إفريقيا دولياً.. صورتهــــا في الحقيقة أغمق مما تبدو عليــه في المرآة

الخرطوم : عبد الإله عبد الله
أنا من إفريقيا السمراء
صحرائها الكبرى وخط الاستواء
شحنتني بالحرارات الشموس
وشوتني كالقرابين على نار المجوس
فأنا منها كعود الأبنوس
وأنا منجم كبريت سريع الاشتعال
يتشظى كل ما اشتم على بعد تعال
التوصيف الإفريقي لصلاح أحمد إبراهيم للإنسان القارة ملمحاً وحلم حركات التحرر الوطني في الستينات والمارد الإفريقي الذي بدأ يتحرك لم يبق من الرؤى الكبيرة على المشهد الدولي إلا منجم الكبريت سريع الاشتعال، لتصبح الصورة الذهنية عن القارة قاتمة بالأرقام والتقارير وكل ما أضاءت الصورة من ناحية بصور مناضلين مثل مانديلا و قرنق، ومثقفين كسنغور وجون لونق و تشيبي، أطفأتها من جانب آخر لقطة المصور الجنوب إفريقي كيفن كارتر الذي فازت بجائزة بوليتزر الأمريكية عن صورة أيام المجاعة بجنوب السودان لطفلة أكلت المجاعة لحمها وعظمها وهي تلفظ أنفاسها وينتظرها نسر لتقضي حتفها كي يلتهمها لينتحر بعدها المصور بفترة تاركاً رسالته الصغيرة التي تلخص فحوى المشهد الأفريقي «تطاردني ذكريات حية من عمليات القتل والجثث والغضب والألم … لأطفال يتضورون جوعاً أو جرحى، من المجانين المولعين بإطلاق النار، أغلبهم من الشرطة، من الجلادين القتلة»
مراسلون ومواقف
يتعرض المراسلون و الصحفيون لكثير من المضايقات في القارة السمراء فقد قتل في العام الماضي فقط 14 صحفياً في القارة ويتعرض المراسلون والصحفيون المحليون للعنف والقتل والتهديد بشكل أكبر من غيرهم هذا بالرغم من أن الصحفيين الأجانب يمتازون بقليل من الحصانة حيث تتهيب بعض الدول العنف المباشر ضدهم.
وفي تطور للعنف أصبحت الجماعات المتطرفة في ليبيا على سبيل المثال تستهدف النشطاء من المدنيين الذين يمدون القنوات بالأخبار والتصوير الميداني عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
واحتجت دولة مثل ليبريا على تغطية شبكة بي بي سي للحرب الأهلية وإعطائها زمناً في البث أطول من المطلوب مما دعا البعض بتسميتها بحرب البي بي سي.
الصورة الذهنية:
يقول الصحفي خالد عويس بقناة العربية الصورة الذهنية النمطية هي صورة الجهل والمجاعات و التخلف والاستبداد وهي صورة كرستها وسائل الإعلام الغربي والسينما علاوة على الحكومات الإفريقية والجماعات المسلحة المناهضة لها. هذه الصورة أفلح في تغييرها إلى حد ما قادة من طراز مانديلا وأدباء وفنانون من شاكلة وول سونيكا والطيب صالح وإبراهيم الكوني وتشينو أتشبي لكن هذه الجهود ليست كافية.
النهضة الإفريقية تبدأ من التعليم المحيط الذي يخاطب القارة في عمقها التاريخي وحضارتها العظيمة ويخاطب إنسانها في بعده الوجودي ويخاطب حاجتها التنموية.
وحول تنامي الانتهاكات في القارة يقول عويس: لاشك أن العقد الأخير شهد انتهاكات مروعة بحق الصحفيين حول العالم على يد الحكومات والجماعات المتطرفة على حد سواء. والحكومات الديكتاتورية تريد صحافة مدجنة طائعة تسبح بحمد الحاكم، والمتطرفون يرون الصحافي شيطاناً يجب قتله. شهدنا عمليات القتل وامتهان الكرامة والاعتقال في بلدان كثيرة حول العالم، و العالم يشهد الآن تراجعاً مخيفاً في الحريات الصحفية حتى في الغرب لتحالف رأس المال العامل في حقل الإعلام مع الحكومات والشركات الكبرى. وصحيح أن وسائل التواصل تمثل إعلاماً بديلاً، إنما دون أسس ومعايير صحفية.
