قصة قصيرة – خيال قاتل

محاسن الجاك
بعد أن جلست على دخان خشب الطلح المحترق , فركت جسدها بتلك العجينة الناعمة , فغدا لونها كأنه سنبلات قمح ناضجة تنتظر الحصاد , تحت أشعة الشمس الذهبية . أما رائحتها فصارت مثل عطر حدائق الورد في منتصف الربيع . خرجت لقضاء بعض شأنها , وكان الوقت صباحاً .. أما هو , فقد كان يجلس عند زاوية الشارع , أذهله ما رأى ما استنشق فالتفت نحوها يتابعها بنظراته حتى غابت في انحناءة الطريق .
سناء ذات الخمسة وعشرين عاماً , متزوجة منذ أكثر من عامين لابن خالتها , المغترب بدول الخليج , أما عاطف , ابن الجيران , هذا المتيم صاحب النظرات , فقد عاد من بلاد العم سام , بعد غيبة امتدت لعشرة سنوات , ذهب إليها وهو في العشرين من عمره , لدراسة الهندسة , حسب رغبة والده الميسور الحال , عاد وقد امتهن الفن والتشكيل , موهبته الكامنة فيه منذ الصغر , كان يحمل لوحاته , والتي وصفتها الأسرة التي أصابها الإحباط بأنها جنون وخربشات , وسنوات ضاعت في الغربة سدى
ظل عاطف يراقب سناء , والتي كبرت في سنوات غيابه من بعيد , وهي غير منتبهة , ولا مبالية , وهو في كل يوم يزداد حباً وولهاً لها . كان بعد أن يراها بعد جولته في الحي الصباحية , يذهب إلي غرفته ويغلقها عليه طيلة النهار , لا يأبه بصيحات والدته لتناول الطعام , أو مقابلة الزوار .
في أحد الأيام وصلته رسالة من أحد أصدقائه , يدعوه للمشاركة في معرض للتشكيل يقام في أحد غاليريهات العاصمة , ببعض لوحاته المميزة فقد كان صديقه يعرف موهبته وتميزه في الرسم والتشكيل . وصل العاصمة وفازت إحدى لوحاته بالمشاركة ضمن كبار الفنانين في المعرض
كان جمهور المعرض كبيراً , وخاصة من الشباب , ومن بينهم ( خالد ) , جارهم , والذي باعدت بينهم السنون , والذي اهتم بلوحة عاطف , تلك اللوحة التي تمثل شابة في قمة الجمال , في نصفها الأعلى وقسمات وجهها البارزة . سأله خالد الذي لم يعرفه عاطف عن ثمن اللوحة ؟ قال له بأنها ليست للبيع , وأنها لشخص عزيز على قلبه . بعدها عاد لمدينته , وهو في أشد الشوق لرؤية سناء في جولاته الصباحية . ولكنها لم تظهر أبداً , سأل عنها والدته كواحدة من بنات الحي , أخبرته قد سافرت لتلحق بزوجها في بلاد المهجر .
حزن عاطف ذو الحس الرومانسي الرقيق , حزناً شديداً , عافت نفسه الطعام , وجافاه المنام . وهو يجلس ساهيا علي كرسي خارج المنزل , اقترب منه أحد الشباب , حياه , تذكر بأنه الشاب الذي أراد شراء اللوحة , وقف عاطف لتحيته , فقد عاد بذاكرته , وتذكر طفولته , إنه … وفجأة وهو يحتضن عاطف , أخرج سكيناً وغرسها في صدر عاطف , وهو يقول : إن أعراض الناس لا تعرض في اللوحات , وبصوت واهن قال له عاطف , لقد فهمتني خطأ فأنا لم اقترب منها ولم أكلمها أبداً , ثم أغمض عينيه إلي الأبد .

رأي واحد حول “قصة قصيرة – خيال قاتل

التعليقات مغلقة.