حتى لاتتخذ الخطوط البحرية .. من بيت العنكبوت سكنا

عبدالروؤف بابكر المهدي

أتحاشى الدخول في قضايا الخطوط البحرية من زاوية إعلامية وأحرص دائما إذا اضطررت لذلك أن تكون افاداتى فيما يصلح .. فالبحرية كالفتاة العذراء تبقى سمعتها سببا لنجاحها .. غير أن هذا الزمن لم يترك لها متسعا من الوقت لتحافظ على زيها الأخضر النضير .. وفى سكة معالجات مشكلاتها العصية صدر مؤخرا قراربإعفاء مديرها الذي لم يتجاوز مدى إدارته العامين ونصف العام .. وهى أقل مدة خدمة في تأريخ المدراء بالبحرية مما يعنى أن الوضع قد وصل مرحلة الانفجار وتم تعيين الفريق محمود فضل الله قمش مديرا للبحرية ولعل تعيين الفريق يأتي في إطار إصلاح ما أفسده الدهر. الأوضاع التي وصلت إليها الخطوط البحرية ليست وليدة الصدفة .. فلقد كانت المؤشرات وقرائن الأحوال تؤكد على أنها موعودة بانتكاسات متكررة .. والبحرية التي جربت كل المدارس الإدارية .. لم يتحقق لها الاستقرار والنجاح بمثل ما تحقق في عهد المرحومين إسماعيل محمد بخيت وصلاح الدين عمر ( 1966 – 1981 ) ففي هذا العهد الأخضر امتلكت الخطوط البحرية ستة عشر قطعة بحرية متنوعة الأغراض .. بيد أن البحرية من العام 1982 وحتى 2015 استجلبت فقط أربع بواخر اثنين منهما قطع صغيرة للمواشىء .. وتزويد البواخر بالوقود وثلاث من هذه البواخر انتهت خدماتها قبل حلول العام 2006 لتصبح الشركة فئ العام 2014 بلا بواخر تجارية ويستثنى الآن باخرة الركاب دهب التي امتلكتها الشركة في 2015.. كل المدراء المتعاقبين من منتصف التسعينات جلسوا على مقاعد من نار .. كانوا محاصرين باللهب .. مهددين بالغرق … وكانت فترة الأستاذ النوراني بن البحرية ( ثمان أعوام ) هي الأفضل .. فقد نجح في احتواء كل مديونيات البحرية التي أحدثت هزة عنيفة ورأيا عاما مدويا خلال تلك الفترة ووفق وبجهد متميز في وضع العربة خلف القاطرة .. ولكن .
للعديد من الأسباب والعوامل أرى أن الخطوط البحرية برغم الاجتهادات والجهود التي بذلت إلا أنها خلال العقدين الأخيرين كأنما اتخذت من بيت العنكبوت سكنا لها ولعل أهم الأسباب تعود لما يأتي :
• تلاشى الأسطول التجاري وعدم قدرتها على تنفيذ خطط ومشروعات إحلال أسطولها.
• عدم تدخل الدولة لدعم الشركة بصورة كاملة أوجزئية. أو اجتذاب رؤؤس أموال أجنبية للشراكات أو تمكينها من الحصول على تسهيلات ائتمانية لتجديد أسطولها .
• المديونيات الضخمة التي نشأت مؤخرا كاستحقاقات للعاملين بالشركة والذين تركوا الخدمة .. ومديونيات الموانئ هذه المؤسسة الفاضلة التي وقفت مع البحرية ولو أنها ضغطت لتحصيلها لما تمكنت الشركة من ذلك وان باعت كل أصولها .
• انهزام كل برامج وخطط ا لتطوير والإصلاح التي انتهجتها البحرية بسبب عدم مواءمتها والظروف المحيطة ببيئة العمل في الشركة التي وقعت تحت الضغوط والطوارئ المستمرة.
• استغناء الشركة في منتصف التسعينات من الكفاءات المتمرسة وأصحاب الأدوار التاريخية في نهضة الشركة بحرا وبرا واستمرار هذا الوضع مؤخرا بالتقاعد أو الفصل أو التشريد القهرى.
• تشابك علاقة العمل الادارى وتدخلات الهيئة النقابية الشيء الذي أضعف الشخصية الاعتبارية للمدراء وأوقعهم في أخطاء ومفارقات كبيرة وعديدة.
• ترهل الهيكل التنظيمي الذي يأخذ أهمية عظمى في منظومة العمل الادارى فصحة الهيكل التنظيمي في المؤسسة دليل صحة المؤسسة والعكس فلقد عانت الشركة زمنا من تضخم هيكلها وتداخل الاختصاصات الوظيفية.. وانتهجت ولأكثر من ثلاث عقود مدرسة تقليدية اتسمت بالعشوائية والقصور
• اختلال النظام التشريعي فلا زالت الشركة تخضع للقرار 56/1996 الذي استثناها من قانون الخدمة وفتح الباب واسعا للاجتهادات والقرارات الشخصية.
• عدم فاعلية الإطار المؤسسي الذي تكون له القدرة على دعم الشركة ورعايتها ومتابعة تقويم أدائها وتطوير خدماتها من قبل مجلس الإدارة والوزارات المعنية بنشاطها.
• ضعف السيولة المالية والكفاءة التشغيلية للشركة للأسباب التي سبق أن أشرنا إليها.
• عدم الاهتمام بالعمل الاعلامى مع أهميته .. مما عرض الشركة مؤخرا لحملات إعلامية قوية لم يستطع الخطاب الاعلامى للشركة مجابهتها. في اعتقادي أن هذه العوامل وغيرها من الأسباب المختلفة ساهمت في أن يتوقف مد ظل التطور بهذا الموقع الكبير وأقعدتها وأصابتها بالهزال والضعف وأصبحت الخطوط البحرية كأنما اتخذت من بيت العنكبوت سكنا لها.
البحرية في عهد قمش يجب أن تعيد تنظيم صفوفها بالقوة والاستعداد ..والإرادة لأن القوة ولاستعداد قاعدة أساسية لمتطلبات المرحلة ولأنهما السبيل إلى الوصول إلى الهدف .. والإرادة هي وحدها الجسر الذي يعبر بين الحلم وتحقيق الحلم.
مع أمنياتنا المخلصة نسأل الله أن تستعيد الخطوط البحرية باخرتها التائهة .. وحقولها الضائعة .. لتهدى البلاد وردة في يدها لا أن تكون قنبلة في وجهها وبالله التوفيق.