هـــنــري كـــورييــــل.. مـــــنـــاضــــل أم صــــهــــيــــونـــي؟

بقلم : عامر محمد أحمد
في الرابع من مايو 1978م انتهت حياة هنريل كورييل, عراب الحركات الشيوعية في السودان ومصر, رصاصات قليلة أنهت حياته وهو الذي شغل الناس عقوداً وانزوت كل خلاياه التي صنعها بنفسه منذ الاربعينات حتى انتهت حياته في ضاحية باريسية, بعد ثلاثة أيام من احتفال عمال العالم وفق التقويم الشيوعي بعيدهم الأول من مايو, ولعل من قتله أراد التذكير بذلك.. يقول القيادي الشيوعي سابقاً والاسلامي «لاحقاً» الراحل أحمد سليمان في كتابه «من سجل الحركة الشيوعية العالمية وانعكاساتها في السودان «ولعل الكثيرين من المهتمين بتاريخ الحركة الشيوعية في مصر والسودان كانوا يجهلون خطورة كورييل ككادر ثوري دولي ولا يدركون مدى فعاليته في الحركة الشيوعية العالمية, وقد وضح ذلك جلياً بعد نشر جزء من سيرة حياته بعد اغتياله في احدى ضواحي باريس فقد تبين انه من أخطر الشخصيات»..من هو كورييل؟
في كتابه «هنري كورييل – الاسطورة والوجه الآخر» يقول د. حسين كفافي «هنري كورييل الشاب الوسيم الذكي, هو ابن المليونير اليهودي المصري دانيال نسيم كورييل صاحب بنك الرهونات في شارع الشواربي وسط القاهرة, والذي ظهر فجأة في سماء المجتمع المصري الراقي في نهاية الثلث الأول من القرن العشرين بسهراته الحالمة التي كانت تضم صفوة مختارة من الشباب النابه.. ويضيف «كفافي» كورييل كان يتجول في انحاء القاهرة من حارة اليهود وحارة خميس العدس الى أرقى احيائها في جاردن سيتي والزمالك حيث قصر والده المنيف وحديقته الفسيحة, وكان يتردد على ضاحية «حلوان» حيث تجمعات اليهود من الطبقة الوسطى البرجوازية وفي كل جولاته كان يتردد ويصادق المصريين الوطنيين الذين يؤرقهم وجود الاحتلال الانجليزي..
ويشير د. كفافي الى ان كورييل المبشر بالفكر الماركسي, كان يشكل الخلايا الشيوعية في سرية تامة, خلايا للعمال, خلايا للطلبة, خلايا للموظفين, خلايا للضباط, خلايا للنوبيين وخلايا للسودانيين, يقول احمد سليمان «كانت العقول والأيادي والعيون التي تعمل بتوجيهات «الكومنترن» في مصر كثيرة ومتعددة وكانوا كلهم من الأجانب, وتبرز أسماء كثيرة أخطرها هنري كورييل الذي صار زعيماً لأكثر الحركات الشيوعية المصرية نفوذاً والتي كان يشار اليها «ح.م» اختصار الحركة المصرية, ومن بعدها «حدتو» أو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني بعد ان تم توحيد الحركات الشيوعية الرئيسية في مصر منتصف العام 1947م ويضيف «سليمان» «ولم يكن اثر كورييل قاصراً على الحركة الشيوعية المصرية, وانما امتد اثره وربما بأكثر للحركة الشيوعية السودانية التي كانت تسمى بالحركة السودانية للتحرر الوطني ويرمز اليها بـ «حستو» ويذكر د. حسين كفافي: «ان هنري كورييل كان ودوداً يطمئن على اصدقائه في حارة اليهود أو أحد بيوت الأوقاف الاسرائيلية وان شئنا الدقة كان يطمئن على من وقعوا في شراكه, وفي فندق «ونتربالاس» في الأقصر أو فندق كاتراكت في اسوان, كان يجتمع بخلايانوبية أو مجموعة «حستو – الحركة السودانية للتحرر الوطني» وحياة هنري كورييل بقدر ماهي مليئة بالأحداث والمؤامرات والمعتقلات والسجون فان حياته كلها غموض ويكتنفها الضباب والذين كانوا على علاقة طيبة مع كورييل لم يرغبوا في الخوض في بعض الأمور الشخصية لهنري كورييل, وأحرقت كثير من الأوراق في فترة القمع ان كان قبل 1952م أو بعدها وكذلك كثير من أوراق وزارة الداخلية 52-1954م ويقول كفافي «هنري كورييل اثناء اعتقاله في فرنسا من اكتوبر الى ديسمبر 1977م بدأ في كتابة مذكراته الا انه تم قتله بعد خروجه من المعتقل بأربعة اشهر امام مسكنه, ويستدرك د. كفافي «القاتل لم يكن يحب ان يكشف هنري كورييل كل أسراره»..
