انتشار السلاح.. دارفور تدفع الثمن

تقرير :  صالح ابو علامة
أعلنت الحكومة العام الماضي عزمها وعملها بقوة لنزع الأسلحة الثقيلة من القبائل في دارفور.. حالياً ومنذ العام الماضي وإلى الآن، لم يحدث ذلك، والدليل ما شهدته المنطقة من صراعات تزامنت مع إعلان نزع السلاح الذي أصبح ثقيلاً هذه المرة.. (ألوان) سعت لاستنطاق الظاهرة والبحث في مبررات سبب انتشار الأسلحة الثقيلة بين القبائل في الإقليم ومن الذي ساهم في دخولها وما هي كيفية جمعها ؟
دارفور ومنذ اندلاع الحرب في 2003 شهدت كميات كبيرة من الأسلحة المتدفقة بواسطة الحركات المسلحة التي تعبر الحدود وتجلب الكثير من السلاح، كما أن الوضع المتدهور اﻹقليم ساهم القبائل في إمتلاك السلاح لحماية نفسها كمان أن الصراعات القبلية وخضوعها لمعاير الربح والخسارة ساهمت ايضآ في اقتناء المزيد من اجل إظهار القوة والغلبة وأصبح الجميع يستخدم السﻻح حتي الأطفال قديما كان السلاح الأبيض(حربه -كوكاب-عكاز -سفروك)لكن مع تطور الصراعات تطورت الأدوات حيث جاء الكلاشنكوف والجيم ثري ومن ثم جاءت الأسلحة الاكبرالرشاشات والمدافع والقذائف المدفعة وأسماء أخرى ﻻتسمع بها إﻻ هناك مثل الكلب الأمريكي والإيراني بل أن هنالك مجموعات تحمل هذه الأسلحة في عربات ﻻند كروزر لثقلها هذه هو الشئ الذي جعل المواجهات القبلية أكثر دموية وكرس هذا الأمر الى ثقافة اقتناء السﻻح الشئ الذي جعله ثابتا في كل مكان حتي مناسبات الأفراح وعند ميلاد طفل جديد أو عند الأعياد واستقبال رمضان وهنالك الكثير من المدن تهتز من وابل الرصاص وكأن الأمور العاب نارية فقط.
تقدر مساحة دارفور بخمس مساحة السودان الى ما يقارب 200 ميل مربع وتحد الإقليم أربع دول ليبيا من الشمال وتشاد من الغرب ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطي وجنوب السودان وإقليم كردفان من جهة الشرق ينقسم الإقليم الى خمسة وﻻيات شرقا وغربا ووسطا وجنوبا وشماﻵ، ولهذا فأن الإقليم نظرا لحدوده المفتوحة ولمساحته الشاسعة ووجود قبائل عديدة لها امتداد داخل دول إفريقيا ذات الصراع المستمر تأثر الإقليم بمن حوله من الصراعات الداخلية لأفريقيا وكل هذه الصراعات روجت لتجارة السلاح ودخلت الأسلحة الثقيلة وتفاعل الأهالي مع هذه الأزمات، كما أن هنالك معلومات تشير أن الإقليم يعتبر القاعدة الخلفية لتشاد في تدبير الانقلابات والصراعات التشادية وذلك للمساحة الواسعة وتداخل القبائل كما انه يشكل نقطة تماس أو ما يعرف(بالحزام الفرانكفوني) تشاد النيجر أفريقيا الوسطي وجميعها تقع في عين الاهتمام الفرنسي لأنها من مستعمراته كل هذه الأسباب جعلت منه سوق لدخول أكثر الأسلحة فتكا فهنالك شخص ﻻيملك شئ وليس له راتب أو عمل وﻻكنه يملك سلاح بملايين الجنيهات فمن أين جاء بهذا السلاح.
