أمري الجديدة..المدينة المنكوبة

تحقيق : فائز عبد الله
لم نتوقع في رحلتنا التي امتدت من الخرطوم عبر طريق شريان الشمال لمنطقة أمري أن نكتشف معاناة أهلها من بحيرة سد مروي الذي منحتهم فيروس الموت الكبد الوبائي بمياه ملوثه بداخلها مخلفات الحيوانات النافقة وروث الدواجن والحياة البائسة التي تعلن باستيطان الفيروس ليتكاثر داخل أجسادهم المرهقة من تعب الحياة في المنطقة.. فكانت حسرة وخيبة أمل على قلوبا «من لحظة الاستمتاع بالرحلة فهنا اخترقنا أحساس التزمنا الصمت لدقائق، وترك في عقولنا تساؤلات حائرة وسط الزملاء، فالكل ألتفت لوجه الأهالي فارتسمت أسئلة يتصاعد منها النفس الحار فوقفت مدير التعليم الحاجة فائزة والشاب ربيع وعضو اتحاد المزارعين محمد عطية والمواطنين ومسؤلي اللجان الشعبية والوحدة الإدارية مبتسمين رغم الآهات المكتومة داخل القلب لم نكن نعلم أنهم يستغيثون منذ 5 سنوات دون أذن صاغية..
وفجأة انهمرت علينا الإجابات دون أن نبتدر أسئلتنا، فالكل يستغيث بكلمة واحدة المياه الملوثة بالحيوانات النافقة وروث الدواجن للشركات العاملة في المنطقة هنا أدركنا حجم المعاناة والخطر المحدق بتلك المنطقة، لتصبح بؤرة لانتشار الأمراض وتكون كارثة بالبلاد لا يجبرها مئات المليارات..

الترعة الملوثة
أقدامنا أمري بحفاوة أهلها وكرم الجينات الوراثية كانت الساعة تشير الى الوحدة ظهراً، وكانت المنطقة تتأهب لعقد قران أحد أبنائها فما بين المعاناة و(زغاريد) النساء، كانت هناك أصوات تصف أن أمري التي تتكون من خمس قرى دقت ناقوس الخطر.. فبعد أن وقع أهلها في شباك وحدة تنفيذ السدود مروي التي تغولت على أراضيهم وتم ترحيلهم الى أمري الجديدة، وطمس هوية الدور الفعال للجان الأهلية والشعبية والوحدة الإدارية المختص بها التي استهدفتها أدارة السدود أحدثت حالة من الاكتئاب وسط مواطنين «أمري « فما بين الوهن والبحث عن الحقوق وقفت نبرات حارة من أهالي منطقة أمري مليئة بالمعاناة والمصير المجهول، ورغم كل الآهات لا يزالوا يطمحون في المياه النقية والخدمات الأساسية من الصحة وتعليم لا سيما وأن أصواتهم المستغيثة لم تجد أذانا» صاغية فكل المحاولات باءت بالفشل لإنقاذ المنطقة من الوباء الذي قد يستوطنها وأكد الأهالي ان هناك حالات تم فحصها وثبت أنها مصابه بفيروس الكبد الوبائي الذي يخيم في المنطقة من إفرازات بحيرة الأسماك والترعة الملوثة.. كانت تلك كلمات المنكوبين من مدينة أمري الذين تلظوا بنيران التهجير السالبة فتترجمت معاناة في أتون القرية واحد وأثنين وثلاثة وأربعة وخمسة.. «ألوان»وقفت هناك لتتنقل ما بين ترعة المياه الملوثة والمستشفى وبساتين النخيل لتكشف عن المعاناة برفقة عضو اتحاد المزارعين محمد عطية والشاب ربيع سليمان المسئول عن تدوير الطلمبات لتغذية المشاريع والمواطنين وما خلفته تلك البحيرة الملعونة، حسب وصفه وهو يكبت في دواخله الكثير من الأزمات.. وقال منذ فترة طويلة أسمع ولا أتحدث فقلت له حدثني عن تلك المياه فجأة خلع حذاءه ودخل الى الترعة ، وخرج ممسكاً بحيوان نافق من فصيلة الأغنام والرائحة تنبعث منه، فسألته منذ متى وانتم في هذه الوضعية والمعاناة؟ فبادرني بابتسامة تخفي خلفها ألما وقال (أدمنا تلك المياه ونحن نرضي بالمكتوب هذا نصيبنا ولقد طالبنا الجهات المسئولة منذ أكثر من 5 سنوات فلا تأتينا إلا شعارات وكلمات لا تسمن ولا تغني من جوع والوضع كما هو منذ أن تم تهجيرنا الى منطقة أمري)..
الطلمبة الضخمة في وسط القرية كانت دليلاً على تكذيب الرجل ، قبل إن يرفع بصره إليها وقال (متوقفة منذ 5 سنوات تفتقد لإسبيرات والوقود الذي يديرها).

الموقع:
تقع منطقة أمري داخل محلية مروي، ويبلغ سكانها حوالي 25 ألف نسمة ويمثلون 28% من مجموع المتأثرين بقيام سد الحماداب « مروري « وهي الحامداب ـ أمري ـ المناصير « وتمثل المجموعة الثانية ضمن برامج التهجير الذي مثل الحلقة الثانية في سلسلة معاناة المنطقة في ظل نقص الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه.

