قراءة في نتائج الانتخابات الرّئاسية والبرلمانية في عدد من الدُّول الديمقراطية

يُعد منصب الرّئاسة قمة الهرم التنفيذي في كثير من ديمقراطيات العالم، وبناءً عليه فإن انتخابات اختيار الرّئيس هي من أكثر الأحداث إثارةً للحوار السياسي وتبادل الآراء والأفكار المبني على أساس البرامج المطروحة من قبل المرشحين.
يعتقد كثيرٌ من المحللين – خصوصاً في الدول التي حُرمت من الديمقراطية لعقود – بأن اختيار قمة الهرم التنظيمي في الدولة لابد وأن يُحظى بأغلبية ساحقة من قبل الشعب، ولكن، وبعيداً عن الجدل في صحّة تلك الفرضية من ناحية علمية، فإن النُّظم الانتخابية في كبريات الديمقراطيات في العالم وكثيراً من نتائجها تدحض ذلك التصور بشكل عمليّ.

ألوان: وكالات + قيس شحاته

ففي الولايات المتحدة الأمريكية، ولأربع دورات انتخابية متلاحقة، 2000-2012، لم تتجاوز نسبة المصوّتين للمرشح الفائز 53%، بل إن الرّئيس الأمريكي السابق بوش الابن قد خسر أمام المرشح آل جور في انتخابات 2000 بواقع 47,9% مقابل 48,4%، إلا أن النظام الأمريكي الذي يعطي الأفضلية لنسبة تصويت «المجمع الانتخابي» على تصويت عامة الشعب، قد منح بوش الابن الفوز في تلك الانتخابات، وبالرغم من ذلك، فإن المجمع الانتخابي لم يصوت بأغلبية ساحقة لجورج بوش، بل فاز بفارق خمسة أصوات فقط عن آل جور وبواقع 50,37% إلى 49,44%.
وبعيداً عن الولايات المتحدة وخصوصيتها، فإن نسب الفوز في دول كالبرازيل التي ينتخب رئيسها كل أربع سنوات، وفرنسا وكوريا الجنوبية، والتي ينتخب رئيسها كل خمس سنوات، وفنلندا التي ينتخب رئيسها كل ست سنوات، لم تتعد الـ63% إلا في حالة واحدة فقط على مدار ثلاث دورات انتخابية لتلك الدول الأربعة، أي إن احتمالية حدوث فوز كبير لمرشحٍ ما في انتخاباتٍ رئاسية ديمقراطية هي 12:1، بل إن أغلب النتائج بالكاد تصل إلى نسبة الـ53%.
والجدول التالي يبين تفرد تلك الحالات، فقد فاز جاك شيراك في الانتخابات الفرنسية عام 2002 بأغلبية ساحقة تجاوزت 82% بعد حكم دام سبع سنوات نال خلالها ثقة الناخب الفرنسي، والجدير بالذكر أن شيراك لم يحصل على أكثر من 52,64% في الانتخابات التي قادته إلى كرسي الرّئاسة أول مرة عام 1995.
نتائج الانتخابات الرّئاسية في بعض دول العالم

