علاقات الترابــــي بالأنظـمة العسكريـــة(1-2)

تحقيق : عبد الله مكى
أكثر من(4آلاف يوم)قضاها الترابي في سجون الأنظمة العسكرية المختلفة، أو كما يُسميها الترابي(جامعة يوسف عليه السلام)منها (2250)يوماً في عهد مايو، و(1855)يوماً في عهد الإنقاذ منها225يوماً اختيارية(اذهب أنت للقصر رئيسا، وسأذهب أنا للسجن حبيسا). ولكنه في المقابل دخل مجال السياسة من مشاركته في إسقاط نظام عبود، وبنى حركته الإسلامية الحديثة من خلال(إستراتيجية التمكين)بعد مصالحة نظام نميري، ومكّن لحركته في الدولة من خلال نظام الإنقاذ. وحكمت السودان ثلاث أنظمة عسكرية هي(نوفبر1958، ومايو1969، ويونيو1989)أو حسب قادتها(إبراهيم عبود وجعفر نميري وعمر البشير)ومدة حكمها بلغت حتى الآن 48عاماً من سنين الإستقلال ال59.

نظام عبود
إنّ أول ظهور للترابي في الحياة السياسية السودانية كان من خلال الندوة التي أدت لقيام ثورة أكتوبر1964والتي أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود. يقول الأستاذ المحبوب عبد السلام في ورقة له بعنوان(المدرسة الترابية):»وإذ أُختير الترابي ليكون متحدثاً ضمن آخرين في الندوة بعنوان(المعالجات الدستورية لمسألة الجنوب)من منبر قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم، تعمد الترابي في مداخلته النفاذ مباشرة إلى لُب المشكلة مطلقاً في خواتيم كلامه مقولته الشهيرة:»إنّ حل مشكلة الجنوب يكمن في حل مشكلة الشمال ويكمن الاثنان معاً في زوال الحكم العسكري الحالي وقيام حكم دستوري مؤسس على الخيار الديمقراطي للشعب»وسار بها ركبان السياسة وأدت لقيام الثورة.
ويُواصل المحبوب القول:»والحق إنّ ثورة أكتوبر1964م كما حملت تحولاً واسعاً في المجرى العام للسياسة السودانية، حملت الدكتور حسن الترابي العائد لتوه من باريس بعد نيله درجة دكتوراه الدولة في القانون الدستوري، إلى دور جديد في الحياة العامة السودانية لاسيما السياسية، بدأ معه الترابي يضع الأجندة الرئيسية للعمل السياسي السوداني منذ ذلك التاريخ وعبر غالب الحقب التالية وإلى اليوم».
دور الترابي
أما الترابي فيقول عن دوره في ثورة أكتوبر1964م:»كنت حديث عهد بالسودان بعد سنوات البعثة الدراسية في باريس، وكنت لا أزال منفعلاً بأجواء الديمقراطية الفرنسية التي عايشتها تلك الفترة، وسنحت لي فرصة الحديث عن مشكلة الجنوب في ندوة عامة بجامعة الخرطوم، فدعوت إلى ضرورة التجاوز الحاسم لنمط الحكم العسكري القائم إلى وضع دستوري ديمقراطي كمقدمة لأزمة لحل أزمة الجنوب وكل أزمات السودان».
ويقول المحبوب:»أهدت تلك الندوة صيتاً طيباً لاسم الدكتور حسن الترابي، عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم، إذ لم يشتهر بعد انتماؤه السياسي أو فكره الإسلامي، ولكن مشاركته الفاعلة في الأحداث المتسارعة التي أعقبت الندوة والتي مثلت في حصيلتها الخاتمة ثورة شعبية منتصرة أسقطت حكماً عسكرياً بعد بضعة أيام من التظاهرات والعصيان المدني، أهدت تلك الندوة رمزية كبيرة للترابي بوصفه أحد أبطالها، ونصبته بعد أول انتخابات حرة على رأس قائمة الفائزين للبرلمان التأسيسي الذي جاء بعد عام الثورة – ضمن دوائر الخريجين.
ترك الجامعة
ويختم المحبوب القول:»وكما أخرجت الثورة العسكريين من الحكم أخرجت الترابي من مساقة الأكاديمي في عمادة كلية القانون بجامعة الخرطوم إلى رحاب العمل العام، فاتحاً مساراً جديداً في العمل السياسي بالسودان أضحت فيه الحركة الإسلامية التي كانت غاية طموحاتها قبل أعوام أن تكون جماعة ضغط صغيرة إلى فاعل أثره على الواقع أكبر بكثير من حجم عضويته الحقيقي».