وحول الجوائز المرصودة للحكم الراشد في إفريقيا يقول خالد أن الجوائز تشجع فحسب على الحكم الرشيد لكنها لا تقيمه، والمخرج الفكري والسياسي هو تعليم ديمقراطي يشجع على التعايش وكفالة الحقوق والحرية ومعرفة الذات وحكومات ومجتمعات ديمقراطية تؤمن أن التبادل السلمي للسلطة هو الحل.
والعلاقة في أي مجتمع صحي وحكومة تتسم بالعقلانية هي علاقة قائمة على فصل السلطات واحترام الصحافة كسلطة رابعة مستقلة تمام الاستقلال. وحين يغيب هذا المعيار تصبح الصحافة جزء من السلطة التنفيذية شاءت أم أبت وهنا تتحول إلى البروباغندا وتمسي مثل صحافة النازية والفاشية.
يقول الأستاذ طه يوسف حسن الصحفي والإعلامي بالأمم المتحدة بجنيف حول قتامة الصورة الإفريقية بين ثالوث (الجهل – الفقر والمرض) و البدائل وأفق تغير الصورة …
أفريقيا هي الموارد والعبث، وأوروبا هي المرواغ الذي يتاجر بقضايا حقوق الإنسان ، أوربا تريد إفريقيا أقل غضباً وأقل خطرًا وأقل طمعاً و إفريقيا تريد أوربا القاضي الذي يحكم في قضاياها الداخلية من هنا تكونت الصورة النمطية لإنسان الغرب عن إفريقيا و ارتبطت الصورة الذهنية للقارة السمراء عند الرجل الأبيض بالجهل و الفقر والمرض كل من الطرفين (الغرب و إفريقيا) لعب دوراً محورياً في ترسيخ هذه الصورة النمطية لدى المواطن الغربي ، ديناميكية الأحداث في إفريقيا من انقلابات عسكرية و عدم الاستقرار الاقتصادي و السياسي و حتى الاجتماعي أكد ما تردده و سائل الإعلام الغربية عن الوضع المضطرب الذي تعاني منه إفريقيا و في المقابل هذه الوضعية تتناسب مع الطرف الآخر ( الغرب) الذي يُرِيدُ أن يكون الوصي دائماً على تلك القارة الغنية بمواردها و الفقيرة بسياساتها و نظرتها للمستقبل.
تغيير الواقع الإفريقي يحتاج إلى عقول متحررة لا تحمل جرثومة الاستعمار عقول مؤمنة بما تحمله القارة السمراء في بطنها من خيرات لا تحتاج إلى عملية قيصرية يجريها رجل الغرب و إنما تحتاج إلى من هو وطني يستخرج ذاك المولود الواعد دون تشويه لخصر القارة السمراء ، الوطنية التي تنعدم في بلادنا إن توفرت و توفر لدينا قادة وطنيون سيحدث التغيير إلى عالم أفضل تتمتع له إفريقيا كما أن الإعلام الإفريقي يجب عليه أن يتمرد ليخرج من أسوار المحلية إلى آفاق العالمية ليِعرًف الآخرين بالوجه المشرق للقارة الإفريقية و ينبه العالم للدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه إفريقيا من تأمين الغذاء و دور إستراتيجي تتميز به القارة جغرافياً.
ما صنع الحداد:
وعن علاقة الاتهام المتبادل بين المراسلين و الصحفيين المحليين والدوليون … مع الحكومات الإفريقية .. يقول أستاذ طه بين الحكومات الديكتاتورية و ما أكثرها في إفريقيا و الصحافة ( ما صنع الحدّاد) العلاقة بين الصحافة المحلية و الحكومات متأزمة ،بعض الحكومات الإفريقية لها خطوطها الحمراء ـ لا يستطيع الصحفي تجاوزها هي مجموعة تابوهات و ممنوعات تحول بين الإنسان وحرياته المشروعة والمتنوعة في التعبير عما يريده ويفكر فيه وينجزه في حياته ،
الصحفي لديه هامش حرية يريد أن يتنفس فيها و يعكس ما لديه من وجهة نظر أحياناً تعبر عن الشارع و الواقع و من هنا تبدأ المعركة بين الحكومة و الصحفي في هذا الهامش من الحريات الذي يكون أحياناً هامشاً ضيقاً و لابد من الإشارة إلى أن الأمم المتحدة لم تحدد هامش حرية التعبير ولم ترسم المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة حدود حرية التعبير و ترك باب الاجتهاد مفتوحاً و لهذا تجد الحكومات تُفصّل هامش حرية التعبير حسب قميصها السياسي مما يجعل الحرب مستمرة بين الحكومات و الصحافة في القارة الإفريقية.
