قصة قصيرة جديدة : انباء الشهور ووقائع الدهور

بقلم : مبارك الصادق


يناير
كنت احدق في المساءات القصية … هاهنا في حاضرة الوقت والزمن … النظر في لوح المحو والاثبات …. اغلفة المصاحف وشرافاتها ، في خطها الكوفي حين يلمع سني سناج الدواة القرعية وعلي سطحها الاملس تنبت الانماش لها بروز كما البثور علي خد انضر… سنة البوصة الراعفة المترعة مدادها السنجابى الداكن . والقلم له صرير يجري بما خط في الازل ، ويهجم الليل في ادلهمامه الساكن ، والأم في تأنانها المؤلم ، ارتدت الريح منامتها ، وتخففت من البستها الثقيلة وخلدت الي الراحة … متي يمضي الليل الي منفاه ؟؟ والاسد الي عرينه ؟؟ والوحش الي وجاره ؟؟
كانت السنوات في مهب الغياب ، وايامك مثل كلاب الصيد …
الأم تعاني الآم طلقها ، زخات من الوجع المبرح
( الله لي … لها الله في مخاضها «
« الله لي … لها الله في نومها وفي سهادها «
« الله لي … لها الله قربها وفي بعادها «
تسعه اشهر وهو يقتات من اعصابها ) .
وحين هل باكيا كان جبين امه النجمي ينضح بالعرق … وكانت تتداعي الي سمعها اصداء النبؤات البعيدة ( لن يكون كما تريدون … انه يحمل في احشائه جرثومة مرضه العضال … سيهجم عليه المغول وشذاذ الافاق بقصد اعاقته وايقاف نموه…. سيضعضعونه لكنهم لن يفلحوا في النيل منه … وسيبقي حتي يقيض الله له الذين سيأخذون بيده الي مطالع النور والحياه ! .
ظلت هنيهة تتسمع الي تلك الاصوات البعيدة وهي شاردة الذهن عما حولها ، وعمن حولها حتي صاح الحاجب محكمة !!
فانتبهت الي القاضي الجالس في دكته العالية … والي القاعة الملأي بالحضور والي بعلها يقف في الجانب الاخر والذي انشأ يقول بعد ان اشار له القاضي بالكلام :
( انه ابني … قطعة مني … قرة عيني … اريد ان اربيه في كنفي حتي ينشأ النشأة الصالحة فلا يكون ربيب الشوارع والبيئات الفاسدة )
يامولاي .. تقول المرأة « انه ابني انا … انا التي حملته … انا التي وضعته … بطني كان وعاؤه … صدري كان سقاؤه ، فهل ينسي حين طردني في ظلمة الليل . وحين مضيت به اتعثر في السكك ؟؟ هل ينسي انه سامني الخسف ، وضربني بالخف واسلمني للخوف .. ومضيت عنه وقد نالني التعب ، وأمضني الجوع والسغب وأليت علي نفسي ان احميه واراعيه . فعملت وتعبت ، وسعيت وبذلت ، ولم ابخل عليه حتي اوقفته علي قدميه وصيرته علي ماهو عليه …
وهاهو الان يريد ان يضمه اليه ويتركني كما المعلقة .
نظر القاضي اليه مستفهما . فعاد يقول :
( تقول يا مولاي حملته .. وانا الذي حملته قبلها … وتقول انها وضعته وانا الذي وضعته قبلها ! )
(اجل يامولاي … مايقوله صحيح
هو الذى حمله – ولكن حمله خفا … وحملته ثقلا .. ووضعه شهوة … ووضعته كرها …كان يقتات من اعصابي ، واوشك علي ان يقضي علي شبابي !!
مارفع القاضي الجلسة .. ولم ينظر من وراء نظارته للمرأة خلسة .. ولكن قرع المنضدة في عنف يريد اسكات الهمهمات التي تنتصر للمرأة مرة وللرجل اخري . ثم حدق في القاعة الغاصة بالحضور سدرت القاعة في صمتها الصامت، ولم تعد تسمع حركة ولا نأمة .. عندها قال القاضي .
