أبعد الترابي لأجل علاقتهما: الخرطــوم والمجتمــع الدولــــي.. الانفتـــاح المفقــــود

تقرير : مشاعر دراج
ستة عشر عاما عمر المفاصلة الشهيرة والتي ذهب البشير إلى القصر، وتولى رئاسة (مجلس قيادة الثورة) واقتيد الترابي على خلفية تداعياتها الى السجن، ما دفع المراقبين لتوصيف الصراع بين الشيخ وحواره بصراع (القصر والمنشية)، قبل أن يتزايد التحليل عمقاً ويعتبر الكثيرون أن المفاصلة كانت إعادة لإنتاج المقولة التاريخية قبيل الانقلاب( اذهب للقصر رئيساً وأنا للسجن حبيساً) فقط هذه المرة مع اختلاف النوايا والظنون..

زيارات بلا تأشيرة:
بعد عام من استيلاء الحركة الإسلامية على الحكم في السودان، قام زعيم الحركة حسن الترابي بفكرة تأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، الذي أشرف عليه بنفسه، وعمد إلى دعوة زعماء التيارات الإسلامية العاملة والناشطة سياسياً وعسكرياً، إلى الخرطوم، وفتح البلاد على مصراعيها أمام تلك المجموعات لتدخل من دون تأشيرة دخول، لتدير أعمالها من هناك.. مثلا في شهر فبراير من عام 1991م، وصل قائد الجماعة الإسلامية في تونس راشد الغنوشي إلى الخرطوم فضلاً عن عباسي مدني وعلي بلحاج من الجزائر، وقادة الجهاد الأفغاني برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار, كما وصل أيضاً الخرطوم قائد تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، الذي مكث في الخرطوم لستة أعوام منذ العام 1991، إضافة الى رئيس المكتب السياسي الحالي لـ(حماس) خالد مشعل، وغيرهم من القادة الإسلاميين، الامرالذي جعل الخرطوم بمثابة محفل إسلامي كبير يثير مخاوف دوائر عديدة بالعالم خصوصاً في ظل دعوات د. الترابي وأطروحاته المناهضة للعديد من مراكز الانفتاح في العالم، لتكون المحصلة فرض عزلة سياسية واقتصادية واجتماعية على السودان في ظل تنامي العداء تجاه دوائر الإسلام السياسي.
مجرد مسرحية:
أثار إبعاد زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي عن السلطة، في المفاصلة الشهيرة كثير من الشكوك في البلاد آنذاك، ويري البعض ان ما جرى مجرد مسرحية، قام بإخراجها عدد محدود من الأشخاص لفك الحصار الغربي عن السلطة في البلاد, ولضمان استمرار طابع الحكم الإسلامي في السلطة، وكما يري البعض ان الإبعاد للشيخ جاء بغرض توجّه الخرطوم للتخلي عن الإسلاميين، لتحقيق مصالحها، وخاصة ان السودان في ذلك الوقت كان يعيش وضعاً اقتصادياً قاسياً، لذلك اتخذ النظام السوداني في فترات سابقة قرارات متشددة ضد الإسلاميين، ولكنه ظل محتفظاً بعلاقات قوية معهم , وبعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على أحداث 1999م وإبعاد الترابي، ما يزال النظام الحاكم يُتهَم دولياً وإقليمياً بدعم الجماعات المتشددة والإسلامية، الأمر الذي يؤكد أن الحكومة تعتمد للاحتفاظ بالإسلاميين كأوراق ضغط، بسبب عدم ثقتها في الوعود الغربية أو الإقليمية، كما أن هناك تيارين داخل النظام، أحدهما لديه علاقات قوية بتلك المجموعات.
