تمرد الخرطوم عن مجلس الصيدلة الاتحادي والتأمين الصحي القومي .. ما اشبه الليلة بالبارحة

تحقيق : أبوبكر محمود
كثير من الخدمات الحيوية ذات السلطات المركزية تراجعت إلى درك سحيق بعد أن انفردت بها ولايات بعينها وخرجت عن طوع المركزية ولكن لم تنل العافية حتى يومنا هذا.
وما خروج ولاية الخرطوم عن عباءة الصندوق القومي للتأمين الصحي بقانون فصله الوالي السابق المتعافي إلا نموذجاً لتمرد الولاية على الصندوق القومي للتأمين الصحي.
ومنذ ذاك اليوم لم يذق التأمين الصحي طعم العافية من جانبين أما بالولاية أو المركز والزائر لمبنى الحالات المحولة من الولايات للخرطوم بالخرطوم شرق يقف تماماً على مستوى معاناة القادمين من الولايات لتلقي العلاج وأن كانت هناك أصوات تتحدث همساً عن الاتجاه للعودة للمنظومة القديمة ولكن لا فائدة.
وبنفس وتيرة سيناريو خروج ولاية الخرطوم عن عباءة التأمين الصحي القومي وتكوين هيئة ولائية منفصلة، نجد أن وزارة الصحة بولاية الخرطوم فصلت قانوناً للصيدلة والسموم ولائي القوانين والمواد، لتلوح في الأفق بوادر تمرد جديد في الخدمات من ولاية الخرطوم على المركز.
لترتفع حمى التصريحات والجدل الكثيف الأيام الماضية معارضة هذه الخطوة بقوة، فالدواء سلعة حساسة لا تستحق اقحامها في أي صراعات وأن ما حدث داخل أضابير وزارة الصحة بولاية الخرطوم قبل أشهر من صراعات عصفت بمدير إدارة الصيدلة نجم الدين مجذوب ومسؤول تراخيص الصيدليات ماكان إلا تمهيداً لسيناريو جديد سيربك السوق الصيدلاني كان مدخله المسافة القانونية بين الصيدليات والتي ولدت الهواء الساخن بين مجلس الصيدلة الاتحادي ووزارة الصحة بولاية الخرطوم حتى صار سوق الدواء ملغوماً بالولاية ولكن إدارة الصيدلة الاتحادية فضلت إدارة المعركة بهدوء وصبر وإن كانت هناك أقاويل تشير إلى أن مأمون حميدة صار مسنوداً من قيادات نافذة ليفعل ما يفعل في أمر الصحة والصيدلة بولاية الخرطوم سيما أن (70%) من صيدليات البلاد تتمركز داخل ولاية الخرطوم.
قذف الصراع بوزارة الصحة بولاية الخرطوم بنجم الدين مجذوب خارج إدارة الصيدلة وذهب إلى مواصلة عمله النقابي كنائب لرئيس اتحاد عمال ولاية الخرطوم تاركاً سيارته للصحة وبات يركب المواصلات كعامة الشعب.
يتواصل الفيلم الهندي داخل الوزارة باحياء قانون الصيدلة الولائي الذي هاج وماج ضده وزير الصحة الاتحادية بحر إدريس أبو قردة الذي ربط الأمر بالعبث مما حدا بولاية الخرطوم والصحة الاتحادية لتشكيل لجنة حذفت كل المواد التي تتعارض مع القانون الاتحادي من قانون الصيدلة ولاية الخرطوم ولكن عاد الصراع إلى السطح وهو أشد وطأة الأيام الماضية ليصبح ضمن أهم أجندة اجتماع وزراء الصحة بالولاية الذي التأم الأسبوع المنصرم بالخرطوم والذي وجد رفضاً باتاً من كافة الولايات وقتها تنفس الأمين العام لمجلس الصيدلة الاتحادي د. محمد حسن إمام الصعداء بأن الولايات تقف في صفه مما حدا بالمجلس لعقد اجتماع طاريء بحضور (21) شخصاً من أعضائه تم بموجبه رحب التفويض الممنوح للسلطة الصحية بولاية الخرطوم بممارسة اصدار الرخص والرقابة على المؤسسات الصيدلانية على أن يقوم المجلس الاتحادي بممارسة هذه الاختصاصات.
