منتهى الأمل

ثمة علاقة تربط بين الروح والحالة النفسية.. عندما يكون الجانب الروحاني في حياة الإنسان ممتلئاً بحب المولى جل في علاه وذكره وشكره وأداء عبادته على الوجه الأتم.. هذا من شأنه أن يمدك بطاقةٍ لا مثيل لها.. صفاء في الذهن.. قوةٌ في التركيز.. ثقة في النفس.. إيمانٌ بالممكن.. تحس أنك تستطيع تحقيق أهدافك.. تشعر أنك حقاً إنسان مميز وله بصمة في الوجود.. تحس بقيمتك الفعلية أنك موجود روحاً كما أنك في الأصل موجود جسداً.. إن الوجود الروحي يعطي وجودنا قيمته الحقيقية.. ويضفي على هذا الوجود بعداً أعمق.. مما ينعكس على الحالة النفسية ويجعلنا في حالة استقرار كامل واتزان نفسي رائع.. وهذا ما نرهق أنفسنا من أجل تحصيله.
اعلم أيها الإنسان أنك مشدود بين الأرض والسماء بين نزوات الجسد وارتقاء الروح.. وكأنما ثمة خيوط لا مرئية تشدك نحو السماء بيد أنه هناك حبال تجذبك نحو الأرض..فأنت بين شدٍ وجذب.. تجسيداً لصراع الخير والشر الذي يستوطن الذات الإنسانية… وها نحن ذا تتقاذفنا الأهواء والأمواج المتلاطمة في بحر الحياة.. كل منا يحب نفسه وكل منا يريد لهذه النفس سعادة تخرجها عن هذا الشقاء.. وهذا شيء فطري… نتفق فيه جميعاً كبشر.. ولكن يا أعزائي فإنا جداً مختلفون في مفهومنا وتصورنا عن معنى السعادة.. فالبعض يورد نفسه موارد الهلاك ظناً منه أنه بذلك يسعدها ففي حقيقة الأمر هو يقتلها…
أنا أحب نفسي… أنتَ تُحِبُ نفسك… أنتِ تحبين نفسكِ… ولكن هلا توقفنا قليلاً وطرحنا هذا السؤال؟ لماذا إذن هذا ناجح وذاك فاشل؟.. هذا منطلق في حياته يقفز من نجاح إلى نجاح، وذاك يرسف في أغلال الفشل تغزوه الأوهام وترمي به في قرارٍ سحيق؟ لماذا هذا التفاوت في أوضاعنا النفسية ونحن جميعاً نحب أنفسنا ونريد لها الراحة والسعادة؟
إن السعادة معنًى عميق من معاني الحياة متأصل في ذواتنا.. مركوز في أذهاننا.. ولكن يختلف إدراكنا لمعنى السعادة… إذن يمكن القول أن السعادة معنى نسبي من معاني الحياة…يقول كوشيدو كوندو أحد رواد التنمية البشرية: «أن أجلس في مكانٍ مريح على أضواء الشموع وأقرأ وأتعلم من أفكار الأجيال السابقة، يمثل لي سعادة بلا حدود».
لكن ثمة ارتباط بين السعادة والعطاء … إذ أن منبع السعادة الحقيقية هو العطاء، نعم العطاء بلا قيدٍ ولا شرط، فكم سعيدة هي الشمس حينما تهبنا الضياء وتمدنا بالدفئ فتقوى أجسامنا ونواصل المسير.. وكم فَرِحَةٌ هي الأشجار ونحن نستظل تحت أغصانها المعمورة بأوراقها وكم هي سعيدة النحلة وهي تمنحنا ذاك الشراب المحلى الذي نرتشفه ونعالج به أسقامنا بلا مقابل سوى استجابتها لأمر ربها .. يقول الحق جل في علاه: « وَأَوْحَى رَبكَ إلى النَحْلِ أنِ اتخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتَاً وَمِنَ الشَجَرِ ومما يَعْرِشُون* ثُم كُلِي مِن كُل الثَمَرَاتِ فَاسلُكِي سُبُلَ رَبكِ ذُلُلَاً يخرجُ من بطونِها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ ألوَانَه فِيهِ شِفَاءٌ للنَاسِ إن في ذلكَ لآيةً لقومٍ يتفكرون»..
ولما كانت السعادة تنبع من العطاء كان الحب كعاطفة إنسانية مصدراً للسعادة.. أنا أحبك أكثر، أنا أعطيك أكثر…إذن أنا في قمة السعادة…
الكثير يعلق سعادته بأشياء مادية وأسباب وهمية وحبال بالية.. فالبعض يعتقدها في الصفقات الباهظة والأموال الطائلة والعربات الفارهة والمقاعد الوثيرة والثياب الناعمة والأحذية اللامعة فيرهقون أنفسهم ويؤرقون أعينهم وويبذلون جهدهم في الإرتقاء عبر حبالٍ واهية إلى مطالبهم الغالية حسبما يعتقدون فيسقطون في أول محاولة للصعود ضحايا لحماقتهم وجهلهم.. إنهم والله ما عرفوا للسعادة معنى وما وجدوا لها سبيلاً… جنيهاً تتصدق به إلى محتاج… دمعةً تسكبها انكساراً بين يدي مولاك وأنت تناجيه… حبك للناس من حولك يهبك من السعادة ما لم تستطع جوانحك تحمله! ويمنحك من الإحساس ما لم تستطع لغتك ترجمته وكأنك تحلق عالياً في الأفق بأجنحة من الفرح تتوحد مع الهواء في سعادةٍ لا حدود لها.

عمر عبدالرحمن إبراهيم