فضل الله محمد.. رجل (ثلاثي الأبعاد)

الخرطوم: أكرم الفرجابي
(من أرض المحنة.. من قلب الجزيرة) جاء فضل الله محمد، حاملاً حقيبته وبضعة أحلام وردية بمستقبل أفضل، بعد قبوله في كلية القانون بجامعة الخرطوم، ضمن دفعة ضمت (40) طالباً، تخرج منها (17) طالباً فقط، وطغت في تلك الأيام وبعدها بصمة الشاعر على شخصية فضل الله، وأصبح الاسم الأكثر حضورا في مخيلة شعراء الأغنية السودانية، فهو نتاج أصيل لتربة الجزيرة الخضراء أرض المحنة التي أرسل منها قبل نصف قرن من الزمان إلى (المسافر أشواقه الكثيرة)، لذلك أصبحت قصائده مع ألحان الموسيقار الكبير باشكاتب الأغنية السودانية محمد الأمين أغنيات متجذرة في وجدان وطن وارف الظلال، وذات عباءة عاطفية طرزها بحرفنة شديدة ونبل جعلت ثمار أشجاره أكثر طزاجة، على الرغم من مرور العقود.
لعل أهمية شاعرية فضل الله محمد كبعد أول في شخصيته مصدرها أنه نموذج حي للشاعر المثابر، الذي عكف على طبخته الشعرية الخاصة، بصبر وإناة غير ملتفت لطبيخ مائدة القصائد المغناة السائدة بكل فحول وأفذاذ القصيد، والأستاذ فضل الله أيضا أكثر شعراء الأغنية السودانية قدرة على إثارة الدهشة عبر الجملة الشعرية القصيرة المتزنة، وعبر قيمة متحركة حميمة من قيم الوطن ونبضه، تكاد تراه في قصائده يتحرك على قدمين مثل عامل بسيط يحمل ألته داخله، وإن لم يحملها على كتفيه، ليملأ حياتنا بالبساطة والتفاؤل، وقد عمل فضل الله محمد بعد تخرجه في الجامعة المحاماة لعام واحد، ثم انتقل إلى ديوان النائب العام، وعمل فيه لعام آخر.
البعد الآخر في شخصية الأستاذ فضل الله محمد يكمن في الصحافة التي أبدع فيها، حيث نجح شيخ الصحفيين الأستاذ محجوب محمد صالح في نقله من حوش النائب العام الضيق، إلى فضاء الصحافة الرحيب، نقلا نهائيا إلى مهنة النكد، وهكذا توزعت بصمة فضل الله محمد بين الصحافة والقانون والشعر، ولطالما صرح الأستاذ فضل الله محمد أنه تلميذ للأستاذ محجوب محمد صالح، حيث كانت أولى خطواته في مهنة البحث عن المتعب بدار (الأيام) التي كان يشرف عليها الأستاذ محجوب محمد صالح، وعمل معه في مجلة الحياة. وهكذا تجد فضل الله كثير الامتنان لتجربه تتلمذه وعمله مع الأستاذ محجوب محمد صالح كأحد الذين أثَّروا في حياته.
أن الصحافة عندما تدخل في صراع الأحداث ومواجهات السياسة تصبح من صناع التاريخ، حيث لا تقف عند مستوى المشاهدة بل تكون جزءا من مسيرة الأوضاع، وتلك خاصية تنقل مكانة الصحافي إلى أستاذية المؤرخ الذي شارك وكتب وأصبح مرحلة من الزمن لا يمكن تجاوزها عند مراجعة سجل العلاقة بين الصحافة والتاريخ، ففضل محمد، كان جزءاً من انتفاضة أبريل المجيدة، عندما كان رئيساً للتحرير بصحيفة (الصحافة)، غير أن فضل الله الشاعر يطغى على الصحافي، والشاهد أن كتاباته ليست مجرد حروف سوداء تتلاصق مع بعضها، بل هي كائنات تصرخ، وتغرد، وترعد، دون أن تفتح فمها، من يريد أن يتعمق في تأثير فضل الله في الصحافة السودانية، عليه أن يتقصى سيرة تلاميذه الذين أصبحوا أصدقائه، وهم كثر ونجوما بارزة في الصحافة السودانية والعربية والدولية، لأن الدرس الأول الذي يلقنه لك أن يقمع الصحافي غريزته الفطرية إلى النجومية، ويروِّض نفسه على أن مهمته أن ينقل للآخرين الأحداث والوقائع وليس إخبارهم عن نفسه وطموحاته وآرائه.
وكان الدرس الثاني الذي يقدمه فضل الله – بحسب تلاميذه – أن كل المحاولات التي يبذلها الصحافي في الكتابة هي في طريق المساعدة في بناء الوطن، وكلمة السر عند فضل الله هي الجدوى، إذ لا خير في كتابة لا جدوى من ورائها، ولذلك كان يهتم بتأكيد أن يقدم الصحافي بقدر المستطاع بدائل عندما ينتقد الأوضاع، وأن يرتبط برؤية إستراتيجية وأن لا يشغل نفسه بمسائل ذاتية، ويمضي الأستاذ العظيم فضل الله محمد زهاء خمسين عاما، في دهاليز وبلاط صاحبة الجلالة، يلبس عراقي وسروال الحياة السودانية، ويعمل مع عمالقة الصحافة، وكل همه أن تكون الصحيفة التي يعمل فيها ناجحة من جهة الأداء المهني والتوزيع والتأثير في المجتمع، مع ذلك لا تحسبن أن جيل الأستاذ فضل الله محمد، قد أُعطي كل الفرص، بل على العكس قد يكون هو الجيل الذي نقش الحرف على الحجر لتستدل به الأجيال المقبلة، وتقتفي أثره من دون أن تتبعه، ولكن لتجعله بوصلة لها.