علاقــــات أمريكا وإيـــــران..وأثرها علـــى المنطقـــة(3-3)

أثار الاتفاق الذي تم توقيعه في مدينة لوزان السويسرية بين إيران والولايات المتحدة، حول برنامج إيران النووي، أثار مجموعة من التساؤلات حول مستقبل هذا الإتفاق، ومدى تأثيره في المنطقة العربية عامة والخليج خاصة، في ظل تمدد النفوذ الإيراني في كل من العراق واليمن، ومستقبل عملية عاصفة الحزم؟

الخرطوم: عبد الله مكي


اتصال هاتفي

الإتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكى باراك أوباما بنظيره الإيرانى حسن روحانى، يُعد الأول منذ أزمة الرهائن فى عام1979. وأوضحت صحيفة (نيويورك تايمز)فى تقرير- أوردته على موقعها الإلكترونى- أنّ الرئيسين اتفقا على تسريع عملية إجراء المحادثات بهدف إنهاء النزاع القائم حول برنامج إيران النووى المثير للجدل كما أعربا عن التفاؤل بشأن إمكانية التقارب وهو أمر من شأنه أن يحدث تحولاً في منطقة الشرق الأوسط.

المحادثة الهاتفية استغرقت15دقيقة، وقال فيها أوباما:»إنّ تسوية البرنامج النووى الإيرانى يمكن أن تكون خطوة مهمة على طريق إقامة علاقة جديدة بين واشنطن وطهران، تعتمد على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، كما تساعد فى تسهيل علاقات أفضل بين إيران والمجتمع الدولى».

أما روحانى فقال:»بالنسبة للقضية النووية وفى ظل الإرادة السياسية، هناك طريقة لحل سريع لهذا الأمر، كما نشعر بالأمل حيال ما سنراه من الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى فى الأسابيع والأشهر القادمة».

الدول العربية واسرائيل

قالت»القدس العربي»إنه وخلال اجتماع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بنظيره الإيراني جواد ظريف التفت دبلوماسي سعودي إلى دبلوماسي إسرائيلي وسأله:ما الذي يحدث هنا؟

مراسل صحيفة (هآرتس) العبرية باراك رافيد، نقل عن مصدر إسرائيلي وصفه بأنه رفيع المستوى، قوله إنه خلال الأسبوع الأخير، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عُقدت لقاءات كثيرة بين دبلوماسيين إسرائيليين ودبلوماسيين من دول الخليج العربي في نيويورك ومنها اتحاد الإمارات العربية، الأردن ودول أسماها المصادر الإسرائيلي ب(دول سنية)أخرى في الخليج، وأكد المسؤول الإسرائيلي، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أنه خلال المحادثات بين الإسرائيليين وممثلي الدول العربية والخليجية أعرب العرب عن خشيتهم العميقة من التقارب الإيراني الأمريكي وعن توجسهم الكبير من هذا التطور.

الصين

قال الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية هونج لى، إنّ بلاده ترى التطور فى العلاقات الأمريكية- الإيرانية «إيجابيا بالنسبة للسلام فى الشرق الأوسط».

وأوضح هونج فى مؤتمر صحفى أوردت تفاصيله وكالة أنباء الصين الجديدة(شينخوا):»تابعنا الجهود التى بذلتها الولايات المتحدة وإيران فى الآونة الأخيرة لتحسين علاقاتهما».

وقال هونج إن التطور الأخير فى العلاقات بين طهران وواشنطن يؤدى إلى الإسراع بوتيرة العملية السياسية لتسوية المسألة النووية الإيرانية والقضايا الساخنة الأخرى. وأوضح هونج:»هذا أمر إيجابى للحفاظ على السلام والاستقرار بالمنطقة وتعزيزه».

وأشار التقرير إن الصين تتبنى موقفا حازما للتسوية السلمية للقضية النووية الإيرانية عبر الحوار.

اتفاق لوزان

اتفقت الدول الست الكبرى مع إيران في الأسبوع الأول من هذا الشهر(أبريل)في مدينة لوزان السويسرية حول اتفاق مبدئي أو إطار عام، يُحدد الأسس التي يجب أن ينطلق وفقاً لها العمل للوصول إلى الاتفاق النهائي المتوقع التوصل إليه في نهاية يونيو المقبل بهدف ضبط برنامج إيران النووي. وتوصلت إيران الى الاتفاق على المعايير الاساسية لاتفاق نهائي وشامل مع مجموعة(5+1)والتي تضم(الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا وروسيا والمانيا). وحددت الجمهورية الاسلامية في ايران والقوى الكبرى مهلة حتى30يونيو لحل التفاصيل التقنية والقانونية المعقدة للتوصل الى اتفاق نهائي.

أثره على المنطقة

يرى عدد من المراقبين أنّ أول المتأثرين سلباً أو إيجاباً بهذا الإتفاق هم دول الخليج، فهو – أي الإتفاق – يحمل بوادر تفاؤل بحذر على المدى القصير، ولكنه قد يحمل بوادر تشاؤم على المدى البعيد.

