يجب أن يحدث في السودان تغيير شامل

صلاح إبراهيم تانقيس
أيها الأخوة والأخوات، لنكن صريحين مع بعضنا البعض ونضع السودان في حدقات أعيننا قبل كل شيء، ونحن الآن على أعتاب تكوين حكومة جديدة بعد أن انتهت الانتخابات التي فاز فيها السيد الرئيس بدورة ثانية متوقعة لرئاسة جمهورية السودان الديمقراطية، علينا إذن أن نكون منفتحين على أنفسنا، وعلى المعارضة  وأحزاب المعارضة، وعلى العالم  العربي والإقليمي والدولي، بل على كل شيء يمكن أن ننفتح إليه ونسمع من ، أو نستمع إليه، فقد جربنا جميع أنواع الحكومات تقريباً في عهد الإنقاذ، ورأينا منها إيجابيات نشكرهم عليها، ولكن رأينا منها سلبياً أثرت في مسيرة
سوداننا الحبيب وأدخلته في ركن ضيق مليء بالمشاكل والقلاقل، والتراكمات الحزبية وغير الحزبية، وعدم الخبرة السياسية، والوعي والادراك لتوقعات المستقبل، نسبة للسلوك الخاطيء الذي اتخذته بعض حكومات الإنقاذ، وأهم من ذلك كله  قلة المقدرة للبعض خاصة  الذين يعلنون في الصحف ما يغالطون به اعلانات الحكومة، فتجد البيان اليوم يغالط ما يعلنه بيان الغد وذلك نسبة لعدم وجود ناطق رسمي مسمى لتلك الوزارة أو مجلس الوزراء، لينزل غداً البيان الذي يخالفه في إحدى الصحف وكأن شيئاً لم يحدث، وإذا نظرنا أيها الأخوة والأخوات من الجانب الآخر نجد أن الناطق  الرسمي للقوات المسلحة (العقيد الصوارمي) مثلاً، هو الشخص الوحيد المسموح له بالتحدث باسم القوات المسلحة في أي شيء يخصها وليس هنالك غيره، لذلك تجد القوات المسلحة متقيدة بأية كلمة تقولها للجمهور، ومن هنا يظهر  الفارق الكبير بين الناطق الرسمي لكل منهما.
أيها الإخوة والأخوات، لم نقدر أو نتمكن من رد الصاع بنفس الصاع الذي وجهته إلينا بعض الدول سابقاً، وذلك لأمور كثيرة لا نريد أن نذكرها الآن ونحن على أبواب مرحلة جديدة نريد أن نصالح فيها أنفسنا، ونصالح بعضنا البعض.. وأيضا نصالح كل دول العالم من  دون فرز، وهنالك مواضيع أخرى لعبت فيها الكثير من الدول  المتحابة مع الولايات المتحدة الأمريكية ونفذت فيها أجندة ضد السودان، فظلمت السودان كثيراً خاصة من ناحية العزل الدولي الذي تبنته الولايات المتحدة مع حلفائها من دول العالم، وقد تأذى السودان كثيراً لذلك .
أيها الأخوة والأخوات أن أكثر ما يؤلمنا هو أننا بعد أن وافقنا على انفصال الجنوب وهذا من حق الجنوبيين طبعاً بعد أن فازوا في استفتائهم للانفصال، وافقنا على تقسيم كيكة النفط بتلك الطريقة المهينة للشعب السوداني، حتى أن ألد أعدائنا لم يكن يتوقع أن يتم تقسيم ثروة النفط بهذه الطريقة الظالمة لنا، بل كان البعض يتوقع بأنه لن يكون هنالك انفصال إذا لم يتم الحفاظ على حقوق الشعب السوداني في النفط .. وأن يبقى النفط بين الشمال والجنوب قسمة بينهما عادلة  لمدة خمسين سنة على الأقل .
قال سبحانه وتعالي في كتابه الكريم : (المال والبنين زينة الحياة الدنيا) ومن هنا نجد بأن تركنا النفط لحكومة جنوب السودان بهذه الطريقة المؤلمة فيه ظلم كبير للشعب السوداني، لأن قوة أية دولة تأتي من الثروة التي تستمتع بها، فهنالك الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة في العالم  تسيطر على العالم لأن لديها كل شيء، لديها النفط والغاز والحديد الصلب ولديها الزراعة والصناعة بأنواعها، وهنالك أيضا ًروسيا، والصين، واليابان..  وفرنسا، وبريطانيا، ودول الخليج.. وإيران.. الخ بمعنى أن ذلك المال الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم هو الذي  يمنح القوة والازدهار لأية دولة.. إذن ما كان لنا أيها الأخوة والأخوات أن نفرط في النفط الذي بيننا وبين دولة الجنوب بهذه الطريقة، وهو حق لنا يعلمه القاصي والداني .