أما العلاقة المتأزمة ما بين المراسلين الصحفيين و الحكومات الإفريقية ذلك لأن الصحافة الغربية اعتادت على نقل الحالة السلبية للبلدان الإفريقية و تتجنب دائماً نقل ما هو إبجابي و « الصحفيون في الغرب محميون بالقانون والتشريعات والنقابات المهنية القوية ومؤسسات المجتمع المدنية « فلذلك تجد أن جزء من طبيعة العمل الصحفي في الغرب تقتضي جرعة من الإثارة والغرائبية، باعتبارها من أركان المادة الصحفية الخبرية، وهناك مدارس صحفية متعددة في هذا الأمر، تحاول بعضها موازنة جرعة الإثارة بالعناصر والأركان الأخرى للمادة الصحفية بنسب متفاوتة، بينما تعتمد الأخرى على الإثارة كعامل أساسي وحيد، وتسعى وراء ذلك بكل ما تستطيع فلهذا يحرص الصحفي الغربي على نقل ما يتفق مع مؤسسته الإعلامية بقدر المستطاع.
وحول مستقبل صورة القارة بواقع الإرهاب في ضوء تطور أساليب العنف الذي يتحمله الإعلاميون في إفريقيا يقول ان تناقضا صارخا لا استطيع فهمه حتى اليوم، ذلك ان أي مشروع سياسي أو فكري او فسلفي متحرراً يُعتبر خطا احمرا.. و من ينتقده يعتبر مارق أو إرهابي و أي تهمة كفيلة بجعله تحت رحمة قانون الدولة.
للأسف الشديد بعض الحكومات تقوم بإلصاق تهمة الإرهاب بالصحفيين الذين يدافعون عن قضايا مصيرية مثل انتهاكات حقوق الإنسان أو الحريات أو كشف عن ملفات فساد فهولاء الصحفيون تصفهم بعض حكوماتهم بالإرهابيين و يزجوا في السجون سنين عددا دون محاكمة ، واحدة من إخفاقات الأمم المتحدة أنها لم تضع حتى هذه اللحظة تعريفاً شفافاً للإرهاب فتحت باب الاجتهاد للدول التي تفسره حسب أمزجتها السياسية و كما هو الحال في وضع حدود وفواصل لحرية التعبير هاتان القضيتان لم تفلح الأمم المتحدة حتى الآن في حسم أمرهما و تركهما لأمزجة الحكومات التي استغلتهما أسوأ استغلال في تصفية الحسابات مع الصحفيين.
جزء من الأزمة أم الحل؟:
الإعلاميون الأفارقة في مؤسسات الإعلام الدولية .. جزء من الأزمة .. أم جزء من الحل .. هل هناك تنظيمات وهياكل وتنسيق .. للإجابة يذهب طه الى أنه لا يعتبر الإعلاميين الأفارقة جزء من الأزمة و لن يكونوا جزاءاً من الحل لأن كثير من قضايا الدول الإفريقية في خزينة الحاكم فجميع الملفات حتى الرياضية منها في إِفريقية أصبحت مسيسة فلذلك يظل الحل سياسي هو الحل المفروض حتى منظمات المجتمع المدني في دولنا لا تملك مفاتيح ملفات كثيرة لتعالجها كل شئ متروك لسلطة الحاكم.