قنبلة ثقافية
أما الأستاذ الأمريكي «كليف تومسون»فيقول في كتابه(يوميات ثورة أكتوبر):»فجر حسن الترابي عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم خلال ندوة أقامتها جمعية الدراسات الاجتماعية قنبلة ثقافية، إذ أنه خاطب اجتماعا حاشداً بقوله:إنّ المشكلة الأساسية هي وجود النظام العسكري، ستظل مشكلة الجنوب موجودة بيننا إلى حين ذهاب الحكم العسكري القائم»
وأوضح الأستاذ كليف تومسون:»أنّ هذا المنحى في التفكير أشعل حماس الكثير من الناس، وقبلوا تحليل الترابي الذي يرمي باللوم على الجيش في مشكلة الجنوب».
«الأيام»تنشر الخبر
«خاطر بشير محمد سعيد رئيس تحرير صحيفة الأيام بنشر كامل حديث حسن الترابي في صباح اليوم التالي في الصفحات الأولى، توقع الناس اعتقال الترابي وبشير محمد سعيد، ولكن قام جنرالات الجيش بمنع كل المناقشات والندوات العامة».
نظام مايو
عندما عزفت الموسيقى العسكرية في 25\5\1969، معلنة الانقلاب العسكري في السودان، بقيادة العقيد جعفر نميري، كان نصيب الترابي وعدد من قيادات جبهة الميثاق الإسلامي الاعتقال ودخول السجن وذلك قبل عدد من وزراء الحكومة المنتخبة التي انقلبت عليها مايو الحمراء ذات الصبغة الشيوعية – حسب توصيف وتصنيف الإسلاميين لها – وتفسيرهم لهذا الانقلاب هو قطع الطريق أمام إجازة دستور 1968الإسلامي في مرحلة القراءة الثالثة والأخيرة، وكذلك انتقاما من الحزب الشيوعي السوداني نتيجة لحله وطرد نوابه من البرلمان في حادثة الندوة المشهورة، حيث قامت جبهة الميثاق الإسلامي الجماعة الصغيرة والتي لها نواب يُعدون على أصابع اليد، قامت بتعبئة الأحزاب الكبرى(الأمة والاتحادي)، وكذلك الشارع العام لحل الحزب الشيوعي، وأصدر الترابي سفره المشهور(أضواء على المشكلة الدستورية:حول مشروعية حل الحزب الشيوعي).
استهداف الترابي
يقول الترابي:»عندما ولجت إلى غياهب زنازين سجن كوبر وجدت نفسي وحدي إلاَّ من بضع رفاق من إخوة التنظيم الإسلامي وشريحته القيادية، لكني لم أجد رئيس الوزراء ولا وزير الدفاع ولا وزير الداخلية، في الحكومة المقلوبة, رغم أنّي أمثل حزباً صغيراً لا يتجاوز عدد نوابه في البرلمان أصابع اليد الواحدة».
تلك الواقعة رسّخت في روع الترابي أن نبتته الإسلامية الموعودة هي المستهدفة بالانقلاب أكثر من الحكومة وأحزابها التقليدية المستغرقة في صراعاتها.
مقاومة النظام المايوي
توصل الإسلاميون إلى أنّ نظام مايو العسكري هو انقلاب شيوعي وسيسعى لتصفية وجود الإسلاميين، لذا شرعوا إلى مقاومته من أول يوم.
أخذت المقاومة أشكالاً مختلفة، أهمها العمل الشعبي عبر الثورات الطلابية، وذلك بالبيانات والندوات وتعبئة الطلاب، حيث كان يُسيطر طلاب الاتجاه الإسلامي على إتحاد طلاب جامعة الخرطوم، الأمر الذي جعل النظام المايوي يعتبر هذه الجامعة على حد قوله:(جزيرة رجعية في محيط ثوري هادئ)ودخلت دبابات النظام إلى داخل الجامعة كأول حدث تشهده الجامعات السودانية.
كذلك شاركت الحركة في مقاومة نظام مايو بالمشاركة مع الإمام الهادي في أحداث الجزيرة أبا في العام 1970، واستشهد منهم ممثل الحركة في حكومة ثورة أكتوبر الأستاذ الجامعي الدكتور محمد صالح عمر.
واكتملت حلقة المقاومة الطلابية بثورة شعبان 1973، بقيادة أحمد عثمان مكي(ود المكي)رئيس إتحاد طلاب جامعة الخرطوم.