المياه المميتة:
أشار عضو اللجان الشعبية الشيخ الياس بأمري الى أن المواطنين رحبوا بتهجيرهم في العام 2006م وكانوا يتطلعون الى وضع جديد وحياة راقية تريحهم في المنطقة الجديدة، تضمن لهم مستقبل أطفالهم، وأنهم الى الآن لم يجدوا تلك الأماني التي من أجلها قدموا التضحية بترك أرضهم «أمري « القديمة، وأضاف( المنطقة تواجه خطر بحيرات سد مروي) ووصفها الياس بالكارثة، وأكد أنهم تفاجئوا بعدم تنفيذ الوعود التي وعدتهم بها وحدة تنفيذ السدود وعدم التزامها بإعادة حقوقهم الشرعية، وأضاف الياس ان الأهالي لم يتم منحهم حقوقهم الشرعية المتمثلة في الحواشات والمنازل والبيئة التي تمنحهم الحياة بجنب الخدمات الأساسية الصحة والتعليم والمياه التي تفتقر المنطقة، ولعل ما ذهب إليه الشاب ربيع سليمان المسئول عن تدوير المياه للمشاريع بالمنطقة، قال أن المواطنين يشربون من الترعة التي تكون بها المياه راكدة لمدة 5أسابيع ، وتصل المياه وبداخلها بقايا حيوان وروث دواجن النيل بمروي وأكياس البلاستيك وأضاف ان الأهالي يعانون من تلك المياه الملوثة منذ أكثر من 5سنوات .
تفشي الأمراض:
وقال الأهالي لـ(ألوان) أن أسباب تفشي الأمراض بالمنطقة هو مياه الترعة التي خلفتها بحيرة السد وأنها السبب الرئيسي في أنشار الكثير من الأمراض الوبائية مثل مرض الكبد الوبائي والبلهارسيا وأمراض اخري، وأوضح الأهالي غياب الكوادر الطبية التي تقوم بعلاج المرضى مؤكدين المنطقة بها طبيب وأحد يقوم بمعالجة المواطنين وان مصابهم لا يتلقى العلاج الكامل لنقص الإمكانيات بالمستشفى .
دمار المشاريع:
وقالوا أن المنطقة بها ما لا يقل عن ثلاثة ألف حواش تفتقر للري والمياه التي تساعدها على سقي الزراعة، وان المغروسات التي كانت موجودة داخلها قد تعرضت للتلف نتيجة عدم وجود مياه للري وأوضحت ان الكثير من الأسر تعاني من نقص المياه النقية تساعدهم علي الحياة ووصفوا منطقتهم بأنها تتعرض للإهمال .

اعتراف الوحدة:
ولعل ما أقر به رئيس الوحدة الإدارية لأمري محمد الرشيد ان تلك المخاطر موجود ومتمثلة في مياه الشرب والصحة والتعليم، وقال أن المياه خطرة وبها مخلفات من الحيوانات، إلا انه أرجع هذه الاخفقات لعدم توفير الإمكانيات و التزام المسئولين بالوعود وأشار الى ان الدور المناط للوحدة الإدارية متوقف لعدم توفر الإمكانيات التي تساعدهم في تقديم الخدمات الأساسية موضحا» أن وحدة أمري ليس فيها أدارة مسئوله، بل أنها في الخرطوم وأن أدارتها تغولت علي الموارد المنطقة في غياب الخدمات الأساسية، وأضاف أن جانب الصحة غياب تام لعدم وجود الكوادر التي تساعد المواطنين، كما قال عضو المتأثرين عبد الرؤوف الحسن بدأ حديثه منفعلا ، وقال أن أمري تعاني من نقص المياه، ومنذ أكثر من 5سنوات وحتى المياه التي يتم استخدامها ملوثه وتحمل فيروس الكبد الوبائي القاتل ولا يوجد مصدر أخر للمياه غير الترعة.

التعليم والحواشات:
وأشار عضو اتحاد المزارعين محمد عطية أن المنطقة منذ تأسيسها في لم تكن هناك خدمات أساسية، وأضاف أن الحواشات التي منحت الى الأهالي تعرضت للجفاف بسبب نفاد المياه التي تسقى بها وحتى المياه التي تتوفر لم تكن كافية لتسقي الحواشات مما ترك الأرض جافة واتهم عطية اللجان الشعبية وغياب دورها الذي يتمثل في توفير الخدمات الأساسية لسكان وأضاف أن اللجان تعمل علي حجب الحقيقة والمعاناة للمواطنين مع الوحدة الإدارية، وقال أن هناك جهات تسعي لتسييس القضايا الاجتماعية وزجها الى مشاكل سياسية، وأكد أنهم يرفضون تلك الجهات التي تسعى الى تسييس قضاياهم الاجتماعية .
أما ما ذهبت إليه مدير التعليم بمنطقة فائزة حسب الجابو أن التعليم بالمنطقة يفتقر الى الكوادر المؤهلة والبيئة الدراسية، وأن المدارس في المنطقة تعاني من عدم الترميم وبها مدارس تبعد 5 كيلو، وليس هناك وسيلة لترحيل الطلاب، إضافة أن المنطقة تأتي علي رأس الولايات في نتائج المراحل الدراسية دون تقديم المناهج التي تؤهلهم ويدخلون المرحلة الثانوية ويتم فصلهم من المرحلة لافتقدهم الوعي الكافي بمقررات المنهج الدراسية الضعيفة .

رأي واحد حول “أمري الجديدة..المدينة المنكوبة

التعليقات مغلقة.