لن تخدعنا كما خدعتها … اين انت منها وهي التي غذته عبر المشيمة ، ورعته في المرض وفي الاوقات الاليمة … واطعمته وسقته ، وحين أملت نفعه ، ورجت دفعه ، جئت ترجو خطفه ؟؟ .. أذهب .. أذهب فانه ابنها … )
وخرجت المرأة وهي تضمه الي صدرها حفية للميلاد الجديد وراحت تهدهده وتناغيه
ياعشائي .. ياسقائي … ياكسائي . ايها الواعد بالرجاء … ياناير الوجه بالبهاء … اكان هذا وعدك غداة الميلاد السعيد حتي يمكن ان نتخذ من غرتك يوم عيد ؟؟
كان المتنبي قد انطلق عل عجل لايلوي … بيد اننا وجدنا قصيدتة علي الخوان كان قد ذهب لينقب عن الذهب ولم ينج من الموت
فبراير
ذهبت لاني ، ابحث عن ابني ذلك الذي حملته معها حيث لاادري … انه ابني قطعة مني – رغم انف قاضيها – كم كنت سعيدا بهما – كنت اسبق الناس بكرة اليها لاسألها عن حالها والقي نظرة عليه وانا اراه يلتقم ثديها الوافر وعروقه الخضراء النافرة… كان يبكي عندما يراني ويترك حليبها ، واري في عينيه حزنه الكظيم .. فاقول له يا ابني لا تحزن .
نعم انت بالكاد تدرك ان العالم الذي اتيت اليه ضيق جدا وضائق به صدرك – حيث كنت في رحمك الراحم –  رهين امنك الآمن بعيدا عن الترهات والمعمعات .. الضجة والزعيق .. الخوار والنهيق والهواء الملوث بسخام الابخرة السابحة في اجواز السماء .
اه يابني العزيز اين مضت بك امك الجاحدة وانا الذي ماذقت طعماً للحياة منذ ان غادرتماني .
ايها الشهر القصير .. كيف اعيش والي ما اصير وانا ابحث عن زوجي وابني … ياليتها فعلت كما تفعل الاخريات اللائي امتلأت بهن صحائف الاصدارات ( طلاق للغيبة )– كنت علي الاقل سجلت حضوري واسترضيتها – وارجعتكما الي كنفي . يا ايها الباحث . . يا ايها السائل عن الابن والزوجة . دعني لعذاباتي وحزني . ولتكن كما العامة اسأل طوال القامة . فأنا كما تري وكما قلت قصير .. فمتي كان يسمع لقصير رأي ؟؟
هم يرونني خاوي الوفاض من اي انتفاض : بل يصفونني بالخمول والذبول ولهذا لم اعد احفل بالغياب او بالحضور : الا تسمع جدلهم ؟؟ الا تسمع احاديثهم عن السنة الكبيسة والشهر الناقص . وعلامات الساعة الكبري والصغري ؟؟ وانا اقول لاتحفل باقاويلهم ولا تالم لاضاليلهم – لتكن سنتهم كبيسة ايها القصير : ماذا فعلوا في اشهرهم التامة ؟ الم تاتهم بالطامة ؟ . ماذا فعلت بهم شهور الثلاثين ؟؟ اما ذهبت بهم في ستين ؟؟ اما اصلتهم الجحيم ؟ وقطعت منهم الوتين ؟ فمالهم كيف يحكمون ؟ ! انهم مثل اجدادهم تماما لا يحرثون الا بذقونهم !! فماذا يحصدون ؟!
