لسان الأحزاب والمؤسسات .. عاجزون ينطقون صمتاً

تقرير : أكرم الفرجابي
يبدو أن د.هشام محمد عباس حينما كتب أن عمل الناطقين الرسميين ظاهرة جديرة بالتقدير، لم يكن يدري أن ثمة ناطقين رسميين كلما اتصلت عليهم يأتيك رد شركة الاتصال بأن (هذا المشترك لا يجيب حالياً) الرجاء معاودة الاتصال لاحقاً، في وقت لا يحتمل فيه الحدث الصحفي عبارة (لاحقاً) أو(أديني فرصة)، رغماً عن أن الصحافة ومن والاها في أشكال الإعلام الأخرى، هم الرئة التي تحتاجها المؤسسات كلما حلت فعالية، فيبدأ سيناريو(التحنيس) حيناً والـ(ترضية) حيناً أخر.. العديد من المؤسسات اتجهت نحو تعيين ناطق رسمي، بجانب إدارة العلاقات العامة والإعلام، الفعل الذي ساهم في وجود عدد كبير من الناطقين الرسميين يمثلون الوزارات والهيئات والمنظمات والأحزاب، لكن بحسب معطيات الأمور فإن أغلب هؤلاء المتحدثين ناطقين بالـ(صمت)، على الرغم من أن المتحدث الرسمي هو الطريق لنظام اتصالي يعكس الانسجام في تداول المعلومات ويحارب الشائعات ويجعل موقف المؤسسة أو الحزب الذي ينطق باسمه واضحاً وغير مهزوز، لكن عدم استجابة الناطقين الرسميين لاتصالات الصحفيين في كثير من الأحيان، ساعد بصورة لا تخطئها الأعين في تضارب التصريحات والمعلومات وتعدد الآراء المنطلقة من مؤسسة واحدة.
سابقاً كانت المشكلة الكبرى التي تواجه عمل الناطقين الرسميين تتمثل في أن آخرين يحاولون القيام بدورهم أو أداء وظيفتهم في تنافس غير محمود على الأضواء، ويقودهم إلى ذلك في كثير من الأحيان دوافع شخصية لإثبات الذات في الميدان السياسي وفي بعض الأحيان يخدمون بغير قصد خصومهم خاصة في الأزمات والاشتباكات.. لكن اليوم وبحسب الكثيرين أضحت الأزمة في الناطقين أنفسهم، بتهربهم من الإعلام والإعلاميين، أسماء بعينها في السابق كانت متهمة بعدم التجاوب مع اتصالات الصحافيين، لكن اليوم أصبحت الغالبية العظمى منهم تنتهج نهج الناطق الرسمي باسم المؤسسة العسكرية العقيد الصوارمي خالد سعد، الذي نادراً ما يرد على هاتفه النقال بدعوى انشغاله بمتابعة التقارير، في الوقت الذي قام فيه الحسن الميرغني بإقصاء (18) من قيادات الحزب الاتحادي الأصل أبرزهم (طه علي البشير وبخاري الجعلي)، على طريقة والده الذي لم يوضح حتى تاريخه موقف نائبه علي محمود حسنين، والتوم هجو، وعلي السيد، كان هاتف الناطق الرسمي باسم الحزب إبراهيم الميرغني المنوط به توضيح مثل هذه القرارات للرأي العام يعزف السيمفونية التي أصبحت معتادة من قبل الناطقين (هذا المشترك لا يجيب حالياً الرجاء معاودة الاتصال لاحقاً)، وكلما كررت الاتصال يأتيك ذات الرد من صاحبة الصوت الأنثوي التابعة لشركة الاتصال والتي لا تكل ولا تمل من تكرار نفس الجمل.