ويقول رئيس الاتحاد العام للصيدلة د. صلاح الدين إبراهيم إن ولاية الخرطوم خالفت القرار الجمهوري الصادر عام 2013م والذي يمنع الولايات من انشاء مجالس صيدلة منفردة لوحدها.
ويواصل صلاح حديثه للصحيفة بأن الاتحاد سيرفع دعوى قضائية إذا ما استمرت وزارة الصحة ولاية الخرطوم في هذا المنحى.
فيما رحب وزير الصحة بولاية الخرطوم بروفيسور مأمون حميدة بقرار مجلس الصيدلة على مضض قائلاً إن الوزارة لم تتلق اخطاراً رسمياً بهذا القرار وأن الوزارة تعمل وفق القانون.
ويجزم الأمين العام لمجلس الصيدلة والسموم د. محمد حسن إمام بأن الدواء سلطته قومية حسب المادتين 6-1 من قانون 2009م والذي يحكم الاستيراد والرقابة ومستحضرات التجميل حسب الشروط والضوابط ويشير إمام إلى أن كل التجارب العالمية تشدد على قومية الرقابة الدوائية.
وأن الدواء سلعة حساسة لا تحتمل الفوضى فهي تخضع لإجراءات معقدة لتحليل وكشف الأدوية المغشوشة وإذا ترك الأمر للولايات لا يتواءم ذلك مع توجيهات الصحة العالمية التي تشدد على قومية التشريعات.
ويرى حسن أن ما أقدمت عليه ولاية الخرطوم منافٍ لكل التجارب العالمية الناجحة لافتاً إلى أن المجلس فوض عام 2008م للولايات منح تراخيص الصيدليات ولكنه حكم أمر انشاء المصانع بالقانون المركزي وأن الخرطوم قامت بسن قانون صيدلة ولائي عام 2012م والذي يحتوي على مواد متضاربة مع الاتحاد وإذا اصطدم الولائي بالاتحادي فسيسود الاتحادي وماكنا نود اتخاذ هذه الخطوة إلا بعد فشل الخطوات الودية مع ولاية الخرطوم، وكونت في هذا الأمر لجنة من قبل برئاسة وزير الصحة الاتحادي والولائي في النظر في تعارض القانون ووصلت لاتفاق لإزالة التعارض ولكن هذا الاتفاق لم ير النور ومن ثم قمنا بتشكيل لجنة عقدت اجتماعاً طارئاً وقررت إلغاء التفويض الصادر.
ويشير حسن إلى ما حدث في باكستان قبل سنوات والتي صدر فيها تفويض للولايات لمصانع الأدوية والذي تسبب في حدوث ما لا يحمد عقباه حينما أخطأ أحد مصانع الأدوية في تركيبة دواء أدى إلى وفاة (125) شخصاً في يوم واحد حتى اضطر البرلمان الباكستاني للتداول واصدر تشريعات جديدة بمركز قانون الأدوية في باكستان ونحن على خلفية ما حدث اتخذنا كافة الإجراءات للحفاظ على القوانين الحاكمة لموضوع الدواء في السودان وأن مؤتمر وزراء الصحة بالولايات الذي انتهى الأسبوع الماضي دعم مركزية العمل الرقابي للأدوية وقيام فروع لمجلس الصيدلة الاتحادي بالولايات وأنا أراهن على قدرة المجلس الاتحادي بالقيام بالرقابة الصيدلانية للشركات ومخازن الأدوية والصيدليات بولاية الخرطوم بما لديه من امكانيات فهو قادر على ترخيص المصانع الجديدة التي يستغرق ترخيصها عدة أيام فكيف يعجز عن مراقبة صيدليات الخرطوم.
ولنرى ماذا ستسفر الأيام حول هذا الصراع ولكن يجب ألا يكون المواطن هو الضحية كما حدث في التأمين الصحي قبل سنوات.