مارس
كلما طرقت بابا من الابواب لاشكو بثي يبادرونني هم بالشكوي ويجأرون
ليت شعري هذه الدنيا لمن ؟؟
يايها الشهر الجميل انا ابحث عن امراتي وابني ، فقد حملت ابني بليل وحار بي الدليل ، وقد كرهنا القال والقيل ، فالناس يتحدثون ولا يالون نعم نعم كانت ليلة دجوجية الظلام ، سجواء ساكنة النسيم حين سمعتهما يحددان وجهتهما … لكن كنت عنهما في انشغال ، لان البشر اولئك الطغام قد احرقوا حشاشتي بافعالهم ، وهتكوا كرامتي باقوالهم – حتي خرجت عن طوري فاهتزت الارض لغضبي ، وارتجت الجبال بسببي . يقولون عني ان ذلك هو رايي ، لاتطربني الا رحي الحرب الدائرة . ومايهمني علي من تدور الدوائر ، وتنبهم المسالك والمصاير ، واني ارقص علي الاشلاء
وابشر بالبلاء ويبهجني انين الجرحي وتأوهاتهم ، وتسعدني حشرجة المحتضرين وشخوص نظراتهم – بل تمادوا فأسموني بأله الحرب . وعل كل فانا اقدر كونك فقدت الزوجة والولد وقاضي الاحوال لو ترك ذلك الامر للجودية لما كانت هنالك قضية !! ولكن كيف ذلك وهو يجلس علي الكرسي من اجل الأقضية .
اما بالنسبة لي فخصومي يقولون عني مارس شهر الكوارث.
وما اصبتهم بكارثة كما يدعون – وهذا صديقي فبراير وهو يقول لي انسيت اول مارس ؟
ولكن كل الذي جري مافعلته انا بل هم الألي فعلوا ياصديقي الموتور – ياأيها القصير ؟؟
قصير وموتور ؟؟ كيف تقول عني ذلك ؟؟
لاتغضب لاتغضب … ان قصر القامة يولد الللأمة . وانه لو حللنا موقفك – وخلو صحائفك من الامور الجليلة ادركنا حجم المعاناة والشعور بالعجز والمهانة – لوجدنا لك العذر .
ياصاحبي ما أنفكوا يتقولون علي بكوني شهر الابتلاءات والامتحانات فاصبر عليهم ولكن كيف التعايش مع هكذا بشر ؟؟؟
امضي عنه وانا اقول له . انا لست معهم في قالتهم .. فانت لاتعدوا ان تكون شهرا من الشهور تمر بك الاحزان كما تمر بك اوقات السرور .
فلا تأبه باحكامهم الزائفة ، وموازينهم المطففة .
أبريل
وانا اجد فى بحثي ، والعك حزني ويأسي … امضي ولا الوي واوالي البحث عنهما ولكن هذا ابريل الذي يبدو كمالك الحزين هل يدلني او يخبرني ؟؟
ايه ايها الشهر الربيعي الجميل اني ابحث
عن زوجي وابنها فقد هجراني ولا ادري اين ذهبا ومنذ مدة وانا مشغول بشأنهما . وابالغ في نشدانهما ، ولا ادري اين مكانهما فهل ساعدتني واخبرتني ان كنت تدري اين هما ؟
آه كل يغني علي ليلاه .. والكل مشغول ببلواه … انت سألتني فهل يصدقك القول من كان كاذبآ ؟؟
وهل انت الا من غزيه ؟؟؟ لقد مازحتهم مرة ولكن كما يقول جيرانهم انهم دائما في جهامتهم تلك لايستجيبون لمزحة ولايعرفون خفه الدم او النكتة . صرخت بهم ذات قائلة . هجم النمر . هجم النمر-فهبوا من قيلولتهم لنجدتي وضحكت علي سذاجتهم كيف يهجم النمر في القائلة ؟؟
فعادوا وهم يسبون ويلعنون سنسفيل الآلي خلفوني ثم ( وذات نهار سادس اخضر) اعدت الكره وظننتهم من المؤمنين ولكنهم خرجوا كذلك يجرجرون اذيالهم . فكدت اقع من الضحك . بيدا اني حين هجم النمر ليلا ذات ليلة مدلهمة … اصموا اذانهم ولم يخرجوا لنجدتي وقالوا عني ان اولي كذبة وان اخري لعبة وظللت اصيح …هجم النمر … هجم النمر.. فلم يعبأوا حتي راح ابريلهم شمارا في مرقة وتسألني ؟؟
مايو
لقد ضقت بالبحث كما ضقت بالانتظار … وها انا احتفي با لشهور كما تحتفي الفتيات بالمهور … ومع ذلك مامن شهر دلني ، وكل منهم كما الشعرة من العجين استلني ، وهذا المايو اليس مثلهم تمامآ ؟؟ ام انه يحمل غيثا ؟ انت تبحث عن الذين خرجوا ولم يعودوا ؟؟ لا لن تجدهم مهما تجد ، تلكما الزوجه وذلك الولد ، لقد راحا كما راح البلد … وانا ها هنا منذ ستة عشر عامآ لم يمرا بي ولم اجد لهما اثر ، فوفر طاقة البحث … وليس اليوم كالامس . واذا تريد مني تفاصيل فانا اقول لك ذلك « وبس» واتوقف عن « البث « ! فدعني في تقلباتي بين يسار ويمين ونكد .