منافسة مُحتدِمة
ومن الملاحظ كذلك بأن أغلب المرشحين الذين فازوا في انتخابات الدول الديمقراطية التي تقر أنظمتها الانتخابية نظام الجولتين، لم تؤهلهم نتائج الجولة الأولى للفوز واضطروا إلى خوض جولةٍ ثانية. ففي كل من فرنسا وفنلندا لم يفز من الجولة الأولى في آخر ثلاث دورات انتخابية سوى جاك شيراك عام 2002.
وفي استقراءٍ للجدول السابق، فإن معدل نسب الفوز حسب هذه العينة لا يتجاوز 57,25%، بل إن ذلك المعدل بالكاد يصل إلى 54% إذا قمنا باستبعاد تلك الحالة الشاذة التي تعدت فيها نسبة فوز شيراك في فرنسا نسبة الثلثين عام 2002، بل إن دولةً ديمقراطيةً متقدمةً ككوريا الجنوبية، قد يفوز برئاستها مرشحٌ لم يحصل على نصف أصوات الناخبين، ولا يحتاج إلى جولة إعادةٍ إن كان قد حصل على أكثر من غيره من المرشحين، ولا يبدو أن ذلك قد أثر على مستوى كوريا السياسي والاقتصادي وأمن مكونات مجتمعها وتجانسها.
وبعيداً عن تلك الدول التي يعد فيها رئيس الدولة قمة الهرم التنفيذي، فإن بعض الديمقراطيات يكون فيها الرّئيس أو الملك صورياً يمثل وحدة الشعب، وتقتصر مهامه على تكليف تشكيل الحكومة بعد الانتخابات العامة إضافةً إلى الاستقبالات الرسمية وترؤس الاحتفالات الوطنية وحل البرلمان بطلبٍ من رئيس الوزراء، ومن تلك الدول بريطانيا وكندا وإسرائيل وأستراليا واليابان وألمانيا، ومنها أيضاً ديمقراطيات صاعدة كتركيا والهند.
وفي تلك الأنظمة، لا يختار الشعب مباشرةً ذلك الشخص الذي سيتولى حكمه لدورةٍ انتخابيةٍ كاملة، بل يختار الحزب الذي يجد قرباً نحو أفكاره أو توجهاته أو برامجه، ويتولى الحزب تزكية شخصٍ ليقوم الرّئيس أو الملك بتكليفه بتشكيل حكومةٍ لإدارة البلاد، الأمر الذي قد لا يعني بالضرورة وجود قبولٍ لهذا الشخص بين أفراد شعبه، بل وحتى بين من صوتوا للحزب الذي اختاره لهذا المنصب، ويبقى المعيار في النهاية مدى نجاح الشخص أو فشله في إقناع الناخب بالتصويت لذلك الحزب مجدداً في الانتخابات المقبلة وفي إقناع حزبه بأنه المؤهل لتطبيق برامج وتوجهات الحزب.
ففي دولٍ كبريطانيا وتركيا استطاع حزبٌ واحدٌ الفوز لثلاث دورات متتالية بقيادة شخصيةٍ واحدة، حيث تولى توني بلير رئاسة الوزراء في بريطانيا بين الأعوام 1997-2010 وذلك بحصول حزبه «العمال» في انتخابات 1997 على 43,2% من مقاعد البرلمان، وتراجعت تلك النسبة تدريجياً في الدورتين اللاحقتين حتى وصلت إلى 35,2% في انتخابات 2005.
أما في تركيا فقد حافظ حزب «العدالة والتنمية» بقيادة أردوغان على نَفَسه المتصاعد وقبوله المتزايد بين الناخبين الأتراك منذ أن حصل على أغلبية 34,28% في انتخابات 2002، وصولاً إلى 49,83% في انتخابات 2011، والذي عدّ إنجازاً كبيراً باقتراب تلك النسبة من نصف العدد الكلي للمصوتين.
وفي الحالات التي يكون فيها الفارق بين الأحزاب ضئيلاً، يكون رئيس الوزراء هو رئيس الحزب الأقدر على تكوين أكبر تحالف بين الأحزاب في البرلمان، ففي انتخابات عام 2009 في إسرائيل، استطاع حزب كاديما بقيادة تسيبي ليفني الحصول على أكبر نسبة أصوات بين الأحزاب المتنافسة، إلا أن فارق المقاعد بين حزب كاديما وحزب الليكود، إضافة إلى قيادة بنيامين نتنياهو لحزب الليكود بميوله اليمينية، كان الأقدر على تشكيل ذلك التكتل البرلماني الذي منحه رئاسة الوزراء.
والجدول التالي يوضح نتائج الانتخابات البرلمانية في بعض الدول الديمقراطية التي تعتمد النظام البرلماني في الحكم.