يجب أن نضع الآن التغييرات الهائلة التي حدثت في العالم أمام أعيننا، كما يجب أن نستفيد الاستفادة القصوى من عاصفة الحزم التي بصراحة تامة هي التي وضعت السودان في مكانته الصحيحة بعد أن تجنت عليه بعض الدول الحاقدة ووضعت فيما يسمى بدول الضد أثناء حرب تحرير الكويت من العراق، وقد  أبت عاصفة الحزم إلا وأن تجعل السودان في مقدمة الدول العربية التي تزود عن حياض دولة اليمن الشقيقة، التي هجمت عليها  قوات الحوثيين وقوات العقيد علي عبد الله  صالح الرئيس اليمني السابق متعاونين معاً لقلب نظامها وإزالة الحكم الشرعي للرئيس اليمني عبد ربه منصور  هادي، وتهديد المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج،  لذلك يجب أن يحدث في السودان تغييرا ًشاملا ًيطال جميع مؤسساته، ليكون مستعداً لأخذ دوره الجديد الواضح والصريح في علاقته مع جميع الدول العربية أولاً، ثم الدول العالمية دون موالاة أو تفضيل، بعد أن ابتعد عن إيران ابتعاداً يؤهله بأن يكون صديقاً حميماً لكل الدول التي لا ترتمي في أحضان إيران، وأن يضع مصالحه الكبرى أمامه وهي تعني مصلحة الشعب السوداني، ومن هنا يجب الاعتراف بأنه كان هنالك خطأ غير مقصود عندما ظن البعض بأن السودان قد فتح أبوابه وحدوده للحسينيات الإيرانية لتنشر فيه  الثقافة الإيرانية الدينية التي تعني حرية دخول الشيعة للسودان، خاصة بعد الانقسامات التي حدثت في الحركة الاسلامية، وميلاد أحزاب جديدة مثل حزب المؤتمر الوطني، والمؤتمر الشعبي، والسلام العادل، والاصلاح والتغيير، والعدالة والتنمية، ومن هنا يأتي السؤال الواضح  بكل صراحة هل الدين هو المقصود من تلك التغييرات العجيبة التي حدثت في الحركة الإسلامية داخل السودان أم المقصود هو الحكم والكرسي والوسادة اللينة؟ وهل هذه التكتلات الحزبية للحركة الإسلامية تمثل خطورة كبيرة بحيث يجعلها ضعيفة وهشة خاصة ونحن نرى الآن بأن هنالك أعداداً كبيرة من المستقلين الذين أتوا من حزب المؤتمر أو من أحزاب أخرى قد فازوا بصورة واسعة في الانتخابات الحالية، والخوف كل الخوف هو أن يطغى هؤلاء المستقلون على حزبهم الأساسي المؤتمر الوطني في أول انتخابات قادمة ما لم يتدارك الحزب ما يلوح في الأفق من أخطار.
إن تخلى حزب المؤتمر الوطني عن حرسه القديم يعتبر أكبر هدية منحها المؤتمر الوطني لأحزاب المعارضة، ولكنها لم تستفد من تلك الهدية لأنها في الأساس لا تملك شيء غير القليل جداً من الأعضاء، أما الباقي فهي جعجعة سياسية في الفاضي، وسفريات مكوكية دون فائدة، ويقال إن هذه الأحزاب كانت تريد غير ذلك تماماً، وهو أن يتم إزالة حزب المؤتمر الوطني بكامله كحكومة، وتعيين حكومة أخرى جديدة من جميع الأحزاب ليتم بعد ذلك إجراء الانتخابات والتي يشك الكثيرون بأن يكون فيها فرق كبير مما هو عليه الآن.
أيها الأخوة والأخوات لم تتحدث الأحزاب حتى الآن عن قومية القوات المسلحة (مع أنها أكثر من ذلك) ولم تطالبها بأن تبقى بعيداً عن الحكم (مع أنها بعيدة كل البعد عن ذلك) بل أخذ بعضها من غير دراية يتحدث عن عدم أهليتها، ومن أنها تأخذ أكثر مما تعطي (وهذا يعكس قلة فهم هؤلاء القوم)، بل تناسى هؤلاء القوم أن القوات المسلحة السودانية هي التي تحمي السودان، وأبناء السودان، وكينونة السودان، ولولا قواتنا المسلحة لغشانا ما غشى .أن الجميع مقتنع تماما ًبأن الوقت لا يستقيم إلا إذا اشتركت الأحزاب في الحكم، وهذه حقيقة، ولكن المنطق يقول أين تلك الأحزاب التي  ستشارك في الحكم؟.
أيها الأخوة والأخوات، هنالك شيئان يحدثان الآن على الساحة السياسية يجب أن ننظر اليهما بكل تمعن واحترافية، أولا:ً ظهور السودان كعضو مقبول في المجتمع العربي والإقليمي والدولي وذلك بعد معركة عاصفة الحزم التي اشترك فيها مع اخوته العرب، والتي قلبت الموازين الدولية رأساً على عقب ضد حلفاء الأمس مثل إيران، وبكل أمانة ووضوح نقول هنيئا للسودان، أما الشيء الثاني هو عدم التزام بعض مرشحي حزب المؤتمر الوطني  لقرار مركز الحزب الذي نادى فيه بضرورة الانسياق التام للكشف الذي أعلن فيه مرشحو الحزب في الدوائر المختلفة، إلا أن بعض الرافضين لذلك