يونيو
جاءه الاضياف فضاق بهم ذرعا .. وقال « هذا يوم عصيب « ذلك عندما جاء رهطه يهرعون .. وقال ياقوم ان هؤلاء لداتي ؟؟ فأشاحوا عنه وهم يقولون انك لتعلم مانريد ؟؟ قال لو ان لي بكم قوة «
وحين بدأت بالسؤال عن الزوجة والابن الضال لم يتركني لأتم السؤال اذا قال … ولا ادري كيف عرف نشداني و بحثي « لاتسلني ؟؟ «
قلت انه ابني ؟؟
قال انه ليس ابنك « انه عمل غير صالح ؟؟ «
قلت ومع ذلك فاني اسأل !
قال « لاتسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم «
فاسقط في يدي .. هذه لغة جديدة لم أألفها في شهر من الشهور . لغة سماوية ومع ذلك . قلت حتي متي تحدثني بهذه اللغة ؟؟ وتصرف النظر عن الاجابة المباشرة ؟؟
قال حتي « يلج الجمل في سم الخياط «
قلت حسنآ . هنا تركت السؤال عن الزوجة والولد سأسأل سؤالآ واحدآ واريد اجابة حاسمة وواضحة .. انني اسأل عن الارض هذا شمالي فأين جنوبي ؟ فأذا يونيو بدت له انياب كريهة وهو يضحك بها
« انا ناتي الارض نقصها من اطرافها ( !! )
فسرت في لساني عدوة اللغة العلوية فخرجت خائفا اترقب في طريقي الي مدين وأنا اقول « اليس فيكم رجل رشيد ؟ فماذا يجديني البحث عن الزوجة والولد ؟؟ وماذا يجدي البكاء على اللبن المسكوب وقد انكسر صحن الصيني وتشظي في الجهات !
يوليو
في حمأة الظهيرة وحمارة القيظ كان دخولي الي مدين – ولم اجد امة من الناس يسقون .. ولم تأت تلك التي كانت تمشي علي استحياء ، ولا القوي الامين ولكن ذهلت فلحظة دخولي بدأت الارتال في الحركة … اذن هنالك حركة ؟؟
في حمأة الظهيرة – ان الرؤوس لتغلي وتفور فكيف يعمل الفكر في مثل ذلك الجو ؟ ياللغرابة انهم لا يتكتمون ولا يدارون الهوية بل يعملون في وضح النهار بدلآ من عملهم تحت الارض ، وقد ظل غرماؤهم ينكرون .
حين من الدهر ولا يعلنون ..
خرجت جموعهم الي الميدان الاحمر . واعلن متحدثهم انهم لايخشون الجن الاحمر وكانت الاعلام والبيارق بذات «الحمرة التي اباها المهدي «
ولقد كنت في غاية التعب .. وفي غاية الجوع والسغب فجاءني صوت من الذاكرة – اعدو لآل ياسر طعاماً فقد جاءهم مايشغلهم فانصرفت ولم اسأل عن زوجة او ولد ، ولم اطمع في الراحة فقد خلقنا في كبد !!