يلاحظ من الجدول السابق ما يلي:
1.انحسار المنافسة الحزبية بين حزبين في أغلب الدول الديمقراطية
2.عدم حصول أي من الأحزاب المتنافسة على أغلبية ساحقة
3.تحقيق بعض الأحزاب للفوز المتتالي في دورتين أو أكثر.

الديمقراطية ليست أرقاماً
في ضوء تلك البيانات، يتضح جلياً أن الديمقراطية إنما هي ممارسة أكثر من كونها أرقاماً ونسباً، بل إن نسب المشاركة من قبل الناخبين في كثير من الدول الديمقراطية قد لا تتعدى 50% دون أن تُتّهم نتائجها بأنها لا تمثّل الشعب أو أنها تمثل جزءاً من الشعب فقط، ففي سويسرا على سبيل المثال لم تتعدَّ نسبة التصويت من قبل المسجّلين في انتخابات عام 2003 الـ45,22%، بل إن تلك النسبة بالكاد حققت 37,27% من مجموع من يحق لهم التصويت، وتكرر المشهد ذاته عدة مرات في الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصاً في الانتخابات البرلمانية في الأعوام 2002 و2006 و2010، فبالكاد حققت أعلى النسب في تلك الأعوام 47,5%، وكان ذلك عام 2006، كما وسجلت حالات مشابهة في دولٍ ديمقراطية عديدة كالبرتغال وإيرلاندا وكوريا الجنوبية وغيرها.
وبناءً على كل ما تقدم، فإن الديمقراطية بشكلها العملي تعني إعطاء الحق لمن تجتمع عليه كلمة نسبة من الشعب وإن لم تكن الأغلبية المطلقة، وتعني إفساح المجال للبرامج والأهداف والخطط ليتم تحقيقها، كما وتعني الثقة المتبادلة طالما صِينت الحقوق المدنية والديمقراطية ووثقت نسبة من الشعب، مهما كانت، بشخصٍ أو حزبٍ أو تيارٍ معين.
وتعاني الدول التي تخلصت من الدكتاتورية حديثاً من آثار تلك الحقبة على المفاهيم السياسية وتعريف النّخب السياسية للديمقراطية وتقييمها لعملية التحول الديمقراطي وإفرازاتها، إضافةً إلى استغلال الاتجاهات المتنافسة لحالة الخوف من العودة إلى الوراء والتي تعتري تلك المجتمعات، ولعل ضعف الخبرة والتجربة في الممارسة الديمقراطية والنشاط الحزبي نتيجة إفساد الحياة السياسية لعقود، في الدول العربية والإفريقية على سبيل المثال، جعل الأحزاب تعتمد أسلوب التشكيك في برامج الآخر وأهدافه ومنطلقاته، وتقلل من شأن إنجازاته وتتنكر لاستحقاقه في تمثيل الدولة عِوضاً عن مجاراته ومنافسته على مستوى القاعدة الانتخابية في المجتمع.
وبالرغم من الحالة المضطربة لدول ما بعد الربيع العربي من الناحية السياسية، إلا أن الممارسة الديمقراطية كفيلةٌ بتطوير المجتمعات على مفاهيم التعددية والتنافسية والاحترام والثقة حتى تصل بها إلى مستوى من الاستقرار السياسي والاجتماعي ولتصبح في مصاف الدول الديمقراطية الكبرى، ويبقى الرهان على مدى قدرة الأنظمة الحديثة على الصمود والمناورة في مرحلة التحول الديمقراطي الحرجة، وانتهاج المعارضة أساليب ديمقراطية في معارضتها للنظام الحاكم بهدف خلق توازن سياسي يضمن بناء الدولة واستقرارها، ليتحمل الجميع مسؤولياته بعيداً عن السعي لإفشال الآخر.
(بتصرّف)