قـصيـدة الخرطوم .. شمس الدين حسن الخليفة

هذه القصيدة نظمتها في عام 1971م. وقد أتيح أن اقرأه بعد سنوات في برنامج تلفزيوني. وبعد أسابيع ذهبت إلى السيد سعد عوض – رحمه الله – بمباني الاتحاد الاشتراكي بالخرطوم وعند وصولي لم أره بالمكتب، ولكنني وجدت في مكانه مولانا أبيل ألير جالساً على كنبة مواجهة للباب، فلم أتوقف، ففوجئت بالسيد سعد ينادي عليّ فتوقفت وسألته: إنت شفتني كيف؟ فأجاب: أنا ما شفتك لكن شافك السيد أبيل ألير وقال لي: تعال نادي الزول المشى بي هنا. دخلت وحييت السيد أبيل ألير الذي كان نائباً للرئيس نميري. كما كان رئيساً للجنة الحكم اللا مركزي. فبادرني بقوله: أنا سمعت قصيدتك قبل أسابيع في التلفزيون، أنت تنبأت بالحكم اللا مركزي قبل أن يفكر فيه الرئيس نميري.
وقد ذكرتني هذه القصيدة قصيدة بيرم التونسي «المجلس البلدي» التي نُشرت بالصفحة قبل أسابيع، فهنالك تشابه بين القصيدتين من حيث إن أواخر الأبيات كلها كلمة واحدة، فهنالك تتكرر كلمتا المجلس البلدي وهنا تتكرر كلمة الخرطوم. والآن إلى القصيدة:

الخرطوم
شعر: شمس الدين حسن الخليفة

عندي حديث لو أذنتم سقته
في لومكم يا ساكني الخرطومِ
نحن الأُلى في الريف شاب شبابنا
إذ نستميت لرفعة الخرطومِ
والخير من كُلِّ الجوانب دافقٌ
ومصبهُ لا شك في الخرطومِ
ولكم رجعنا «دون خف واحدٍ»
وكأننا لسنا من الخرطومِ
ألنا العقاب على التشتت بينما
نحن الأحق برحمة الخرطومِ؟
كُلّ «المطايب» بالقطار ترونها
«مشحونة» رأساً إلى الخرطومِ
وإذا المباهج والطرائف تُنتقَى
في دِقة لمدينة الخرطومِ
لا «مسرح» لا «إكسلسيور» هنا
لا شيء يجمعنا مع الخرطومِ
فالمصنع المرموق في إنشائه
يمتاز بالتصديق في الخرطومِ
واللاعب الممتاز يسطع نجمه
لو صافحته ملاعب الخرطومِ
و«التوتو كورة» حين يُجرى سحبها
ليست تفوز بها سوى الخرطومِ «2»
و«النقل» إمّا «لُـجنت» عرباته
حتماً تُوزع داخل الخرطومِ «3»
لم تظهر البعثات إلا نُظِّمت
في حينها لموظفي الخرطومِ
«بند الإدارة» لم يُثبَّت أهله
قبل الألى بمكاتب الخرطومِ «4»
واللهِ حتى الترقيات أخالها
قد فُصلت لجماعة الخرطومِ!
والأسبقية في الأراضي دائماً
تنساق للموجود بالخرطومِ
وإذا الوزارة عندنا قد شُكلت
فجميعهم من ساكني الخرطومِ
أهل الإذاعة لم يشذِّوا مطلقاً
فصديقهم من كان في الخرطومِ
وإذا أراد الفن نشر بديعهِ
شدَّ الرحال ضحى إلى الخرطومِ
حتى الصحافة صار معظم أهلها
يستملحون كتابة الخرطومِ
وعن العلاج فحدثنَّ بخبرة
فالفحص والتشخيص في الخرطومِ
لا تنقضي لك حاجة في سرعةٍ
إلا إذا «أمسيت» في الخرطومِ!
كم فرصة ضاعت علينا بينما
وأتت سعيداً ظل بالخرطومِ
الظلم حاق بنا كما ضقنا به
فلترحمونا يا بني الخرطومِ
حققتمو المثل القديم «لبعدنا
عن عينكم».. بل قل عن الخرطومِ«5»
كم بُحّت الاصوات في أريافنا
كي تنصفوا من ليس في الخرطومِ
وأقولها لكمو مقالة آملٍ
لا تحبسوا الخيرات في «الخرطومِ»
«فالفيل» ضخم وهو محتاج إلى
إمداده بوساطة الخرطومِ
فلتذكرونا «كل عام مرة»
حتى نشمَّ روائح الخرطومِ

حاشية
(1) المسرح القومي وفندق إكسليور
(2) مسابقة كانت تجرى على نتائج كرة القدم
(3) مصلحة النقل الميكانيكي التي ليس لها وجود الآن
(4) موظفون مؤقتون كان قد عينهم الشريف حسين الهندي عندما كان وزيراً للمالية
(5) البعيد عن العين بعيد عن القلب
(6) إشارة إلى الأغنية العربية المشهورة (زورونا كل سنة مرة)