اغسطس
كان الجوع قد امضني – والوحل والطين قد اوهي بدني – كنت في مسيس الحاجة للايواء والغرا . ولكن حين دلفت اليه كان يبكي مر البكاء حتي افقدني الامل والرجاء – ونسيت محنتي وجوعي لاسأل مالذي يبكيك يا أوغسطين ؟؟
حتي احمرت منك العين ؟؟
فرفع راسه الذي كان ينهدل علي صدره . وربت علي كتفه وانا اقول : علي رسلك اتبكي كما النساء على ملك اضعته ؟؟ ان الرجال لا يبكون ؟؟
سألني فجأة وقد كفكف دموعه وكف عن البكاء : هل تري بي عيبا ؟؟
قلت حاش لله انك سيد الشهور . ففيك الارض تخضر وتزهو ، وتمتلئ الضروع وتسخو ، وتجود بالالبان ، وترقد اكوام الذرة علي التقي والاجران ؟
قال . فلماذا اذاً تتخطاني الحادثات العظام ؟؟
قلت صبراً جزيلا فكل شئ رهين بالوقت والاوان . فعسي ان يمتطي صهوة . احد ايامك فارس من الفرسان فلا تبتئس فالشهور كما الانسان لها ايام سرورها – كما لها ايام الاحزان !
سبتمبر
صباح الخير
ماهذا بسلام : حيي بتحية الاسلام
السلام عليكم
وعليكم السلام ورحمة الله
يا ايها الشهر الخلوق انما انا عابر سبيل ، وقد تقطعت بي الاسباب خرجت ابحث عن امرأة طويلة جميلة . تركتني وأخذت معها ابني .
انه علي رجعها لقادر !
ارى الشوارع غاصة بالناس واراهم يرفعون الاعلام يطالبون بالغاء القانون .
هل يريدون العيش بلا قانون ؟؟
انها قوانين الحقوها باسمي ، ثم تباروا في تجريحي وشتمي – بعضهم يقولون انها لاتستحق الحبر الذي كتبت به – وبعضهم يلحقها بدرجه التقديس وانا ضائع بين ذلك
قلت ان امرأتك طويلة جميلة فكيف تأتي لك ان تفرط فيها ؟؟
ذهبت انقب عن الذهب فوجدتها قد ذهبت
واحدات رميم … واحدات عقارب ساكنات هشيم واحدات ذهب مخزون قديم . هكذا قال حكيم السلطنة القديم !!
حسنآ ايها الشهر الخلوق وداعاً
لا لن تذهب قبل ان ترتاح . وتتناول الطعام . ان ديدننا اطعام الطعام … وافشاء السلام … والصلاة بالليل والناس نيام .
اذن انت من أنصار تلك القوانين ؟؟
نعم ليسموا الاشياء باسمائها .. وليقوم بحقها ولا يحتالون عليها ونحن معشر الشهور اطهار انقياء ، اشانوا سمعتنا وبشعوا بنا ، دونما ذنب جنيناه ! يولغون في الاناء ويوصلون شعوبهم حد الفناء ويتقولون علينا .
اكتوبر
لم يحاول ان يدخل المدينة ليلاً خوفا من عسسها وحراسها .. فتكور خارج الاسوار ، وقد اخذ منه الونى والضنى مأخذه ، ولهذا حين اضطجع لم يستيقظ الا بعد ان لفحته اشعة الشمس ، فقام وقد نفض عنه الغبار ، واخرج من مخلاته قارورة بالماء ملآى فغسل وجهه ، واستاك ، واعاد ترجيل شعره والقي نظرة اخيرة علي نفسه وهو يغذ السير نحو الولوج الي عمق المدينة ومركزها . بيد انه ما كاد يدخل الي اطرافها حتي بهرته المدينة الفارهة بمظاهرها الاحتفالية ، اعلامها واقواس نصرها وزينتها وشعبها السعيد الساعي جماعات نحو الميادين وهم يهزجون ، وخرج الاشراط في طوابيرهم المنتظمة وهم يمشون مشياتهم العسكرية في خطواتهم القوية ، واهل الطرق الصوفية وهم يلبسون ازياءهم الخضراء ويضربون علي دفوفهم ويتعالي ارزام نوباتهم – وطائفة من الاجناد يمتطون صهوة جيادهم المطهمة يسرعون بها وهم ينظمون الصفوف ويأتي طلبة وطالبات المدارس وهم يحملون اللافتات والاعلام وتنطلق من حناجرهم الغضة اناشيدهم الملحنة ( برز الثعلب يومآفي ثياب الواعظينا ) وكنت فاغرآ فاهي اتامل هذه المناظر الجميلة التي اخذت بنفسي .. وانا اتساءل في داخلي بم يحتفل هؤلاء الناس ؟؟ – فتجرأت وسألت احدهم .. فنظر الي بدهشة بادية .. ولكنه بعد ان اكتشف غربتي عن المدينة .. قال ايها الوافد الغريب الم تسمع بأكتوبر .. هذا شهر اكتوبر .. ومدينة اكتوبر .
