الــقــطــة الــبــيــضــاء

بقلم :  نفيسة الشرقاوي (أم أحمد )
عندما ساقتني أمي إلى المدرسة في ذلك الوقت ، كنت في الخامسة من عمري.. وكنت أتمرد عليها .. أعاند وأرفض الذهاب إلى المدرسة .. وكانت تمارس معي شتى ضروب المحايلة وسياسة الأم الحنون أحياناً .. ثم بالهدايا في أحيان أخرى ثم يأتي من بعد ذلا الوعيد والتهديد .. وأخيراً الضرب بالعصا التي يستعملها أبي كثيراً في عقابنا ..
لم أتحمل عصا أمي فخضعت إلى مشيئتها حفاظاً على جسدي الضعيف من ضرباتها بلا توقف .
بعد مرور أربعة أشهر في السنة الأولى الابتدائي تأقلمت مع جو المدرسة والمدرسات واصدقائي الطلبة الصغار .. وبدأت أعود إلى المنزل مسروراً .. فرحاً ببعض الطباشير الملون الذي تعطيني إياه نهاية اليوم الدراسي مدرستي (أبلة عائدة ) .
وفي المنزل بدأتُ أقوم بدور المدرس لإخواني الصغار بعد إن ساعدني أبي في إحضار سبورة سوداء صغيرة من النجار في السوق القريب من منزلنا ثم علقها في جدار الفرندة التابعة للمطبخ وتسميها حبوبتي ( الراكوبة ) .
ووجدت مهنة التدريس حلوة لأنني أُمارس فيها السلطة على أخوتي في التهديد والوعيد إذا لم يحفظوا الدروس جيداً .. مثلما كانت أمي تفعل معي تماماً !
وفي إحدى المرات أخطاء عمر أخي في كتابة حروف الهجاء بالترتيب الذي علمته إياه فعاقبته بإدارة وجهه إلى الحائط خمس دقائق فقط . لأنني كنت أحبه وأشفق عليه . وكذلك عاقبت ( ميادة ) أختي التي تكبره بعام واحد .. وطالبتها بأن تفرد وتمد يديها الصغيرتين .. فقمت بالضرب بالمسطرة مثلما تفعل مدرستي ( أبلة غادة ) فصرخت أختي وجاءت أمي مسرعة تستطلع الخبر ! وسألتني جازعة : ماذا فعلت بأخوتك يا محمود ؟!
أرتعتُ خوفاً لأنني أعرف عقاب أمي جيداً .قلت : لا شي يا أمي ؟ إنني أعلمهم حروف الهجاء .. عشان لما يدخلوا المدرسة يكونوا متعلمين ..
ضحكت أمي وقالت : رويداً رويداً يا أستاذ . ورجعت اتخرط الملوخية في صينية الألومونيوم الصغيرة التي أعتادت أن تخرط فيها .. وتسرع في إعداد طبخة الملوخية باللحم الضاني والتي يحبها أبي وتجيد طبخها أمي مع صحن الرز (الباسمتى ) .
في الصباح ذهبت إلى المدرسة وقابلتني مدرستي ( أبلة عائدة ) بابتسامة .. وقالت لي : ماذا فعلت يا محمود بالطباشير ؟؟ فقصصت عليها ما حدث. فقالت : رائع ..برافو عليك إنت نجحت في تقليد عملية التدريب واجتزت مرحلة كراهيتك للمدرسة .. والمدرسين وبدأت مرحلة جديدة في الدراسة ويا ريتك تستمر لكن بدون ضرب إخوتك الصغار !
كنت متفوقاً طوال سنوات الدراسة في تقديم برامج الإذاعة الصباحية وفي التحضير للندوات الأدبية المسائية التي تقيمها المدرسة كل أسبوع وكان مدرساتي وأساتذتي يعتمدون علي ويفتخرون بي أمام الطلبة وآبائهم.
تعلمت النظام .. وأدب المخاطبة .. والحديث بصوت منخفض .. والتعامل بأدب واحترام مع من هم أكبر مني سناً .. وتعلمت القراءة العميقة بالجلوس الطويل في مكتبة المدرسة وفي المكتبات العامة .. وتعلمتُ فنون الرياضة .. كرة السلة .. كرة القدم الكاراتيه التايكوندوا .. وأنواع الرياضة الأخرى مثل السباحة وحمل الأثقال التي تتماشى مع سني الصغير .
وفي عادتي الثابتة .. عندما أعود من المدرسة أرمي بكتبي جابناً وأسرع لبيت الدجاج والذي يعلوه قفص الحمام الذي أجاد صنعته أبي بالسلك الناعم خوفاً من مُهاجمة الفيران الكبيرة وتسميها حبوبتي ( الجكور ) .. أسرع في أن أقدم لها الحبوب وفضلات أكل المنزل والتي تخصصت في جمعها وتصنيفها وإعدادها ثم ألملم البيض وأعده وأدخله في الثلاجة خوفاً من أن يعبث به إخوتي الصغار .
