من اشراقات القارة: لجان المصالحة والحقيقة.. تجريد الأهلية السياسية

الخرطوم: عبد العزيز النقر
حينما تأسست المحكمة الجنائية في العام 2002 كأول محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء، وصفها البعض بأنها أعظم انجاز وصل إليه العقل البشري كونها منظمة دولية دائمة، تسعى إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة، لكن ثمة اعتقاد بأن هذه المحكمة تستهدف القادة الأفارقة فحسب وتغض الطرف عن الانتهاكات التي تحدث للبشرية في عدد من البلدان، كالذي يحدث للفلسطينيين مثلاً من قبل اليهود، لذا جاءت مطالبة الاتحاد الإفريقي في قمته الأخيرة بإلغاء ملاحقة الجنائية للحكام الأفارقة خاصة الذين لازالوا في السلطة ليثير جدلا كبيرا سواء بين الاتحاد والمحكمة من ناحية، أو بين أعضاء الاتحاد من ناحية أخرى. جنوب إفريقيا خرجت من نير الاستعمار الذي جثم على صدرها سنوات عديدة ولكنها ليست كسابقاتها التي أخرجت الاستعمار دون ان ترى مزاياه وعيوبه وكيفية تدارك تلك العيوب وهو ما جعل جنوب إفريقيا تنتبه الى هذا الأمر جيدا، فخرجت لجنة الحقيقية والمصالحة برئاسة د. رموند توتو وهى هيئة لاستعادة العدالة على شكل محكمة شكلت فى جنوب إفريقيا بعد إلغاء نظام الفصل العنصري، وكان هناك شهود وضحايا لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمت دعوتهم للإدلاء بشهاداتهم حول تجاربهم وتم اختيار أشخاص بجلسات مذاعة وتمت الإفادات أمام اللجنة، وكذلك المدانين ومرتكبي العنف ان يطلبوا العفو من قبل الضحايا، ومن ثم تنظر اللجنة فى منح السياسيون الذين ارتكبوا أخطاء الأهلية السياسية أو منعه منها لذلك فان لجنة الحقيقية والمصالحة (الكوديسا) وكانت من بين تسعة عشر لجنة مشابهة فى إرجاء العالم للاستماع لأقوال على الملا رآها الكثيرون كعنصر أساسي للانتقال الى ديمقراطية كاملة وحرة فى جنوب إفريقيا بالرغم من بعض الأخطاء يعتقد بأنها كانت ناجحة..
تعد أول لجان المصالحة التي عرفها العالم تكونت فى يوغندا عام 1974 على يد عيدي أمين وذلك بعد الضغط المكثف من قبل مجموعة حقوق الإنسان غير أنها فشلت فى تحقيق أهدافها لان نظام عيدي أمين منع نشر نص التقرير الذي أعدته اللجنة، ومنذ ذلك التاريخ بدأت عدة دول تحتذي بهذه التجربة والتي أدت الى مصالحات حقيقية كحال التجربة الأرجنتينية 83-1985م، وتجربة تشيلي فى عام 90- 1991م، وبالرغم من فشل تلك التجربتين إلا ان نجاحها فى جنوب إفريقيا جعلها النموذج الذي يحتذى به على مستوى العالم، ويعد القاسم المشترك بين الصراعات القبلية هي السلطة الحاكمة فى إفريقيا.