الجغرافية والطبيعة:
المكون الأساسي لمجتمع دارفور ينقسم الى قسمين أساسين هما الراعي والمزارع وﻻثنين بينهما علاقة ود في وقت الصفا ممثلة في تبادل المنافع من غلال وحليب لكن إذا تعثر الموقف اختلف الأمر كثيراً ويقولون أن صراع بين الاثنين هو المنبع الأزمة، وان كان هذا رأي جزئ ﻻسيما بعد تطور القضية وتدويلها فراعي عندما يأخذ السلاح حتما يأخذه من اجل حماية ماشيته من السرقة والمزارع ايضآ لكن أصبحت المسألة مواجهة بدأت شرارتها ليس من قيمة الزرع وإنما من الاستحقار وعدم التقييم الذي يبدر احيانآ من الرعاة تتحول هذه في كثير من الأوقات الى صراعات قبلية هدفها الانتقام للقبيلة ورفض الاستحقار هذا التوجه جعل القبائل تهتم باقتناء السلاح للدفاع عن نفسها لذلك الكل يعمل جاهدا من اجل شراء قطعة سلاح يحملها عند نشوب اي مواجهه .
اختلاف أبناء دارفور:
بعد تمرد يحي بوﻻد وانقلابه علي الجبهة الإسلامية في عام 1989 استقر بوﻻد في دارفور تمرد هناك وهذا يعتبر أول تمرد في بداية التسعينات عبر دارفور واستنفرت الحكومة ضده جميع القبائل ومدججين بالسلاح واعتقلته وأعدمته من هذا التمرد لم يكن الأخير فقد لحقه في 2002جبهه تحرير دارفور التي غيرت اسمها لاحقاً الى حركة تحرير السودان بجانب حركة العدل والمساواة ولكن بعد انعقاد مؤتمر حسكنيتة 2005انقسمت حركة تحرير السودان فصيلين واحد يضم عبد الواحد محمد نور وآخر بقيادة مني أركو مناوي الذي وقع سلاما هو الآخر ولكنه تمرد مره أخرى، لكن يبدو أن عدوه الانقسامات هي الوحيدة في السودان واسعة الانتشار فلم تقف الى هذا الحد فقد انقسمت العدل والمساواة وأنتجت حركات جديدة مثل التحرير والعدالة بقيادة السيسي ووقعت اتفاق الدوحة الشامل للسلام لكنها ايضآ لم تصمد هي الاخري فقد انشقت وتحولت الى حزبين سياسيين بقيادة أبو قردة وآخر بقيادة السيسي هذه الانقسامات المتكررة الميدانية منها ساهمت في أزمة وكيفية حلها فقد اخذ البعض الموضوع من جانب الربح والخسارة كما أنها ساهمت في انتشار السلاح إذ أن اي حركة تنقسم تطلب مزيدا من السلاح والعتاد العسكري من اجل تقوية وضعها أن كانت في الغابة أو في ظل السلام تنتظر الدمج في المجتمع المدني أو الجيش.
السلاح والحكومات:
بعض المحللين يرجحون أن في الديمقراطية الثالثة من حكم الصادق المهدي قام حزب الأمة بتسليح أنصاره والموالين له من القبائل في دارفور الشئ الذي مهد للانتشار وبدأ زرع ثقافة اقتناء السلاح في الإقليم مما ﻻشك فيه أن القبائل استخدمت هذا السلاح في حروباتها.
مايو يهل:
هنالك رؤية تقول أن أول دفعه من السلاح دخلت في فترة الرئيس جعفر محمد نميري كانت بواسطة الجبهة الوطنية التي اسماها نميري (المرتزقة) التي قادت المعارضة ضد مايو وكانت تعد لإسقاطه وقد خزنت السلاح بوداي في شمال دارفور وعندما توصلوا الى ﻹتفاق مع الحكومة أهدت المعارضة السلاح للجيش وأرشدت علي مكانه ذهبت قوة لا حضارة ولكنها وجدت بعض منه مفقود ويرجح انه ذهب لأيادي المواطنين وتعتبر هذه الخطوة من اكبر عمليات انتشار السلاح.