قلت العاشر من اكتوبر ؟؟
قال بل الحادي والعشرون منه حين هب الشعب في وثبته العارمة ؟؟
قلت اهي وثبة ؟؟ ام هي هبة ؟؟. ام هي هوجة ؟؟ ام هي كذبة ؟؟
قال ولم تقول ذلك ؟؟
قلت اردت ان اعرف وماذا فعلت الوثبة ؟
قال لقد استردينا الطفلة المغتصبة وها نحن نسعي لمعالجة جراحها …
ثم قلت هل ممكن ان اقابله ؟؟
قال تقابل من ؟؟
قلت اكتوبر ؟؟
لم يرد بسرعة ولكن نظراته قالت : اانت مأفون ؟ وسمعته يقول : يا أخي هذا من رابع المستحيلات .. انت نكرة .. وليست لك صفة ، وشكلك لايوحي بالسواء والاستواء وليست لديك قضية ابتدأ فكيف تطلب مقابلته ؟؟
ماهذا التكبر والتجبر والصلف ؟؟ منذ ان خرجت من دياري في البحث عن زوجي وابني . فقابلت كل الشهور فأحسنوا مقابلتي . واستمعوا لحكايتي ومشكلتي صحيح انهم لم يساعدوني في العثور عليهما– لكنهم طيبوا خاطري .
قال : اكتوبر ليس مثلهم – انه اكتوبر الاخضر ، ربيع الشهور .. نعم .. ليس هو الربيع العربي .. بل انه الربيع القرشي !
ومكثت ثلاثة ايام لم اتمكن من المقابلة .. وازعجني سوء المعاملة .. وفي خلال مراقبتي للحالة ادركت انها بطالة وان فرحتهم هذة ساقطة لامحالة !!؟
وخرجت لا الوي نحو نوفمبر .. عسي ان يبتسم حظي .
نوفمبر
هذه الاشهر المجنونة ماذا جري لها ؟؟ سألت نفسي حين ولجت المياه الاقليمة لنوفمبر كان البرد قارساً والجو غائماً .. لكن ذلك لم يمنع الناس من ان ينتشروا في الشوارع اتفرس في الوجوه الغاضبة . واجتهد في مراقبة النساء عسي ان اجد ضالتي ذلك ان عرافا في مدينة ما قال لي ستجدها . فتحراها في الاشهر الثلاث الاخيرة من السنة .
قلت له : اهي ليلة القدر ؟ّ
وما لبثت ان شاهدت التظاهرات الغاضبة و هي تندد بالاوضاع والتي قالوا عنها انها كارثية .
ركزت نظري في المارة وفي النساء الحاشدات علني اراها ورغم اني مازلت اسير محنتي وقد كادت ان تنقضي رحلتي فأعود الي حلتي – رغم ذلك مازلت اسأل عن الاحوال التي اراها امامي اين ماذهبت. سألت .
فقلت ايها الناس – ماخطبكم ؟!
فأجابوني ان ثمة طفلة صغيرة ، بريئة جميلة لم تبلغ سن الرشد ، ولم تشب عن الطوق وكانت ثمة جماعة نظامية يسيرون علي غير ماهدي حتي رأوها فأعجبتهم لم يرحموا صغر سنها ولم يراعوا كون انها لم تبلغ السن القانونية التي تؤهلها للزواج بالمهر المدفوع والعقد المكتوب . فهجموا عليها وراحوا يتبادلونها وكادوا يقتلونها لولا ان هب نفر من الناس فخلصوها منهم وعملوا علي ارجاعها الي اهلها .