وجود الإعلاميون الأفارقة في كبريات المؤسسات الإعلامية لا يغير من سياسة المؤسسة الإعلامية تجاه الدولة الإفريقية و لكن ربما يستطيع الإعلامي من خلال مبادرات فردية لعمل تقارير وثائقية أو مقالات تحليلية عن قضية إيجابية في إفريقيا لأن المؤسسات الإعلامية الغربية في الغالب لا تبادر بالنشر الإيجابي عن إفريقيا إلا بمبادرات من طرف أخر .
وكما تعلم أن عالم اليوم يعيش حالة من انفصام الشخصية (شيزوفرينيا) وسعياً للخروج من هذه الوضعية يجب أن لا تبحث إفريقيا في تحسين صورتها عبر مرآة الغرب فيجب أن تسعى الدول الإفريقية متحدة في خلق مؤسسة إعلامية ضخمة تساهم في نشر ثقافتها و حضاراتها القديمة و التعريف بمخزونها من الموارد الطبيعية و للدفاع عنها في المنابر الدولية.
حول الإعلام في إفريقيا يقول الأستاذ إسماعيل طه حول نفس الموضوع في الوقت الحاضر مع وجود داعش والتي أعتقد أنها يهودية والغرب يترك لها حرية الحركة وإلصاق تسمية الإسلام بها لا أعتقد أن الصورة العامة يمكن أن تكون مشجعة.
ولكن إفريقيا جاءها الغرب عندما أدرك الثروات الكامنة بها وراء البحار وحضر إليها وأخذ منها الأيدي العاملة بأعداد كبيرة إلى الدنيا الجديدة أمريكا ليجعلهم فيها عبيداً، ولكن السود الأفارقة صار لهم شأو كبير لهم شأو في كل شيء في الولايات المتحدة والعالم يعرف اثنين من كبار المدافعين عن حقوق السود وحرياتهم أحدهم مسلم وهو مالكوم أكس الذي إلتقيته وحضر إلى السودان والتقيت أسرته بعد اغتياله في المركز الإسلامي بسويسرا ، والآخر هو مارتن لوثر كنج صاحب حركة الحقوق المدنية.
وعن إفريقيا في شبكة بي بي سي يقول الخبير الإعلامي الأستاذ إسماعيل طه أن القسم الأفريقي في شبكة بي بي سي أكبر من القسم العربي فيها ويبلغ عدد الإذاعات الموجهة بها 39 إذاعة لازالت قائمة بلهجات ولغات مختلفة مثل الهوسا والسواحيلي ، ويبلغ الاهتمام تخصيص إذاعة للصومال مثلا لوحدها ، وهناك ضحايا من المراسلين والصحفيين في إفريقيا أفارقة وأوروبيون، ورغم ما يتعرضون له لم يؤثر ذلك في حياد بي بي سي وهذا ليس دفاعاً وإنما هذا ما عرفته ورأيته. وقد كان مراسلو القسم الأفريقي يراجعوننا ويسألوننا، ورغم هذا التعدد في الإذاعات فإن قاعة نشرة الأخبار واحدة.
وحول الإرهاب ضد الإعلاميين ومصادرهم وتتطور ووسائله يقول الأستاذ إسماعيل
هذا يتوقف على المحطة نفسها، هل تؤمن المحطات الحراسة الكافية لهم وكذلك تدربهم ، فمثلاً بي بي سي عندما تبعث أحد إلى مناطق شغب ونزاعات تدربه تدريباً كبيراً يشمل حتى التدريب على السلاح وتعطيه من الأموال لا يحتاج لشيء في أي ظرف، فمثلاً عند قيام الثورة في ليبيا مراسل ال بي بي سي الإنجليزية وكان في إسبانيا سمع بما يحدث في طرابلس وقام بتأجير طائرة وكان يوم أحد وهو يوم إجازة ونزل بها في مطار طرابلس وعمل لتقريره. وهذا يدل على أن العمل الإعلامي يحظى باحترامه لدى هؤلاء الناس رغم أصلا ليس لديهم وزير إعلام.
ويقول عن علاقة شبكة بي بي سي بحكومة الإنقاذ بأنه لعب دوراً في هذه العلاقة بلقاءات عدد من المسئولين في العام 2002 وقد حضر معه إلى السودان كمون ماكميلان مدير بي بي سي الذي تقاعد قبل سنوات وقتها قال ماكميلان .. جهز بيتك .. ربما يكون مقر بث الشبكة..