خواطر في مفهوم الزمن 1-2

بقلم : بروفيسور محمد علي بشير
يتبادر السؤال عن مفهوم الزمن وحقيقته نتيجة لبعض الظواهر الزمنية المتباينة التي تبدو غامضة أو متناقضة أحيانا ، ومن هذه الظواهر ما يعيشه الفرد في حياته ومنها ما وقع لأفراد معينين في ممارستهم لظواهر زمنية فريدة فمن الظواهر الزمنية التي نعيشها وتجعل احساسنا بالزمن احساسا متفاوتاً في نوعه وكنهه ما يلي:
1. الاحساس بقصر الزمن في المنام .
2. الاحساس بقصر الزمن في حالات المزاج الطيب والاحساس بطول الزمن في حالات المزاج السيء
ففي الحالة (1) نجد أن الشعور بالزمن ليس موضوعاً ذاتياً بل يشترك في هذا الشعور كل الناس أما في الحالة (2) فنجد أن للنفس دوراً رئيساً في التسبب بذلك الشعور المذكور ويمكن أن نقول أن الأمر حالة ذاتية لايعول عليها موضوعياً.
إلا أنه مازال قائما في الحالة (1) بالشعور بقصر الزمن في المنام أي في حالة عدم الحركة مع غياب الوعي بما يدور حولنا.
وعدد من الظواهر الزمنية التي مرت على الأفراد بصفة فردية مثل:
1. حادثة الإسراء والمعراج التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم في وقت وجيز تعرض فيه لمعطيات غيبية فالوقت وما تضمنه من أحداث ليس كما هو على المستوى العادي أو المالوف الزمني التقليدي.
2. حادثة أهل الكهف التي حدثت في وقت وجيز بالنسبة إليهم ، وهذا الوقت كان يعادل في الواقع ثلاثمائة وتسعة بحساب الزمن التقليدي المألوف ،هذه الحادثة شبيهة في دلالتها الزمنية بحادثة الإسراء والمعراج .
3. حادثة صاحب الحمار الواردة في القرآن (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ)(1) هذه أيضا كما هو اوضح لها نفس الدلالة الزمنية كالحالتين السابقتين.
4. نظرية النسبية وهي تشكل قالباً علمياً يصور حقيقة نسبية الزمان وأن الزمن يتناقص عند السرعات العظمى التي تقترب من سرعة الضوء وذلك بقانون معين يبين أن الزمن ( مثله مثل المسافة) يعتمد على السرعة ويتضح الفرق أو نسبية الزمن عند السرعات الهائلة .
وفي كل هذه الحالات نحتاج لتفسير ميتافيزيائي لحقيقة الزمن ،هذا التفسير ينبغي أن يتجاوز هذه الحالات ليأتي بتفسير جامع لحقيقة الزمن من خلاله يمكن فهم هذه الحالات المختلفة وما يشابهها بما في ذلك فهم مضمون نظرية النسبية من الناحية الفلسفية ولذلك الغرض منها أي لتقديم تفسير ميتافيزيائي لحقيقة الزمن لابد من الخروج عن الزمن والنظر اليه من نقطة خارجية ساكنة ليس فيها ركزاً ولا حركة.
أولاً نبدأ فنقول أن الزمن بظهور الكون أو الخلق وفي اللحظة التي خلق فيها الكون ظهر الزمن كله عند تلك اللحظة فتلك اللحظة هي اللحظة الجامعة للزمن كله فعند تلك اللحظة انطبق الماضي والمستقبل والحاضر بالنسبة لله العليم فصار الكون في تلك اللحظة هو ما كان وما سيكون دون استثناء وانفصال وانحصرت السببية في مبدأ واحد أسمى دون تعدد أو تفرق ذلك المبدأ هو الحق ( ذلك بان الله هو الحق)(2)
فإن الدهر هو الله فالمبدأ الأسمى المجرد من الزمان والمكان وجوده دهري فالدهر نوع من الزمان له خصائص نوعية مختلفة من الزمان فاذا كان الزمان كله هو اللحظة الأولى فإن الدهر هو سبب هذه اللحظة أي سبب الزمان أو الخلق فالدهور هو الحق ولذلك منعنا أن نسب الدهر لقدسيته ( ولا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله) وما وراء الدهر نجد السرمد الذي يشكل زماناً نوعياً مختلفا عن الدهر والزمان فاذا كان الدهر هو زمان الوجود.
فإن السرمد هو زمان ما وراء الوجود أي هو الخلود ويأتي هذا التقسيم لمفهوم الزمان نتيجة لوجود درجات مختلفة متفاوتة لحقيقة الوجود ، فاذا كان هناك ما وراء وجود كدرجة اسمى فزمانها هو الخلود ، ثم يأتي في السرمد الثابت الوجود وزمانه الدهر ، وأخيراً الوجود المتمثل بالأشياء أو الخلق وزمانه الزمان المعرف بالحركة والتغيير ، إذاً نجد أن الزمان له درجات متباينة مختلفة هي لاسرمد أو خلود.
هذه الدرجات لها خصائص مختلفة فمثلاً نجد أن كل من السرمد والدهر لايقاس بالحركة والتغيير بينما يقاس الزمن بالحركة والتغيير.
ونلاحظ أن المعضلات الفلسفية تتعلق بفمهوم الزمان بالمعني الذي قدمنا له في الفقرة السابقة كما تتعلق أيضا بالخطأ في الخلط بين مفهومي الزمان والدهر أو مفهومي الزمان السرمد.
يتبع