بروكسل تحتفل.. والخرطوم تتغيب

تقرير :  غادة أحمد عثمان
في وقت تعاني فيه الخرطوم من الترقب وانتظار القادم محمولاً على دولاب الدولة الرسمي تشكيلاً وتعييناً وتنصيباً، ويخيم فيه الركود على مجتمع الخرطوم السياسي، كان للاتحاد الأوروبي رأي مغاير ومختلف وهو يحشد كل ألوان الطيف السياسي في داره، ليكون ليل العاشر من مايو حافلاً بالصخب والضجيج بمناسبة يوم أوروبا بالإضافة توقيع الاتحاد الأوروبي و الأمم المتحدة على مشروع لإدارة الموارد الطبيعية في دارفور..

2
المشهد في الاحتفال الذي نظمه الاتحاد الأوروبي بمقره بالخرطوم بدا مكتظا بالشخصيات السياسية والاجتماعية السودانية إضافة إلي ممثلين لمختلف السفارات الأجنبية والإفريقية بالخرطوم وامتلأت جنبات حديقة مقر البعثة الدبلوماسية عن آخرها بالضيوف الذين تابعوا باهتمام بالغ وشغف الكلمات التي تم إلقاؤها من على منصة المقر..
3
أكثر الكلمات استحواذاً على التركيز والانتباه كانت للمضيف سفير الاتحاد الأوروبي الذي بدا مهموماً بنزيف الحرب ومآلاتها، متناولاً ضرورة دعم جهود السلام، لتأتي المفارقة في استدعاء السفير للحملة العالمية على الإرهاب، في وقت بدأت فيه الخرطوم جهودها الحثيثة واتصالاتها الخاصة لإسباغ توصيف الإرهاب على الحركات المسلحة، وركز السفير على جهود ومحاربة الإرهاب في السودان وأوروبا، وقال بعد أن رحب بالحضور، (من المهم جدا مساندة الجهود التي تبذل لأجل مكافحة الإرهاب والإرهابيين لضمان عيش الناس في أمان)..
4
سفير بروكسل في الخرطوم ظهر متشحاً بثوب الدبلوماسي، المغلف بالجدية، وألقى كلمة تضمنت صرامة لافتة في ضرورة مكافحة الإرهاب ومعتنقيه، وبث برسائل جادة للجهات المتطرفة التي تتشدد في الدين وتنحرف لتستهدف الأبرياء..
اللافت أن كلمة يوشيني وجدت إنصاتا تاماً من كل الحضور بما في ذلك ممثل الحكومة التي شاركت عبر الناطق الرسمي باسم الخارجية السفير علي الصادق، وبالفعل ألقى الناطق الرسمي باسم الخارجية كلمة تطرق فيها لمساعي حكومته التي وصفها بالجادة لدعم المسيرة السلمية في السودان عبر الجلوس لطاولة الحوار والالتقاء بالفرقاء السودانيين وأبناء الخرطوم الغاضبين..
5
وبرغم الثقل النوعي الذي تمثله البعثة الأوروبية، إلا أن اللافت في احتفال (الخواجات) الغياب التام لقيادات الحزب الحاكم وعناصر المؤتمر الوطني، باستثناء الحضور الدبلوماسي الذي كان ضعيفا جدا.. وهو المشهد الذي فسرته همهمات الحاضرين بأنه رد فعل غاضب للخرطوم الرسمية على بيان الاتحاد الأوروبي تجاه الانتخابات التي جرت منتصف الشهر الماضي، وترجمة عملية لرسالة (الزعل) بحثاً عن ترضيات مقبلة، حينها بررت أوروبا موقفها المعلن من الانتخابات، بأن الوقت والمناخ لم يكونا مناسبين أو ملائمين لإجراء العملية التي يمكن إن تسهم في استقرار الخرطوم حال جرت بشروط أخرى، وأورد بيان الاتحاد آنذاك اعتباراته التوضيحية، الأمر الذي أثار حفيظة الخرطوم التي اعتبرت الموقف الأوروبي من العملية الانتخابية، تدخلا سافراً في الشأن الداخلي وكشفاً لمستور تتعب في تغطيته..
6
في مقابل الغياب الحكومي والتنفيذي والحزبي للوطني وقياداته، كان الحضور المشهود لمختلف التيارات الإسلامية، حيث شكل د.غازي صلاح الدين رئيس حركة الإصلاح الآن، حضوراً استمر حتى نهاية الاحتفال، ودخل في أحاديث جانبية مع عدد من نجوم الاحتفال، ومثله كان حاضراً د. بشير آدم رحمة ممثلاً للمؤتمر الشعبي..
