بيــــن الأبنــــودي وحميــد

حامد الخضر مصطفى
الإبداع ابن بيئته والبيئة المتشابهة تنتج إبداعاً متشابهاً إذا كان شعراً أو نثراً أو أي ضرب من ضروب الأدب والفنون، وهناك مقارنات كثيرة عقدها النقاد بين شاعرين أو كاتبين منها مثلاً المقارنة التي عقدها البروفيسور إبراهيم القرشي بين الحاردلو وامريء القيس والمقارنة التي عقدت بين أبو القاسم الشابي والتجاني يوسف بشير والامثلة كثيرة.
رحل عن دنيانا في الأسابيع الماضية الشاعر الشعبي المصري السوداني عبد الرحمن الأبنودي، كما رحل في الأيام نفسها الشاعر الإفريقي السوداني الليبي المصري المغربي محمد مفتاح الفيتوري رحمهما الله رحمة واسعة.
يرحل الشعراء دائماً وفي أفواههم قصائد لم تقرأ وفي أجوافهم دواوين لم تكتب ولكنه الموت غاية كل حي.
غادر الابنودي الفانية عن عمر ناهز الـ76 عاماً قضاها بمشاعر حية متدفقة عبَّر فيها عن تراث بلده خير تعبير، ولد الأبنودي بقرية أبنود عام 1938بمحافظة قنا التي تبعد عن القاهرة حوالي 620 كلم فهي أقرب لشمال السودان الذي ولد فيه حميد، وكان والد الابنودي معلماً وشاعراً له دواوين شعر مطبوعة واسمه محمود أحمد عبد الوهاب، وبعد أن تشبع شاعرنا بالتراث بمنطقته الغنية بالقباب أمثال قبة الشيخ أحمد البدوي وأبو الحجاج الاقصري وعبد الرحيم الغنائي حيث المدائح الصوفية وتعديد النساء على الموتى وحكاوى أبوزيد الهلالي، التحق بكلية الآداب جامعة عين شمس حيث التقى بعمالقة الشعر المصري أمثال أمل دنقل وصلاح جاهين.
نشر شاعرنا قصائده الأولى في مجلة صباح الخير وكانت أول أغنية تغنت له من نصيب محمد رشدي وكان ذائع الصيت في ذلك الوقت وهي أغنية تحت «السجر» يا وهيبة أصلها الشجر ولكن هكذا ينطقها الصعايدة، ومعظم اشعار الابنودي غنائية وشجية وتحمل ألحانها في جوفها، صيّاد ورحت اصطاد صادوني طرحوا شباكهم ورموش العين صابوني آه ياليل يا قمر والمنقة طابت ع السجر.
زار الابنودي السودان واعجب بتجاوب الشعب السوداني مع شعره واستمع لشعرائنا واثنى عليهم خاصة القدال وحميد.
استطاع الابنودي بطريقته العفوية في الإلقاء أن يجذب آذان كل المحبين للشعر، فهو قيثارة الشعر الشعبي العربي وشعره من الأشعار الممتعة لأن قصيدته حوارية يحكي فيها معاناة الشعب ويسخر فيها من الانظمة الحاكمة مما عرضه كثيراً للسجن، وللابنودي (21) ديوان شعر وانتشر شعره في جميع انحاء المعمورة كتباً واشرطة مختلفة – والمستمع للشعر الشعبي في بلادنا يجد تشابهاً كبيراً بين شاعرنا الفذ محمد الحسن سالم «حميد» والابنودي، وهذا التشابه ناتج عن تشابه البيئة وقربها، والشاعران يتناولان مواضيع متشابهة، الغلابة الغبش التعابة، واحدين بالإيجار ما لاقين جحر، حراجي القط، السخرية من النظم الحاكمة، حيكومات تجي وحيكومات تغور، البساطة التلقائية في الإلقاء، الحوار والحيوية والدقة في التصوير كل هذه الاشياء جعلت الشاعرين متشابهين فمثلاً جوابات الأبنودي «حراجي القط لزوجته فاطنة عبد الغفار بجبلاية الفار، تقابلها جوابات حميد المشهور «ست خرّفن وتيس ماكفّن». وكما أن لحميد قصيدة عم عبد الرحيم المعروفة التي تدور أحداثها في القطر، فللأبنودي أيضاً قصيدة تدور أحداثها في القطر يقول في مطلعها لحظات تحرك القطر بدودو اتدلدات بوسطى من الشباك لاحظ كلمة «يدودو واتدلدلت» كلمات ممعنة في المحلية لا اظن أن المصري يفهمها، وحميد يقول «ثورة تحلم بي بيوت فيها موية وفيها دش» ، والابنودي يقول وحلمت أني حلمت وحلمت أني نمت وحلمت أني رأيت ولما رأيت هبيت وسبت البيت، وكما تحدث الابنودي كثيراً عن عمال السد العالي تحدث حميد أيضاً عن عمال الموانيء الغبش التعابى لي الماش الصعيد ماش «الدي» تفر والذي يريد أن يبحث في أشعار شاعرين سيجد تشابهاً يصل إلى درجة التطابق في اشعارهما فهم صنوان، أولاً البيئة واحدة، ثانياً الإلقاء مميز، القصائد دائماً تأتي حوارية تمتزج فيها الصور التي تجسد الأفكار الذهنية وتضع المشهد أمام عينيك وترى الكلمات تتحرك برسومات دقيقة تأخذ الألباب ومثل هذه الصور لا يستطيع رسمها إلا مبدع إبداعاً ما بعده إبداع.