السياسة والمعارضة وحركة الرمال

قد يبدو العنوان من النظرة الأولى أنه غير متجانس، وهذا هو سر السياسة، وهو لا أحد قد يجزم بنتائج الحوارات السياسية.
ومثال ذلك الحوار الوطني القادم وهو الذي يعبر عنه بـ(7+7)، ولكن لا أحد يجزم هل سيكون الحوار فعلاً (7+7) ، أي لا يمكن أن يكون (7+8) ، هذه هي السياسة في بلدنا السودان.
المعارضة تشكلت على شكل ولكن الشكل الموجود الآن لا يعبر ولا يمثل الشكل الأول الذي قامت عليه، مثلاً: أين جون قرنق؟ أين خليل؟ أين أخوه جبريل؟ أين الدوحة؟ أين أبوجا؟ أين ؟ وأين؟ كل هذه الاسئلة لها إجابة عبرت شكل المعارضة، وعليه لا أحد قد يجزم بشكل المعارضة القادم.
لقد عرفت الساحة السياسية وجوهاً كثيرة وهي بالطبع وجوه جديدة دخلت من باب السياسة المفتوح الذي إذا دخلت به لا تعرف من سيدخل بعدك، لا تعرف هل سيكون مفتوحاً أم مغلقاً، فقط ادخل واحجز مكانك وحافظ عليه.
المعارضة السودانية هي كذلك في حيرة من أمرها لا تعرف من أين تبدأ أو إلى أين تنتهي، يوماً من الأيام قال أحد الأحزاب سلم تسلم، أين هذا الحزب الآن، وما هو مصيره؟ وقال حزب آخر الانتفاضة قادمة، أين هذا الحزب الآن.
كان المحرك الأول للسياسة السودانية المعاصرة شيئاً واحداً يسمى الدين، والآن تحول المحرك الأول للسياسة شيء آخر كل الناس تعرفه ولا أحد يعرف ما سيكون المحرك الأول للسياسة السودانية في المستقبل القريب دعك من البعيد، وهناك ملحوظة مهمة وهي أن تقسيم الاحزاب إلى أقسام وأحزاب صغيرة هو تكتيك سياسي ناجح، والصواب أن هذا التقسيم قد يستحيل معه الانضمام والتوحد من جديد، لماذا؟ لأن هناك مياه كثيرة جرت تحت الجسر.
أما الرمال المتحركة فهي شكل السياسة السودانية اليوم، انظر إلى تغيير المواقف، خذ مثلاً عاصفة الحزم في اليمن وكيف اثمرت على السياسة السودانية الخارجية وعلى ذلك فقس، فهناك تغييرات مستمرة على وجه السياسة السودانية.
مثال آخر، فوز المستقلين بالدوائر ، وهذا يدلل على أن الأمر خارج إطار السياسة المرسومة مسبقاً، وقد تغيرت الخارطة السياسية كلياً، وما كان صالحاً بالأمس ليس يصلح اليوم، وهذا الكلام ينطبق على كافة الأحزاب.
وبذلك تكون مقولة الطيب صالح الأديب المعروف قد ذهبت من غير رجعة وهي مقولته «من أين جاء هؤلاء؟» فكل الساسة أصبحوا هؤلاء، وسياسة البيوت الكبيرة والحيشان الصغيرة قد «فارقناها فراق الطريفي لي جملو».
الغريب في الأمر أن اغلب الناس يتجاهلون هذه الحقائق وخاصة الإعلام بكل صوره القديمة والحديث، اللهم إلا بعض رسائل الواتساب الذي عبر عن كل هذه الحقائق بوضوح تام وشفافية ونزاهة وحرية.
هناك بعض الساسة المخضرمين القدماء أصبحوا في عداد المفقودين وذلك لأن سوق السياسة رائج ومائج ومن خرج منه يصعب عليه الدخول، لذلك نقول لأمثال هؤلاء تقبلوا الأمر الواقع ولا تقاوموا سنن الكون الربانية وابحثوا لكم عن مصدر رزق آخر حلال والله أرضه واسعة والفيكم اتعرفت في الحكم والمعارضة.
الآن لا يوجد زعيم خالد وقائد يجمع عليه الناس، و لا توجد معارضة شريفة همها الأول حال المواطن.
يقال إن فلان يستطيع أن يحل مشاكل السودان، وفلان الفلاني بيده رأي الحركات المسلحة ، وعلان بيده الخلاص، وهكذا والصحيح أن كل ما ذكر خطأ.
أصبحت السياسة سوق، والإعلام سوق، والحرب سوق والمعارضة سوق، والمفاوضات سوق، والسوق سياحة وفرجه ومناظر، وكل ذلك معروف للكل.
السودان أكثر بلاد الله أحزاباً ، لا يوجد على ظهر الأرض بلد به أحزاب أكثر من السودان ومع ذلك لا يوجد بلد في العالم يساوي بين دخل غسال السيارات والدكتور والصيدلي ولقد ذكر البروفيسور حسن مكي مقولة قد حزت في نفسي وما تزال وهي المقولة «أن مرتب الأستاذ يساوي جركانة زيت» انتهى كلامه.
على كل حال، لقد انتهت فترة الاستكراد السياسي لأن المؤتمر الوطني الحزب الكبير اقتنع بأن السودان لا يمكن أن يحكمه حزب واحد مهما كان، وهذا يشير إلى أن هناك عدداً كبيراً من الساسة وليس سياسياً واحداً، والأمر الخطير في هذا الأمر هو أن كل سياسي ينتظر نصيبه من الكعكة السودانية.
وأصبح العالم مفتوحاً، وهذه نعمة كبيرة لكي يجد كل شخص ما يربحه من الخيارات السياسية والثقافية، رغم ذلك هناك بعض الساسة يظنون أن الأمور على ما هي عليه، ولا شيء جديد، ولكن سيدركون الحقيقة عندما يغادرون كراسي الحكم وينظرون إلى الواقع من مكان مرتفع.
الفترة المقبلة من دورة حكم المشير البشير، تختلف كلياً في الشكل واللون والرائحة عن الفترة السابقة، فقد جاءت عاصفة الحزم، واتجه السودان خليجياً ، وترك إيران، وهناك بوادر أمل مع أمريكا، والحركات المسلحة شاركت في السياسة والحوار، وأشياء كثيرة تعلمونها وأخرى لا تعلمونها.

أ. محمد الرحيمة
محاضر مدرب