وأكبر مجهود لمقاومة نظام مايو قامت به الحركة الإسلامية هو مشاركتها في الجبهة الوطنية بجانب حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي، وقاموا بغزو الخرطوم في 2\7\1976.
تأسيس الخلايا العسكرية
أحد قيادات الحركة الإسلامية – فضّل عدم ذكر اسمه – قال:الفترة الأولى لنظام مايو بعد دخول الترابي السجن واستهدافهم من النظام، بدأ التفكير في تأسيس المكاتب العسكرية والخاصة للحركة الإسلامية، والغرض منها كان تأمين الحركة من الاستئصال، على غرارة ما حدث للإخوان المسلمين بمصر من قبل نظام عبد الناصر.
يقول المحبوب عبد السلام:»وجود الترابي في أول الداخلين إلى سجون ذلك النظام قد أعادت عنده بدورها ترتيب الأفكار والأولويات على نحوٍ جديد، سيتجلى أثره البعيد في المستقبل القريب. فقد أستقر رأي الترابي على أنّ الجيش السوداني قد إزدهد السياسة إلى الأبد بعد ثورة أكتوبر 1964م، إلاَّ أن قادة من رفاقه في الأخوان المسلمين أّلّحوا على الضرورة القصوى لتأسيس خلايا للحركة الإسلامية في الجيش والتهيؤ للتغيير عبر الوسائل كافة, مستشهدين بشواهد من الانقلابات العسكرية التي لم تكن تهدأ في العالم العربي ولا في أفريقيا، وإذ تصدى لهم الترابي بشدة يرفض الفكرة، فإنّ انقلاب مايو 1969قد وضعه نظرياً في صفهم ريثما تكتمل الرؤية ويبدأ التأسيس الذي أكمل للحركة مشروعها الإستراتيجي في التمكين أعجل مما خططوا وقدروا, بعد عقدين بالتمام من ذلك اليوم».
إستراتيجية الحركة الإسلامية
منذ العام 1976م بدأ الحديث عن أهمية وجود إستراتيجية للحركة الإسلامية، وبدأ الحديث بين ناس الداخل(وهم الذين داخل السجون)، وعلى رأسهم الترابي ويس عمر الإمام وإخوانهم الآخرين، وجاءت في المركز وتمت مناقشتها، ورُفعت لإدارة الحركة بالخارج، وكان على رأسهم عثمان خالد وأحمد عبد الرحمن، وبعد فشل عملية الهجوم على النظام في 1976م، وبعد الخروج من السجون، نُوقشت الإستراتيجية وأُجيزت، وأقرتها كل أجهزة الحركة. كما يقول القيادي عثمان عبد الوهاب، ويُواصل الحديث أن حركتهم اكتسبت إرث وخبرة بالمجتمع الداخلي والخارجي، حيث استفادت من علاقات الجبهة الوطنية، خاصة مع السعودية وأثيوبيا. وكذلك علاقاتها مع قيادات الأحزاب، وعلى رأسهم الهندي والصادق المهدي، وعلاقات جبهة الميثاق خاصة الصوفية وأنصار السنة. وحسب عبد الوهاب فإنّ أهم ملامح هذه الإستراتيجية هي:انتشار الحركة الإسلامية في كل السودان، وذلك ب(لامركزية التنظيم)، بحيث تصبح كل ولاية أو إقليم في حينها حركة كاملة متكاملة، وذلك بمؤتمرها العام، ومجلس الشورى، ومكتبها التنفيذي، وأمين وأمناء، وشُعب، وبقية التنظيم مثل تنظيم المركز.والتمكين في المواقع المفصلية في الدولة، مثل القوات المسلحة، والاقتصاد(بنوك وشركات)وكذلك المنظمات الطوعية.
والعمل الاجتماعي وسط القبائل والطرق الصوفية والتيارات والجماعات الإسلامية. ومضاعفة الأعداد عشرة أضعاف في الطلاب والشُعب الأخرى.
المصالحة الوطنية
لقاء بورتسودان الشهير في 7\7\1977م، والذي جمع بين الصادق المهدي رئيس الجبهة الوطنية، والرئيس نميري، بواسطة رجل الأعمال فتح الرحمن البشير، أفضى إلى ما يُسمى بالمصالحة الوطنية. فانضم إليها أعضاء الجبهة الوطنية، وكذلك قبلت بها الحركة الإسلامية بعد أن أصبحت أمراً واقعاً، كما يقول القيادي عثمان عبد الوهاب، بالإضافة إلى أنّ الحركة كانت منهكة وأرادت أيضاً أن تستجمع أنفاسها.
