اليسار الجديد…..والسودان الجديد

في منتصف الستينات من القرن الماضي اعلنت المكرفونات قيام ندوة سياسية كبرى خلف الجامع الكبير في ميدان المولد بالحصاحيصا. يقيمها القائد عبد الخالق محجوب والأستاذ احمد سليمان عليهما رحمة الله. هذه الندوة حشدت لها كل كراسي السوق المعمولة من البال الخفيف. إمتلأ الميدان بالكراسي وللأسف كان الحضور متواضعاً. ولما كان الامر كذلك اتيحت لنا فرصة لنجلس بالقرب من المتحدثين….وقابلتهم…
كأن عبد الخالق ان لم تخني الذاكرة رجلاً مربوعاً عليه قميص أبيض (كم) كامل خفيف بدون فانلة هذه اول وآخر مره أرآه… كان موضوع الندوة له علاقة بالإنتخابات القادمة والحصاحيصا كونها في الجزيرة أخطر اقليم في السودان سياسيا واقتصاديا وثقافيا وستظل هكذا مهما اقعدت… كانت الندوة رغم تعدد الموضوعات ولكن غلب عليها الرد على ناس الجبهة في فرية اطلقوها…. ان الشيوعيين كفار. وكان الرجل يرد ويقول اننا ناكل مما ياكل الناس ونشرب مما يشربون. ونسلم ونحمد ونصلي ونفرش ونعقد ونمشي مع الناس المقابر و….و… وكان الرجل ذكيا ولكن غريمه كان اذكى!!! ولا ازال اذكر ان الاستاذ احمد سليمان كان جالسا بقربه على ذات الصف من الكراسي وعبد الخالق واقف وهو ينظر الى قدميه… وكانت للشيوعيين ايضا فرية قذفوها لناس الجبهة وهم في حاضنتهم… ان ناس الجبهة (منكرين) وفي الشواهد على ذلك طرف تروى.. والعوام من الصوفية كانت لهم اسئلة على شاكلة مارايكم في زيارة القبور؟؟!! ورايكم في القباب؟!! وما رايكم في كرامات الأولياء؟؟!!
ولكن يبقى في حين الاخوة في اليسار دائما هم في تفقد مستمر لدفئهم من المجتمع.. والأمر هذا يحتاج لعمل وجهد حتى لا تلصق بهم فرية ناس الجبهة يظل بالمقابل ناس الجبهة في حاضنتهم في دفء مستمر وما يبدر منهم يمثل شقاوة طفل مدلل ومحبوب.. كونهم في غالب تكونهم، انهم «بتق» (الشجيرات الصغيرة)..لان اعظمهم منحدر من اسر الختمية او اسر الانصار والباقي عرفوا بالتدين….الامر الذي يطمئن به عوام المتصوفة …وانهم جزء لصيق بهم وإن أتو بلون مختلف في السياسة وظل الامر كذلك مساجلات حتى مجئ نميري رحمة الله عليه… فحشا الشيوعيون بندقهم ليفرغوها في صدر الرجل.. ولكن نزع الخارج والاقليم والداخل البندق واسلمها لنميري وهي محشوة بذات الرصاص فافرغها الرجل في صدورهم جميعاً، كان الحزب الشيوعي السوداني يمثل ثقل ليس سهلاً في العالم المسلم ولكن….
الغرب المسيحي عدو اصيل للشيوعية.. شئ يقول به معاشهم ولو اُستنطقت (الملعقة) في الغرب المسيحي لردت ان العدو هو الشيوعية ولكون الغرب المسيحي ان هذه الحياة هي جنته… التي يعيشها ولا يريد فيها عرج ولا عور..ولن يسمحوا لاحد ان (يبرجل) عليهم هذا التناغم…ولكن مال هؤلاء القوم لا يفقهون حديثاً.. هم عملوا مع الغرب في غزو العراق بإخلاص وعندما وصلوا بغداد اسلموا البلد لإيران سلموها لهم مثل الموزة المقشورة….وتناولت ايران منهم البلد ولاكتها في تشفي مثلما لاكت هند بت عتبة كبد حمزة عم رسول الله (ص) في تشفي حين اسلمها لها وحشي القاتل…
الشاهد ان ايران ليس في ادبياتها شيئاً اسمه الحزب الشيوعي… اذا امريكا وضعت الحزب المعادي للإستعمار في خانة العميل واخرجته من المولد صفر اليدين…وكذلك.. عمل الحزب الشيوعي وباخلاص متناه مع الاخوة الجنوبيين وعندما وصلت امريكا الى جوبا اسلمتها الى سلفاكير مثل الموزة المقشورة..لم تكن لتسلم جوبا لقرنق لأن قرنق (سيبرجل) جنة الغرب المسيحي.. ولذلك وضعت امريكا الحزب الشيوعي السوداني في خانة العمالة وكذلك اخرجته من المولد بدون حمص لاكثر من مرة.
كان المؤمل بعد المقلب الامريكي ان يجلس الاخوة في الحزب الشيوعي ويخرجو (اليافطة) القديمة «الجبهة المعادية للإستعمار» لان الاستعمار الجديد يسرق الموارد.كان قديماً يسرقها بنفسه… اما هذه الايام فيرسل من يسرقها له …وبلا مقابل!!؟؟ وبتصفية جسدية احياناً كثيرة…. وكان للحزب ان يضع يده في يد ناس الجبهة ويبقى في البلد جبهتان تناهضان.. وإلا سيظل الشيوعيون اداة في يد متى ادت دورها رمي بها.
السودان الجديد مهما يكن لامريكا فيه يد، ومهما كان لون هذه اليد(بيضاء..اوسمراء..اوسوداء) فهو سودان قديم!! سودان ما قبل (1/1/1956م)؟؟!!
الشيوعيون الاجدى لهم ان يعودوا لمجتمعهم يبحثوا عن دفئه.. من قال ان الاحداث تاتي بما تشتهي السفن؟؟. كانت قديما جامعة الخرطوم بها كلية اسمها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. الآن اين قوالب الكلية السياسية التي كانت تدرس اين قوالب الاقتصاد الذي كان يدرس؟؟
الآن العالم في فورة مع من وضد من تقف وتعمل ماهو سعر اليوم وماهو سعر الغد..ومن الذي يحرك الاسعار لا احد يعرف ولا ينبئك مثل خبير… الخبرة في الاقتصاد والسياسة. كانت تصلح مع القوالب الجامدة في السياسة والاقتصاد القديم ولكن الآن الدهر قلب.. وشأن الامس ليس كشأن اليوم ولاغدٍ، والسودان مثل كل ذي نعمة محسود..وسيفتعل له كل شئ..ليسرق…والسودان الآن….لا السودان القديم ولا السودان الجديد!!!
عمر النعيم الضو
معلم متوسطة- سابقا