فصلها من الإخوان:
وتم فصل الحركة الإسلامية السودانية من التنظيم الدولي (الإخوان) منذ العام 1977م، حينما رفضت مبدأ أن يكون للتنظيم مرشد تتبع له كل الحركات الإسلامية في العالم، كما طالب التنظيم في مؤتمر دولي وقتها، بتحقيق تنسيق متطور في ما بين الحركات الإسلامية، فضلاً عن تبادل المعلومات والتجارب والخبرات والتدريب والتأهيل والرؤى حول العالم والإقليم، ولكن تحفظات السودان، ورفضه لتبعية المرشد، قاد «إخوان مصر» لاتخاذ قرار الفصل, إلا أن علاقات الحركة الإسلامية السودانية ظلت مستمرة ومتطورة مع الحركات الإسلامية بشكل منفصل، في كل من المغرب وموريتانيا وفلسطين واليمن وتونس.
المفاصلة بسبب خلافات:ـ
وتبدل المشهد السياسي بعد المفاصلة في عام 1999م، بعد خروج الترابي من السلطة وتكوينه لحزب معارض هو»المؤتمر الشعبي»، عقب الخلافات التي نشبت بين الترابي والبشير المتعلقة بعملية انتخاب ولاة الولايات طبقاً لما تم توثيقه عن تلك الحقبة، فبينما كان البشير يتمسّك بتعيين الولاة أصرّ الترابي على أن يتم انتخابهم بشكل مباشر من قِبل الشعب، وعمد إلى إقرار ذلك عبر تعديلات دستورية في البرلمان الذي كان يرأسه، إلى أن قطع عليه البشير الطريق فيما يُعرف بقرارات «الرابع من رمضان»، عبر حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، فضلاً عن إقالة الترابي لاحقاً من منصبه كأمين عام للحزب الحاكم.
ضغوط خارجية:
ويري بعض المراقبين ان القرارات وقتها، جاءت بعد إحكام الضغوط الغربية على البلاد، وقصف مصنع الشفاء في الخرطوم من قِبل الطيران الأميركي، بحجة احتوائه على أسلحة نووية، فضلاً عن إدراج الولايات المتحدة اسم السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض عقوبات اقتصادية عليه، ظل يعاني منها حتى الآن,رغم ان علاقات السودان الخارجية شهدت تطوراً عقب هذه الأحداث، وتمكّنت الخرطوم بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001م الأميركية، من تطوير علاقاتها مع واشنطن، ولعبت دوراً استخباراتياً كبيراً فيما يتصل بجهود الولايات المتحدة لـ»محاربة الإرهاب» كما قامت السلطات السودانية بتسليم واشنطن عدداً من الإسلاميين المتشددين، كما عمدت إلى طرد من تبقّى منهم، وأغلقت مركز الأقصى التابع لحركة «حماس»، لتنتقل جميع قيادات الأخيرة إلى اليمن وقتها.
قربان تضحية:
واعتبر القيادي بالمؤتمر الشعبي ابوبكر عبد الرازق، ، أن أحد أسباب المفاصلة الشهيرة عام 1999م، تقديم الحركة الإسلامية كقربان تضحية للتقرّب من الولايات المتحدة والدول النافذة عالمياً، لكي يستمر أركان النظام في السلطة، الأمر الذي جعل النظام الحالي يغادر محطة التوجه الإسلامي، منذ ذلك العهد، وقال في تصريح سابق له أنه «لا يمكن التحدّث عن حركة إسلامية حاكمة في البلاد، وإنما حزب سياسي عادي، يمكن أن يقدّم كل التضحيات في سبيل السلطة», وذكر أن علاقة النظام الحالي بالحركة الإسلامية، ظلت تشهد تقارباً وتباعداً منذ العام 1999م، إلى أن بدأت تشهد تحسناً بعد ثورات الربيع العربي، وسيطرة عدد من الإسلاميين علي الحكم خصوصاً في مصر، مضيفا أنه «بعد إزاحة الإسلاميين عن الحكم في مصر، عاد النظام السوداني إلى سياسة المصالح على حساب العلاقة مع الإخوان.