فقد واجه تنظيم الحركة الإسلامية وضعاً صعباً جداً منذ انقلاب مايو 1969م – على حسب عبد الوهاب – فعانت من السجون والمعتقلات والإعدامات والفصل من الخدمة العامة، ومن ثم الهجرة خارج البلاد، وكذلك واجهتنا مشكلة تمويل التنظيم من الاشتراكات، نسبة لتشريد معظم الناشطين، وفوق كل ذلك دخلنا في مواجهة مع النظام. فكانت الحركة عموماً في حالة توتر. فأردنا أخيراً بالدخول في المصالحة تنفيذ إستراتيجية التمكين التي وُضعت في العام1976م.
حرج شديد
دخول الإسلاميين في مشاركة نظام نميري جرّ عليهم حرجاً وعنتاً شديداً، وشكك في صدقيتهم والتزامهم، يقول الترابي في كتابه(الحركة الإسلامية في السودان:التطور والمنهج والكسب):»وكان من أشد الحرج على الحركة الإسلامية أن تضطر إلى مشاركة نظام موسوم بالطغيان والفساد، فالتلبس بمثل تلك العلاقات تُؤذي سمعة الدعوة والجماعة ويُتيح لأعدائها فرصة وحجة للنيل منها».
كسب قليل
وعن لماذا كان كسب القوى الأخرى والتي دخلت المصالحة قبلهم ومعهم، لم يكن كبيراً مثلهم، يقول الترابي:»هم تجمّدوا وتبلّدوا لأنهم لا يُحسنون العمل في ظروف السرية والحرية المحدودة، أو لأنهم طلبوا المصالحة لقسمة في السلطة ثم لم يرضوا بما جاد به النظام البخيل بحكر سلطته ولم يصبروا ويعدلوا للآجلة».
إستراتيجية فعّالة
هذا الكلام أكّده الدكتور منصور خالد عندما قارن بين الصادق المهدي والترابي في مدى استفادتهم من مصالحة النميري، يقول في كتابه(السودان أهوال الحرب وطموحات السلام:قصة بلدين):»وعلى خلاف الصادق، وجّه حسن الترابي كل جهده لتحقيق غايته:تحويل السودان إلى دولة إسلامية، وكان مستعداً لقبول أي شيء يمكنه من نيل ما يبتغيه. إستراتيجية الترابي كانت أكثر فعالية وبراعة. وسعى الترابي خلال موقعه وزيراً للعدل في حكومة نميري لترجمة توجه نميري الإسلامي الجديد إلى قوانين».
التضحية بالسمعة
ويمشي على ذات الخط الدكتور عبد الوهاب الأفندي في كتابه(الثورة والإصلاح السياسي في السودان)حيث يقول:»وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أنّ الترابي لم يكن يبالي أن يضحي بالسمعة الحسنة مقابل تحقيق أهداف بعيدة المدى، كما حدث عندما تمسك بالمصالحة مع النميري في ظروف صعبة».
وهذا ما سماه محمد مختار الشنقيطي(وضوح المنطلق الاستراتيجي)وقد شرح عبد الوهاب الأفندي ذلك بقوله:»لقد نظر قادة الإخوان إلى صفقة المصالحة الوطنية باعتبارها خطوة في اتجاه تحقيق هدفهم الاستراتيجي، المتمثل في احتلال موقع أساسي في الحياة السياسية السودانية، إن لم يكن أهم مواقعها».
وفي هذا الإطار تم تحديد هدفين مرحليين:أولهما أنّ الحركة يجب أن تنمو بتسارع، والثاني أنّ أطر الحركة يجب أن يحصلوا على نصيب كاف من مناصب الدولة والمجتمع، ومن الخبرة في إدارة المؤسسات.
سباق مع الزمن
الكاتب التونسي رياض الشعيبي في عرضه وتقديمه لكتاب(الحركة الإسلاميّة في السّودان:مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي)يقول:»إنّ جوهر إستراتيجية الإخوان خلال أعوام النميري يمكن وصفه بأنه سباق مع الزمن لتحويل الحركة إلى قوة سياسية رئيسية قبل انهيار نظام النميري»وهذا ما يُؤكده الترابي»وإنما دخلت الحركة تلك المشاركة مهتدية بإستراتيجية خاصة لا تعول على الوعد الإسلامي للنظام، بل ولا على الأمل في إصلاحه، بقدر ما تبتغي اغتنام فرجة حرية بفضل الموادعة، وتتوخى فرصة سانحة بفضل المشاركة، لبناء صفها، وتطوير حركتها الإسلامية التي هي معقد الآمال في الإصلاح الإسلامي الشافي».