علاقته باسرائيل
يقول «أحمد سليمان» لم يقتصر دور كوريل على التأثير على مستقبل النشاط الشيوعي في مصر والسودان عن طريق الكادر الذي تبناه ورعاه وانما يمتد اثره الى كل المنطقة العربية حيث كان كورييل الداعية الأول لقبول تقسيم فلسطين والتعايش السلمي مع اسرائيل وكان هو صاحب القول المأثور «ان اسرائيل ستكون واحة في صحراء العرب, تتسرب منها الماركسية ليظلل غمامها البلاد العربية» وفي سؤال لـ «الوان» للكاتب والصحفي السوداني المخضرم أحمد علي بقادي «من اوائل الكوادر الطلابية اليسارية السودانية التي ساهمت في تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني – التحق بجامعة القاهرة 1949م» يقول بقادي «لا أنفى ولا اؤكد مقولة كورييل التي ينسبها له احمد سليمان ولكن لا اشك لحظة ان مصلحة اسرائيل كانت المحرك الأول لكورييل في تأسيس الدولة الصهيونية أو في استيعابها داخل المنظومة العربية سياسياً وثقافياً» ويقول المفكر المصري سمير أمين في كتابه «قضايا الشيوعية المصرية – وثائق الحزب الشيوعي المصري – الراية – 1955- 1957م» «تكونت حدتو بصفتها حركة كما يدل على ذلك اسمها, وليس بصفة حزب الطبقة العاملة الكادحة, بل ظلت «حدتو» غامضة في هذا الشأن» ويشير د. رفعت السعيد في كتابه «تاريخ الحركة الشيوعية المصرية» «هنري كورييل هو مؤسس الحركة المصرية للتحرر الوطني ثم الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني, وقد ظل مسؤولاً لهذه الحركة حتى ابعد عن مصر بقرار من وزير الداخلية في عام 1950» ويقول كورييل في محضر نقاش مع د. رفعت السعيد «تاريخ ميلاد الحركة المصرية للتحرر الوطني هو تاريخ انعقاد أول مدرسة للكادر «لم يذكر التاريخ» حيث تجمع في عزبة والدي من الكوادر الجديدة لحضور أول مدرسة كادر, وأول منشور صدر عن «ح.م» اشترك في كتابته اربعة اشخاص هم جورج بوانتيه ومحمد نصرالدين, ود. فؤاد الاهواني, وانا, ويضيف كورييل في سؤال للسعيد حول علاقاتهم مع المجموعات الاجنبية «كانت مصر في ايام الحرب مركزاً دولياً هاماً وكان بها حوالي 10 او 15 حكومة بالمنفى واستطيع ان اقول اننا حاولنا مساعدة جميع المجموعات الثورية والوطنية ساعدنا الالبانيين والاستراليين والانجليز واتصلنا بمعسكرات الاسرى الايطاليين واليونانيين» ويقول د. حسين كفافي في كتابه «هنرى كورييل الاسطورة والوجه الآخر كان أول رد فعل لقيام «حدتو» قيام التنظيمات الماركسية الأخرى التي ترفض ترك قيادة الحركة الوطنية المصرية في يد أجانب فكان شهدي عطية يرى في وجود الاجانب شيء من التناقض, وخصوصاً انهم يهود, ويبدو ان كثرة النقاش مع «كورييل» ورجاله في اللجنة المركزية وهذا مالم يعجب كورييل فطرد شهدي عطية من الحركة في اوائل 1948م ويضيف د. كفافي «المنظمتان الاساسيتان في تنظيم حدتو اختلفتا حول الموقف من القضية الفلسطينية كانت مجموعة كورييل ترى في المعارضة الوطنية المصرية لتدفق اليهود على فلسطين نوعاً من العداء للسامية وفي مقاومة الصهيونية درباً من دروب الامبريالية على حين كانت «اسكرا» تعمل على مقاومة الصهيونية وشكل سوارتز «زعيم اسكرا» «العصبة اليهودية لمقاومة الصهيونية» ويضيف «كفافي» «بنهاية شهر العسل كما يسميه كورييل, اخذت الانقسامات تطل برأسها على «حدتو» ورغم تأكيد كورييل على توسيع قاعدة العضوية العمالية لحدتو وتمصير القيادة الا انه لم يفهم ان التمصير يعني تخليه هو وشوارتز عن قيادة الحركة, واعتبر مطالبة العناصر المثقفة المصرية له بالتخلي عن القيادة نوعاً من «الشوفينية»..