في داخلي قلت مسكينة ماذا بقى منها ؟؟ وماذا عن عود الكبريت ياوهبي !!
تمتمت سرآ ان الفتيات . ما ان يبلغن سن الرشد حتي يفقدن الرشد !
واخذت اجوس خلال الجموع وانا ابحث عن تلك الزوجة . وحيث ان مكبرات الصوت كانت منصوبة في الميدان . اذا بهم يقدمون خطيبهم . فأخذ يكيل للشهر المسكين الاتهامات والشتائم انت تستحق الرجم لا الشتم . لقد دمرت مستقبل طفلة كانت لها آمالها واحلامها وفعلت فعلتك التي فعلت وانت راشد وهي فعلة لم يسبقك عليها سابق – وقطعت عليها طريق طفولتها .. تقول انهم اجبروك . وهذا لن يشفع لك فقد كان ينبغي ان ترفض ماعرضوه عليك وان تقول لا ان هذا لن يكون ..لا .. لن نستمع اليك كان عليك بالرفض وان تقول هذا لن يكون حتي ولو قتلوك او زجوا بك في السجون – لكنك قبلت وواصلت بل واستمرأت والان عليك ان تتحمل الالم .. لا لن نستمع اليك البتة فاسكت واصمت ولا نريد منك حديثاً( نو) (فم) يقول ( بغم )
ديسمبر
والعالم يلفظ انفاس .. وانا اكاد الفظ انفاسي .. سألني سائل عن عذاب بي واقع ماسببه واسبابه ؟؟ قلت يا ابني : كان لي ابن – وكانت لي زوجة .. وكان لي سكن .. وكان لي وطن فلا الابن قد وجدت … ولا الزوجة … ولا الوطن – فجميعهم قد بعد وشطن .
لماذا تقول ذلك ؟؟ قال فقد يجمع الله الشتيتين بعد ان يظنا الا تلاقيا اما الوطن فانت الان في وسطه وعمقه وعاصمته .
كان المقهي يضج بالحركة والناس جلست حيث كنت اجلس بالامس بانتظار ذلك الذي اوعدني . بأنه لديه معلومات سوف تفضي بي للعثور علي زوجتي وابنها .. ورحت في الانتظار ، سحابة ذلك النهار
الناس يستمعون الي الاناشيد المنثالة عبر الجهاز .. وصوت المذيع الجهير يقول في حماس .. 0فلتنعم البلاد بيوم الميلاد .. لقد مرت الامور بيسر وفي سلاسة … لم تكن هناك داية بلدية ، ولم نحتاج الي ولادة قيصرية كانت دايةقانوية شنطتها بيضاء . كان الزمن مواتيا والريح رخاء .
لكن كانت ثمة شيخ عركته الحياة قال بصوته الواهن :
تاتي الرياح بما لا تشتهي السفن .. فقد دفعنا الثمن . ولو قدر لنا ان نركب آلة الزمن ، ونستقبل من ايامنا ما استدبرنا ، لكان لنا رأي ورؤيا . والان بعد رحلتي الطويلة ونظراتي الكليلة ، وجسمي الذي دب في الوهن . حيث جبت الشهور والدهور ، رجعت خاوي الوفاض كأم موسي التي قالت لاخته قصيه . وها أنا في حاضرة الوقت والزمن أحدق في المساءات القصية ، وامعن النظر في لوح المحو والاثبات ، واغلفة المصاحف وشرافاتها ، وتواريخ الميلاد والدواة والعمار والسناج . واستمع الي اصداء النبؤات القديمة عن التتار والمغول ، وجرثومة المرض العضال الذى لا يبرأ ولا يزول !
ومللت البحث والانتظار .. فاين انت يا جودو ؟؟
هل سانفق ماتبقي من عمري في الانتظار ؟؟
اذن انا الذي سارحل !.

رأيان حول “قصة قصيرة جديدة : انباء الشهور ووقائع الدهور

التعليقات مغلقة.