وفي أحد الأيام وأنا عائد من المدرسة قابلتني أختي ( ميادة ) فرحة .. تصفق بيديها الصغيرتين وتقفز بأرجلها في الهواء في حركة طفولية .. وتبشرني أن قطتي البيضاء قد وضعت خمسة قطط صغيرة .. فأسرعتُ الخطى إلى داخل المنزل لرؤية الصغار وأمهم .. كانوا ينونوون بصوت ملائكي جميل وعيونهم شبه مقفلة .. ويصارعون بأيديهم وأرجلهم الصغيرة في حركات البحث عن ثدي أمهم .. ثلاثة منهم يميلون إلى اللون البني وواحد أسود والخامس كان لونه أبيض مثل أمه تماماً .. ما كنت أعرفهم ذكوراً أم إناث .. حبوبتي تعرف ذلك جيداً .
بعد عناء المخاض تمددت قطتي الجميلة تحت سريري لتخفي صغارها من عيون وأيدي الصغار في المنزل .. عندما رأتني أغمضت عينيها ونونوت واستدارت على جانبها لتترك ثدييها للرضاعة .. وبدأت تعلق بلسانها أجسادهم الصغيرة وترقد مستسلمة ليتلفوا حولها ويبدءون في الرضاعة .. كنت أشاهد هذا المنظر الحنون الدافئ للقطة الأم وأولادها وأقول لنفسي كيف تقول حبوبتي : إن القطة عندما تجوع تأكل أولادها .. أو عندما تحب أولادها حباً شديداً وتخشى عليهم من أيدي سارقي القطط الصغيرة تأكلهم من حبها لهم !!
لا أظن قطتي تأكل أولادها .. بدأت طوال اليوم أرعاها .. وأحضر لها اللبن والماء والخبز واللحم .. حتى تأكل وتشبع وتواجه هذا الجيش الجائع من الصغار الذين يمتصون رحيق الحياة منها وهي الضعيفة غير القادرة إلا على أن تهبهم هذه الحياة .
كانت حبوبتي تصرخ : يا ولد أبعد من القطة حتى لا تخربشك لأن القطط تكون سعرانة بعد الولادة ..
لم أهتم بكلامها كثيراً .
أمي كانت تقص علينا حكاية غريبة عن القطط وأسرارها .. عندما كانت تعيش مع أبي في فترة عمله القصيرة في مدينة سواكن في شرق السودان وكيف كانوا يسمون القطط ( الكديسة ) أو ( البسة ) أو ( العُري ) وكيف كانت القطط تتحدث كالإنسان تماماً .. وكانت تردد حكاية كدتُ أن أحفظها عن ظهر قلب .. بأن رجلاً جاء إلى سواكن في مهمة عمل لتخليص بضاعته من الجمارك حيث إن سواكن كانت ميناء السودان قبل افتتاح ميناء بورتسودان عام 1906م تقريباً .
وفجأة ظهرت له قطة بيضاء جميلة وهو جالس يأكل في أحد المطاعم وحدثته في همس أن يحمل رسالة شفاهية إلى زوجها في بورتسودان ويقول له : إن أهلك بخير وقد وضعوا بنتاً جميلة . وقالت : لا تبحث عليه طويلاً .. فهو دائم الجلوس في ( قهوة رأمونا ) .. اسم الخواجة الذي أسسها في عام 1926م تقريباً .
وسافر الرجل بعد انتهاء مهمة عمله حسب رواية أمي .. وجلس في القهوة المختارة .. واحتار كيف يوصل هذه الرسالة قبل أن يغادر إلى ( بربر ).. وبعد أن شرب القهوة والشاي .. أحس بنقرة خفيفة تدق في أسفل قدمه رفع قدمه بهلع عندما رأى قطاً كبيراً أسود يقف تحت أقدامه يمد يده بعد أن وقف مستقيماً على أرجله الاثنين ويده الواحدة .. علامة السلام والاحترام للرجل .. ردد الرجل في خوف وفزع شديدين قائلاً وهو يرتجف : أهلك بخير ووضعوا بنتاً جميلة ويسلمون عليك .. أوماً القط الكبير محيياً الرجل واستدار واختفى .. وقف الرجل من الكرسي وهرول مسرعاً بالخروج من القهوة وهو يردد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
مرت بخاطري هذه الذكرى وحديث أمي عن هذه الحكاية الغريبة وإذا بي أسمع صرخات حبوبتي ما زالت تحذرني : يا محمود أبعد عن القطة ولا تقترب من جانبها .. كل القطط سعرانين لما يولدوا .. فهي تخاف على أولادها .. وتتخيل أن أي أحد يقترب منها يريد أن يأخذ أولادها .. فتهجم عليه وتعضه وتخربشه فيحتاج لحقن ( التاتنس ) أبعد يا ولدي منها . أطعت أوامر حبوبتي وابتعدت .. حيث إنها الآمر والناهي في المنزل !!
أفقت على صوت ( هيثم ) ابني الصغير وأنا أقوده بسيارتي في أول يوم لدخوله الروضة الأجنبية في شارع ( مصر والسودان ) يقول لي : يا بابا إنت حتوصلني الروضة وتخليني لوحدي ؟؟ ضحكت وتذكرت العصا التي ألهبت ظهري وأنا أتمرد وأعاند أمي في الذهاب إلى المدرسة في أول يوم .
قلت : لا يا حبيبي سوف أجلس معك .. وأقراء معك .. وألعب معك حتى نهاية اليوم .