور هذه المناطق، وكما قيل :»ليس من رأى كمن سمع». ما أن تسمع أنّ هناك رحلة لولاية من ولايات دارفور حتى تنتابك مشاعر مختلفة من الفرح والحزن، من السعادة والكآبة، ويجول بخاطرك كل التاريخ السياسي والإجتماعي لدارفور وأهلها، وتذكر الممالك والسلاطين، وكذلك خلاوى وحفظة القرآن، وأيضاً تلوح أمامك صور المعاناة والتهميش التي طالت هذا الجزء من السودان، وذلك من الإستقلال وحتى الآن، وكذلك تتلمس بعد التقدم والإنجازات في عدد من المجالات.

«دارفور بلدنا» هكذا تغنى المغني، ولن تتأكد من هذه العبارة حتى تزور هذه المناطق، وكما قيل :»ليس من رأى كمن سمع». ما أن تسمع أنّ هناك رحلة لولاية من ولايات دارفور حتى تنتابك مشاعر مختلفة من الفرح والحزن، من السعادة والكآبة، ويجول بخاطرك كل التاريخ السياسي والإجتماعي لدارفور وأهلها، وتذكر الممالك والسلاطين، وكذلك خلاوى وحفظة القرآن، وأيضاً تلوح أمامك صور المعاناة والتهميش التي طالت هذا الجزء من السودان، وذلك من الإستقلال وحتى الآن، وكذلك تتلمس بعد التقدم والإنجازات في عدد من المجالات.
أم كدادة..أسطورة المياه
ومن مدينة الفاشر سلكنا طريقاً مسفلتاً طوله مائتي وأربعين كيلومتر حيث مدينة أم كدادة، وفي الطريق قابلنا الآلاف من قوافل الإبل وهي تذهب وتجيئ بين مورد المياه والمرعي الذي توجد فيه، وكذلك مختلف أنواع الأشجار.
وعندما دخلنا المدينة وجدنا بها سوقاً كبيرة، وعدداً من الباعة والدكاكين والمحلات المختلفة للمأكولات والمشروبات ومحلات الإتصالات وصيانة أجهزة الكمبيوتر وغيرها.
وعندما توغلنا في المدينة، وجدنا بها مبنى من الطراز القديم أصفر اللون وهو مؤسس ومبني من زمن الاستعمار الإنجليزي، وهو مقر المفتش الإنجليزي، وتحول الآن إلى مقر محلية أم كدادة.
تمتاز منطقة أم كدادة بمياهها العذبة والصافية والنقية، حيث يقولون إنّ السلطان في الفاشر كان يشرب منها، وكذلك الحاكم الإنجليزي، وكذلك يقولون إنّ هذه المياه هي سبب ذكاء أبناء المنطقة.
آبار المياه السطحية الموجودة الآن عمرها أكثر من ثلاثين عاماً، وكانت تشرب منها الإبل وبقية الحيوانات وكذلك الإنسان وهي الآن للإنسان فقط حيث تشرب الإبل من (دوانكي) خارج المدينة.
أحد الآبار السطحية يحرسها الشيخ الحاج عبد العزيز وقال بعد أن سألنه عنها هل تُوفر لك مالا كثيراً، فقال وهو مبتسم وراضي :»إنها لا بتفقرك ولا بتغنيك». وقال سعر كوب الشاي بجنيه وأربع جركانات مياه بجنيه أيضاً، فنحن دايرين الأجر من رب العالمين. وينتشر في مدينة أم كدادة شجر اللالوب بكثرة.
طريق أم كدادة اللعيت
وهو طريق بري رملي غير مسفلت، ويبلغ طوله حوالي ثلاثمائة وخمسين كيلومتر من مدينة أم كدادة، وحوالي ستمائة كيلومتر من مدينة الفاشر، وتحركنا فيه بعربة تايوتا بوكس، وكان بصحبتنا السائق الماهر(علي) والذي خبر هذه الطرق والشوارع وخبرته، وتحركنا من حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً.
قابلتنا في الطريق عدد من القرى والفرقان، وكذلك أشجار التبلدي والعرديب والمرخ، وعدد كبير من قطعان الماشية والأغنام والإبل، وأكثر ما يلفت النظر هو الأعداد الضخمة من الأطفال والنساء والرجال، الذين يحملون (جركانات) المياه فوق الحمير ذهاباً وإياباً من آبار ودوانكي المياه. وتُوجد أشجار التبلدي والصهاريج وذلك لتخزين المياه في وقت الحوجة إليها في فصل الصيف.
قرية أم حوش
وفي منتصف الطريق قابلتنا قرية أم حوش، وهي من القرى المشهورة، حيث هناك استراحة بديوان ومضيفة العمدة الشيخ بدوي، للصلاة وشرب المياه، فاستقبلنا بحفاوة هو وأولاده، واحضروا إلينا الماء فشربنا ب(الكورية) وبعد صلاة الظهر والعصر(جمعاً وقصراً) وفي لمح البصر جاءت صينية الغداء بها الكسرة البلدية وملاح الويكة ولحوم(الدباس) وهو نوع من القماري، وكذلك قارورات المياه الغازية.