ليس إبراهيم الميرغني وحده من لا يجيب على اتصالات الصحفيين، وإنما الناطق الرسمي باسم حزب الأمة القومي سارة نقد الله التي هي الأخرى لا تجيب على هاتفها الجوال، فكلما تصاعدت وتيرة الأحداث داخل الحزب الذي يقوده الإمام الصادق المهدي، يصبح أمر الاتصال بالناطق الرسمي في كل مرة فعلاً ملحاً لاستجلاء الحقائق، لكن سارة نقد الله التي تشغل منصب الأمين العام للحزب إلى جانب عملها كناطقة رسمية باسمه نادراً ما تتكرم بالرد، ففي خلافها الأخير مع نائب رئيس الحزب الفريق صديق محمد إسماعيل، التزمت سارة نقد الله الصمت بالرغم من أنها جزء فيه إلى أن كشف نائب رئيس حزب الأمة القومي، اللواء فضل الله برمة ناصر، عن طي صفحة الخلاف بين الأمين العام للحزب سارة نقد الله، والنائب الآخر لرئيس الحزب الفريق صديق محمد إسماعيل، وقال ناصر إن الخلاف كان حول آراء داخل المؤسسة وما كان يجب أن يأخذ هذا المنحى الشخصي ويطلع لوسائل الإعلام ويجرف الحزب من الهدف الأساسي وهو تحقيق الديمقراطية والسلام الشامل.
الراصد لمجريات الأمور يلحظ أن مفهوم الخبر.. حدث له تطورات جديدة في عصر العولمة فلم يصبح الخبر هو المعلومات التي حدثت ولكن الخبر هو ما يجري الآن هذا إضافة إلي أن الإعلامي لم يصبح الصحفي أو المذيع أو الباحث عن الأخبار ولكن فئة كبيرة من الجماهير تمارس نوعاً جديداً من الإعلام لا تستطيع البوابات حراسته وبالتالي لابد من استحداث نظم جديدة لعمل الناطق الرسمي تستوعب هذا التطور الكبير في تداول ونقل الأخبار والمعلومات، ولقد استطاع العقيد الصوارمي خالد سعد أن يقدم نموذجاً للناطق الرسمي من حيث سلامة اللغة والحضور والتفاعل الإيجابي والإلمام بالمعلومات، لكن ثمة اعتقاد بأنه لا يزال يحتاج لجهات استشارية تتوسع فيها التخصصات فحركة القوات المسلحة ترتبط مباشرة بالاقتصاد والاجتماع والسياسة والقانون، كما أنه مطالب بعدم ربط ظهوره بالأزمات والكوارث، فيمكن أن ينظم لقاءا دوري بغض النظر عن وجود إحداث ساخنة فعدم وجود أخبار من الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة في حد ذاته خبر جدير بالنشر حيث يعكس الأمن والاستقرار، لكن ما يعاب عليه أنه زاهد دوماً في الرد على هاتفه الجوال.
إن اللافت للنظر في الفترة السابقة تراجع دور الناطق الرسمي باسم الخارجية، بالرغم من أن الفترة التي كان يشغل فيها المنصب العبيد أحمد مروح شهدت حركة ونشاط ورد دائم على اتصالات الصحافيين، لكن اتسم عمل الناطق الرسمي في الخارجية مؤخراً بالانكفاء والظهور أيام الأزمات فقط وغاب على الخارجية أن عمل الناطق الرسمي يجب أن يوظف لصالح الدعاية والإعلان وتحسين صورة السودان وفق خطة مدروسة ومنظمة، كما أن الخارجية يقع عليها عبء تنوير الملحقين الإعلاميين بالمعلومات الساخنة حتى يكون لهم حضور في الإعلام الخارجي وهذا نفقده في عمل سفاراتنا، أما إعلام القصر فهو يدخل ضمن قائمة الزاهدين في الرد على هواتفهم أيضاً.
مبررات بدت ساذجة تلك التي يلجأ لها عادة الناطقون الرسميون خصوصاً باسم المؤسسات الحزبية أو قادتها، وذلك باعتبارهم أن الصحفي ما هو إلا وسيلة من وسائل النظام للحصول على معلوماتهم أو تحريفها – كما يبررون دائما- في إعادة إنتاج وصفت بالـ(غبية) للظاهرة الـ(عرمانية) التي ترى كل الصحف في الخرطوم تتبع لجهة يعاديها، الأمر الذي جعله ينتهج نهج رفض التصريح أو عدم الرد لتتبعه على ذات المنوال المنصورة د.مريم الصادق، في وقت ليست الصحف فقط التي يتم السيطرة على ما فيها بل البلاد بأكملها، ليبدو المبرر قدحاً في نضالهم قبل إن يكون تشكيكاً في الصحفيين.