الإنقاذ:
عندما كان الصراع في جنوب السودان في قمته كانت الحكومة تسلح كميات من القبائل في دارفور في مدن دارفور المختلفة لمساندة الجيش لفتح بعض المدن في جنوب السودان أو لفتح السكة حديد حتي يتمكن القطار من نقل المؤن والعتاد هذا السﻻح الذي تم توزيعه لم يتم جمعه بعد انتهاء المهمة، ويذكر أن الأمر صاحبة نوع من العشوائية في التوزيع فهنالك كثيرون ذهبوا من اجل التسليح لان الرواتب كانت ضعيفة ساعدت هذه الخطوة في الانتشار وسهولة الحصول على السلاح كما أن تحول هؤلاء الى قوات مثل الكثير من المسميات ليست لها مكان أو مهام معينة بل يمكن للمنضوي تحتها أن يكون في زراعته أو مع ماشيته وهو حاملاً لسلاحه ذهب فقط لراتبه أو مهام قصيرة ﻻتذكر كل هذه الأسلحة يتم استخدامها في الخلافات القبلية وهي أكثر فتكا وجرما بل أن بعض المواطنون يطالبون بنمر عسكرية وسلاح وبعض المسئولين يتبرعون بذلك في زياراتهم.
لم يتبقي إﻻ الطائرات:
يقول أمين العلاقات بحركة العدل والمساواة للسلام والتنمية بشير محمد زين إدريس أن السلاح الموجود في أيدي القبائل هو فقط هذه المكونات تفتقد الطائرات والدبابات وهذا التوسع يبين تماما عدم وجود خطوات عملية في الجمع التي نسمع بها عند المسئولين مع العلم بأن الدولة هي المسئولة عن هذا الأمر بل الآن السلاح متزايد مع تزايد التجنيد للمكونات المختلفة للمجتمع الدارفوري وانتشار قانون الغابة يعود لضعف الدولة وعدم فرض هيبتها أما عن كيفية الجمع ما يحتاجه لجهد كبير من الجميع وتوفير كل مستلزمات الدمج في المجتمع مع توفير الرغبة الكاملة للقوات الحكومية والمندمجة فيها.
الانتشار الأكبر:
ويذهب الخبير السياسي د. صلاح الدين الدومة أن الانتشار جاء من فترة نميري عن طريق ليبيا مع بروز مسمي الفيلق العربي عند القذافي فتحصلت مجموعات علي السلاح واستخدمته في النهب المسلح الإنقاذ ألهبت أزمة دارفور بطريقتها الخاصة فهي أكثر من ساهم في التجنيد وتوزيع السلاح وتقليل التنمية وثقافة السلاح موجودة في كل العالم لكن هنالك محفزات علي انتشارها وتفعيلها مثل تغيب الأمن والقوانين وجمع هذا السلاح يكون بوجود نظام قوى قادر علي فرض القوة وحماية القرار وبسط هيبة الدولة والعمل بحياد .
الجمع صعب:
ويقول الخبير حسن بيومي أن ثقافة انتشار السلاح موجودة في المنطقة منذ زمن بعيد وهي والحصان والسيف، ودخل الأمر عن طريق الحرب في تشاد وليبيا القذافي كان يدعم جميع الحركات في المنطقة بالسلاح، كما انه سلح بعض القبائل جمع هذه الأسلحة صعب جدا بعد الانتشار الواسع لها وأنا أرى أن عملية دمج المتمردين في الجيش يجب أن ﻻ يكون بهذه الطريقة بل يجب الإعداد الجيد للفرد حتي يتعلم قانون الانضباط ويزيل قانون الغابة حتي ﻻيعود مره أخرى مع توزيعه بعيدا عن بيئته حتي ﻻ يتأثر بأفكار من حوله .
النتيجة:
الجميع يميل الى أن الحكومات ساهمت في انتشار السلاح وإن تفاوتت هذه المسألة من حكومة لأخرى تظل المنطقة سابحة في بركه من الرصاص والأسلحة الثقيلة والوعود بالنزع التي لم تفلح مثلما قال أمين حسن عمر أنهم يريدون نزع الأسلحة الثقيلة، ولكن يبدو أنهم يريدون فقط معنويا وليس عمليا السلطة الإقليمية تحدثت كثيرا عن أن لكل قبيلة جيش وهذا أمر مخيف ولكنها لم تفعل شيئاً حيال هذا الأمر بل أنها مهتمة بتحولاتها من العسكرية الى السياسية أكثر من تحول مجتمع دارفور من الحرب الى السلم خاصة في يتعلق بالتسليح إذا لم يري لها موقفا تجاه هذا الأمر هنا الدور ينعكس علي أبناء دارفور عليهم توعية أهلهم بأن ﻻ التجنيد وحمل السلاح ومعرفه إن السلاح أن كنت تحمله أما قتلت أو قتلوك من اجله.