وفي الطريق وفي قلب الصحراء تُواجهنا لافتة تشكو الوحدة، وتُقاوم الرياح وعوامل التعرية، ألا وهي نقطة شرطة مسرة، وبها أمر بالوقوف (قف) ولكن جغرافية المكان لا تسمح بالوقوف، وإلا ستبتلع الرمال العربة ونحتاج لقوة كبرى لإخراجها من الوحل ومن ثم تواصل المسير مجهول المصير.
وكلما اقتربنا من محلية ومدينة اللعيت إزدادت الخضرة، وتكثفت الأشجار، وازدادت الثروة الحيوانية عدداً وتنوعاً.
اللعيت:عاصمة الفول السوداني
وتبعد حوالي ستمائة كيلومتر من مدينة الفاشر والطريق مسفلت حتى أم كدادة وباقي الطريق رملي (حوالي ثلاثمائة وخمسون كيلومتر). وهي من أكبر المحليات في إنتاج الفول السوداني، وبها كذلك السمسم والكركدي والدخن، وهي من المحليات الغنية وغزيرة الإنتاج حيث عرفنا أنّ ربطها السنوي حوالي واحد وعشرين مليار جنيه. وتمتاز بوجود ثروة حيوانية مقدرة وكذلك انتشار أشجار التبلدي.
وهي شبيهة بمناطق شمال دارفور الأخرى، من حيث وجود أشجار التبلدي والثروة الحيوانية ومشكلة المياه (الآبار والدوانكي) ولكنها تمتاز بتعدد المحاصيل فيها(فول سوداني – كركدي – دخن – سمسم).
إلى مدينة الفاشر
وفي العودة إلى مدينة الفاشر، هطلت الأمطار في طريق اللعيت – الفاشر، فلم نر الشمس لعدة ساعات واخضرت الأشجار، وتحول الجو إلى جو شاعري وسياحي يستغرب المرء معه كيف يتسنى لحكومات السودان المتعاقبة أن تُهمّش وتُهمل هذا الجزء العزيز من الوطن!
ومن أبرز معالم الفاشر التاريخية هو متحف السلطان علي دينار، والذي يحتوي على كل ممتلكاته الشخصية وأدواته في الحكم والسلطة، الأمر الذي يجعل الزائر يعيش اجواء تلك الفترة المهمة من تاريخ السودان، بالإضافة للمتحف هناك مسجد السلطان علي دينار، والذي كان يُؤدي فيه صلواته.
الكهرباء والمياه
تشهد مدينة الفاشر أزمة حادة في المياه والكهرباء في معظم أحياء المدينة، فبالجولة التي قمنا بها عرفنا أن هناك بعض الأحياء لم تأتي فيها المياه عبر المواسير منذ سنتين، وأصبح نقل المياه للبيوت بالوسائل التقليدية، بالحمير والبراميل والجركانات، وأصبح سعرها مرتفعاً جداً حيث وصلت في بعض الأحياء لحوالي ستمائة جنيه في الشهر، وزرنا مكان محطة المياه بالمدينة، ووجدنا صفوف العربات الكبيرة والصغيرة والنساء والأطفال، وحتى الماشية أتوا بها لتروي عطشها.
تغيير الوالي
من الولايات التي ساهر مواطنوها ليلة إعلان التشكيل الوزاري الجديد هي ولاية شمال دارفور، وتحديداً عاصمتها مدينة الفاشر، فبعد الإعلان وتغيير الوالي السابق(كبر) صادف هذا التغيير ارتياحاً واسعاً وسط معظم فئات وقطاعات مجتمع الولاية، ولقي تعيين الوالي الجديد(عبد الواحد يوسف) ترحيباً كبيراً حتى من القطاعات التي ليس لها صلة مباشرة بالحكومة، بالرغم من أنه من خارج الولاية.
الحوار والتفاوض
كل القطاعات السياسية والإجتماعية والمنظمات المختلفة، والمواطنون بمختلف انتماءاتهم، يعتقدون أنه لاسبيل لحل مشكلة دارفور إلا بوضع السلاح والجلوس في طاولة الحوار والتفاوض، وأنّ رفع السلاح قد أضرّ كثيراً بمواطني دارفور. ويشمل هذا الرأي والحل أيضاً بقية مشاكل السودان، باعتبار أنّ الحوار الوطني هو الحل الوحيد والمخرج من كل أزمات البلاد رغم التعثر الذي يُصاحبه، ويقولون على المؤتمر الوطني أن يكون جاداً في عملية الحوار، وألا يتخذه مطية وفرصة لإطالة البقاء على سدة الحكم.