لذلك فان إفريقيا فى يومها العالمي بحسب مراقبين فإنها تحتاج الى تفعيل لجان المصالحة لإنهاء النزاعات والحروب فى القارة اهتداء بتجربة جنوب إفريقيا فى كافة نزاعاتها، وعطفا على تقيم لجان المصالحة فى إفريقيا فان لجنة المصالحة وتقصى الحقائق التي أنشئت فى سيراليون والتي استمرت 11 عام فعلت لجنة الحقيقية والمصالحة فى عام 2003 برنامجها الذي لم يحظى بقبول شعبي وهى ذات العقبات التي تواجه بقية اللجان في أفريقيا وبحسب تقرير معهد السلام الامريكى والذي اعد تقريرا سريا عن ما حدث فى سيراليون خلص التقرير الى ان لجان تقصى الحقائق والمصالحة في إفريقيا تقع تحت ردة الفعل ولو بشكل جزئي ضمن سياق التعقيدات الدائمة التي ترافق تأسيس لجان تقصى الحقائق نسبة لتخوف من إقدام مرتكبي الجرائم على الثار أو الخوف من انتقام الحكومة بالإضافة الى القلق من تزامن عمل آليات العدالة الانتقالية، النموذج الأفضل حسب محللون فى تحقيق العدالة والمصالحة يكمن فى الصفح والمغفرة من قبل الضحايا وكذلك الأعذار المعلن عما حدث من قبل المسئولين، وهنا يرى مراقبون للشأن السوداني ان تحقيق العدالة والمصالحة فى السودان كنموذج طبق فى جنوب إفريقيا ليس سهلا فى السودان خاصة وان طبيعة الشعب السوداني والذي عرف بالتسامح ونسيان جراحاته، إلا ان التعمق فى تلك الجراحات ومع مرور الزمن ساهمت فى تشكيل طبيعة مختلفة للمجتمع السوداني وهو ما انعكس بشكل سالب بعد ان انحرف الصراع فى دارفور على سبيل المثال من صراع مناطق مهمشة ومركز بسلطته القابضة الى صراع قبائل وهو ما ما يعتبره المفكر الاسلامى المحبوب عبد السلام فى حوار سابق له لـ(ألوان) ان التدرج من القبلية الى الطائفية ثم الى الأحزاب السياسية كان عملا متقدما فى الفهم الصحيح لإنشاء مجتمع ينشد التطور، إلا ان الانحدار المفاجئ الى القبلية بعد ذلك التطور يعد سقطه كبيرة فى روح المجتمع خاصة ان الصراع القبلي فى دارفور يعد تحد كبير للطرفين الحكومة والحركات المسلحة على حد سواء، لاسيما وان التطور فى الصراع القبلي من شأنه ان ينسف المكون المحلى برمته ، ولذلك فان لجان الحقيقية والمصالحة السودانية بحسب محللين تحتاج الى مزيد من الجهد الحكومي مع الاعتذار لما حدث فى دارفور باعتبارها الوصي الأوحد على أمن واستقرار البلاد، وكذلك الحال للحركات المسلحة التي يجب عليها ان تعتذر بدورها للمكونات المحلية والإسراع فى إخماد نار العامل القبلي هناك، لذال يكون من الضرورة إصدار تشريع عاجل من قبل البرلمان الجديد لإنشاء لجنة للمصالحة والحقيقية مقرون بمحكمة موسعة ليست فقط لجرائم دارفور بل لكل السودان من شأنه ان يوسع دائرة التسامح والتراضي والتناسي التي يعتبر الكاتب الامريكى روبرت اوكديل أنها من أهم العناصر التي تتخطى بها الشعوب أزماتها الداخلية وهي ذات الشروط التي تحققت فى المغرب والجزائر من ضمن سلسة لجان الحقيقة والمصالحة فى العالم الافريقى، وبالأخص فى رواندا التي جرت فيها لجنة مصالحة وطنية بين التوتسي والهوتو بعد بحيرة من الدماء..
عموماً صراعات القارة المتجذرة فى القدم والتي تتنازع بين الصراع القبلي والإثني فى بعض دول القارة أو النزاع المسلح المؤدلج فى بعض البلاد كحال الصومال ونيجيريا، وكذلك فى إقليم اقاديم وغيرها من الأقاليم المتلهبه، فإن اليوم العالمي لإفريقيا يعد مناسباً لأن يحدث فيه الاتحاد الإفريقي اختراقا بتفعيل لجنة الإيقاد لحل نزاعات القارة كواحدة من آليات الحل المتقدم فى مواجهة أزمات الشعوب، وكذلك الحكومات والثورات المضادة، خاصة وان القاسم المشترك فى تلك الصراعات حسب باحثين هي حكومات إفريقيا نفسها، الأمر الذي يحتاج الى إعادة النظر فى الأهلية السياسية لهؤلاء الساسة.