بعيداً عن تيارات الإسلاميين وتأصيلاتهم، كان شيخ اليسار السوداني متوهطاً في الاحتفال، يوزع ابتسامة الرضا عن موقف الأوربيين، فكان سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني المهندس محمد مختار الخطيب برفقة القيادي بالحزب صديق يوسف حضوراً واختاراً أن يقفا خلف الحضور، واكتفى كلاهما برد تحايا المشاركين وهم يقاطعون عليهم (ونستهم) التي لم تكن تبدو حزبية.. مختار وصديق لم يندمجا مع أي من الضيوف سواء أجانب أو سودانيين، وقبعا يتفرجان علي الجميع من موقعهما الذي اختاراه في الخلف..
7
في مفاجأة لم تكن في مخيلة الكثيرين، وبعد غياب دام طويلاً، انسلت من زحمة الشرق لتشهد الاحتفال وزيرة الدولة بوزارة العمل د.أمنة ضرار، ليقترن ظهور أميرة الشرق ببروز مثير للدهشة فكانت بروفيسور سعاد الفاتح.. حزب الأمة القومي لم يكتف بما يثيره من جدل في الساحة السياسية، وشاءت قرارات قياداته أن تنقل الحالة الى مقر الاحتفال، بظهور المنصورة د. مريم الصادق المهدي، والمعروفة بكونها تندمج سريعا يساعدها في ذلك تلقائيتها المحببة، وشخصيتها الجذابة، كما حضر أيضا د. حسين إسماعيل ود.محمد محجوب هارون..
8
عقب مشاركته المحزنة في الحكومة كما يرى الكثيرون ، أراد مولانا أن يشارك(الخواجات)، فكان أن شكل آل بيته حضورا كبيرا ومؤثرا حيث حضر إبراهيم الميرغني و الحسن الميرغني، وبعد التفاتات عدة، انخرط الحسن في محادثة مطولة مع السفير الأوروبي لوحدهما دون أن يشاركهما احد للدرجة التي أنست السفير الأوروبي بقية ضيوفه، وانهمك الاثنان بصورة واضحة، لتتقافز علامات الاستفهام في عيون الكثير ممن لمحوا النقاش الذي لم يسمعه احد..نجل الميرغني بدا زاهداً في التعاطي مع أي كان، فلم يتحدث الى احد آخر بخلاف السفير الأوروبي والى حين مواعيد مغادرته لمقر الاحتفال، باستثناء هنيهة اكتفى فيها برد تحية الدرامي المعروف علي مهدي، ثم واصل الحسن حديثه الشيق لجهة ظهور الارتياح التام علي محياه وقسماته، وهو يتحدث الى السفير الذي استمع إليه بشغف كبير لدرجة الذوبان في الإنصات المفرط، بينما تجاذب علي مهدي أطراف الحديث مع إبراهيم الميرغني، الذي لم ينتبه إليه بقدر تركيزه مع حديث الحسن وممثل (الخواجات) في الخرطوم، لدرجة انه كاد يموت من الضحك وهو ينصت إليهما في تلقائية افتقدتها أروقة حزبه الأصل طويلا والمثخن بالجراح كثيراً، حيث ظهر رعايا مولانا والارتياح يتدفق من عيونهم مصحوبا بابتسامات عريضة لم تنقطع طوال الاحتفال لدرجة انك تخال أن الاحتفال قد تم تنظيمه في جنينه الميرغني وليس الاتحاد الأوروبي مما يؤكد حجم وعمق العلاقة المتميزة بين الطرفين.
9
عموما استمتع الحضور كله بمقطوعات الفرقة الموسيقية التي عزفت ألحانا وطنية عذبة أندمج معها الجميع، لاسيما السودانيون حيث تنوعت الأوتار وتقاسمت ألحان قديمة وجديدة كلها وطنية، وتم اختيارها بعناية عبر موسيقي هادئة انسابت بين الحضور كما الهمسات، وكان أن شرف الاحتفال من الدراميين أيضا النجم الكوميديان المعروف طارق الأمين، وجاء الحفل مرتبا والاستقبال راقيا وغطته وسائل إعلام عالمية أكثر من المحلية، فيما غاب اى حضور صحفي من الكبار والصغار باستثناء حضور بعض الزملاء.