عبدالخالق وكورييل
يقول احمد سليمان «كان كورييل أباً روحياً للطلاب السودانيين الذين ناضلوا في مصر تحت راية حدتو وفي السودان تحت مظلة «حستو» الحركة السودانية للتحرر الوطني, يضيف «سليمان» تأثر كثيراً منا باسلوب كورييل خاصة عبدالخالق محجوب الذي كان الرجل يوليه اهتماماً زائداً, ويتوسم فيه خيراً كثيراً للحركة الشيوعية في السودان, بل وفي مصر ايضاً, ويذهب «احمد سليمان» الى ان عبدالخالق ورث كثيراً من صفات أبيه الروحي كورييل فقد كان مغامراً مثله» ويقول احمد علي بقادي لـ «الوان» كورييل امتلك قدرات مالية كبيرة وكان متقدماً فكرياً وداعميه, كان الهم الأكبر لهم ضرب الحركة الشيوعية في مصر والسودان من الداخل والقيادات ذات الوعي الكبير, امثال الشهيد شهدي عطية الشافعي وقفت ضده وكشفته وجمال عبدالناصر كان يعرفه جيداً ولا اشك لحظة ان عبدالناصر كان سيطرده لو انه كان موجوداً في مصر عند قيام الثورة ولكنه طرد العام 1950م ويضيف بقادي هذا الرجل صهيوني ماكر جداً ودمغ الحركة الوطنية المصرية الشيوعية بأقبح الصفات ووجود كورييل في رئاسة اليسار المصري «سبة» في جبين الحركة المصرية, واشار بقادي «علاقته بعبدالخالق كانت صداقة وكان سنداً لهم من الناحية التنظيمية والمالية والحركات الشيوعية ما كانت تثق في هذا الكورييل, وحول تأثير كورييل على شخصية عبدالخالق ومجموعته اكد بقادي ان كورييل هو الذي خلق في الحركة الشيوعية اسطورة القيادة, وهذا ضد المباديء اليسارية فتأثيره لم يكن اطلاقاً ايجابياً..
ويقول كورييل لـ «رفعت السعيد» «قد اتصلنا في ح.م بعدد من الضباط منهم محمد نجيب وقد اتصلنا به عن طريق احد اعضائنا النوبيين «صالح عرابي – صحفي سوداني راحل مؤسس صحيفة التلغراف المتوقفة عن الصدور منذ ربع قرن – المحرر» ويضيف كورييل وقد اتصل بي صالح عرابي وقال ان ضابطاً من أصل سوداني يريد ان يعرف ماهو موقف الشيوعيون من السودان, وكان هذا السؤال فرصة لبحث الموضوع واعددنا تقريراً مفصلاً عن وجهة نظرنا في المشكلة واعلنا فيه اننا نرفع شعار الكفاح المشترك مع الشعب السوداني ضد العدو المشترك في مواجهة شعار «نيل واحد وملك واحد» وبعد اتصالات عديدة مع نجيب والحديث لكورييل «شعرنا انه لم يكن له تكوين سياسي محدد»..
ويقول احمد سليمان «وقد كان كورييل مؤهلاً لأن يحتل مكاناً مرموقاً في الحزب الشيوعي بعد ان هاجر لفرنسا مبعداً عن مصر ولكن بالرغم من استقراره واقامته بها لمدة تنيف عن ربع قرن ورغم ثقافته الماركسية الواسعة الا انه ظل بعيداً عن عضوية المكتب السيسي الشيوعي الفرنسي, ويضيف احمد سليمان «وكانت تلك المتطلبات والمواصفات متوافرة في كورييل ولا شك عندي ان الأمر كان مقصوداً ومدبراً من قبل العقول السوفيتية حيث ان البعد عن الأضواء هو من ضرورات العمل الثوري خاصة اذا اتصف بالسرية ومن ركائزه اذا كان الارهاب احد الوسائل»..
ويقول كورييل لـ «رفعت السعيد» «في عام 1950م عندما طردت من مصر, قدمت نفسي للمكتب السياسي للحزب الفرنسي فقالوا لي قابل «مارتي» فقابلته وبعد ذلك فوجئنا بأن الحزب يطرد «مارتي» ويتهمه بالجاسوسية, فكتبنا تقريراً الى الحزب الشيوعي اشرنا فيه الى مقابلتنا مع مارتي وبعد أيام فوجئنا بالاومانيستيه تنشر تقريراً للمكتب السياسي يقول ان «مارتي» كان على علاقة باثنين من المصريين مشكوك فيهما, وهذان الاثنان هما انا «كورييل» وزوجتي.. ويقول احمد سليمان «على مدى سبعة وعشرين عاماً هي مدة اقامته في فرنسا, كان كورييل يساهم ويوجه كل الحركات الثورية والارهابية في مختلف ارجاء العالم فقد ثبت انه كان على صلات حميمة مع كل تنظيم يساري ارهابي في الغرب وبلاد العالم الثالث من الالوية الحمراء الايطالية الى بادرماينهوف في المانيا الغربية الى ثوار البوليساريو الى الجيش الأحمر الياباني والجيش الايرلندي ويضيف سليمان ان كورييل رغم اطلاعه الواسع الا انه كان ضيق الافق مما ساهم في سوء تقديره للظروف ووزن عواقبها».
ويقول الباحث والكاتب محمد علي خوجلي لـ «الوان» «هنري كورييل قتلته المخابرات الاسرائيلية وهذا ينفي صهيونيته كان يهودياً ماركسياً»..!