نقاط التفاؤل

أولاً:هذا الاتفاق يتضمن مجموعة من الإجراءات الكفيلة بتحقيق هدف دول الخليج العربي، بوقف طموح إيران بأن تصبح دولة نووية عسكرياً، أو على الأقل تأجيله لفترة ما بعد مدة الاتفاق. فليس في اتفاق الإطار العام المعلن ما يشير إلى أن الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة قد سمحت أو ستسمح لإيران بامتلاك القنبلة النووية خلال فترة الاتفاق.

فإتفاق الإطار العام يتحدث عن:(ضرورة تقليص لحجم أجهزة الطرد المركزي، ونوعية الأجهزة التي من المفترض على إيران استخدامها، وتحديد نسبة التخصيب، والمنشآت النووية، والرقابة الدولية التي لن يكون لها مثيل في السابق، والوعود بالتشدد إذا ما حاولت إيران الخداع)، كل هذه الأشياء تُشير إلى أنّ الهدف من هذا الاتفاق هو منع إيران من امتلاك القدرة النووية العسكرية. وهذا الأمر من المفترض أن يكون كفيلاً بأن يُعطي الخليجيين شعوراً بالقبول الإيجابي، ولكن يرى البعض أنّ هذا القبول سيبقى قبولاً مؤقتاً مرتبطاً بمدة الاتفاق.

ثانياً:من خلال دراسات تطور العلاقات الدولية، فإنّ ضبط برنامج إيران النووي من خلال مثل هذا الاتفاق هو خطوة إيجابية، لاسيما أنّ تجارب الدول النووية السابقة تشير إلى أن ترك الدول الساعية لامتلاك القنبلة النووية من دون ضبط دولي، والاعتماد على إستراتيجية المواجهة معها، وفرض مزيد من العقوبات عليها، ومحاولة عزلها لا يؤدي إلى تخلي تلك الدول عن مساعيها النووية، بل يجعلها أكثر تشدداً في السعي لامتلاك مثل تلك القدرة.

و خير مثال على ذلك دول مثل الصين الشعبية وكوريا الشمالية، فرغم العقوبات والضغوط والعزلة التي كانت مفروضة عليهما إلا أنّ هاتين الدولتين استطاعتا أن تتجاوزا جميع تلك العقوبات والضغوط، وتُصبح قوى عسكرية نووية. والأمر ذاته ينطبق على دولتي الهند وباكستان، والتي سعت بعض الدول الكبرى إلى التشدد معهما حول برنامجيهما النوويين إلا أن ذلك لم يوقفهما.

فالواقع يُشير إلى أنّ إيران لن تكون بعيدة عن مثل هذا التوجه إذا ما تم الاستمرار في مواجهتها من قبل الدول الكبرى، فالمتابع لحال البرنامج النووي الإيراني يعلم جيداً أن هذا البرنامج يُعتبر اليوم أكثر تقدماً عن ما كان عليه قبل عدة سنوات، على الرغم من سياسة المواجهة والتشدد والعزلة المفروضة من الولايات المتحدة والدول الغربية على إيران.

ثالثاً:إنّ ما تم الإعلان عنه من اتفاق حول الإطار العام، يُشير بوضوح إلى أنّ المجتمع الدولي لم يُقدم تنازلات لإيران، من شأنها أن تُعطي الشرعية لسياساتها الساعية للهيمنة في المنطقة.

وهو الأمر الذي جاء بشكل واضح على لسان مسؤولي الدول الكبرى المشاركة في المفاوضات، حيث ركزوا جميعاً على أنّ المفاوضات حول البرنامج النووي وليس أي أمر آخر، وأنه لا صلة لهذه المفاوضات بالملفات الأخرى والتي لإيران شأن كبير فيها مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين.

وفي مقابلة مع(النيويورك تايمز)ذكر الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنّ واشنطن ضد سياسات إيران التوسعية في المنطقة، وأنّ العقوبات المفروضة عليها بسبب هذه السياسات لن يتم رفعها.

ويرى الدكتورعزمي بشارة مدير المركز العربي لابحاث ودراسة السياسات:»أنّ الدّول العربيّة التي تخشى هذا التمدّد الإيراني غير قادرة على طرح مشروع دولة إقليميّة أو تعاون دول وطنيّة قادرة للتصدي للمشروع الإيراني، ليس خارجيًّا فحسب، بل أيضًا على مستوى تماسك مجتمعاتها وشعوبها بالجمع بين التنمية وحقوق المواطن، وعلى مستوى سحب البساط من تحت أقدام الدعاية الإيرانيّة، واتخاذ موقفٍ مبدئيٍّ من قضيّة فلسطين بصفتها قضيّة عربيّة وليست عبئًا يُنشَد التخلّص منه».

نقاط التشاؤم

أما نقطة التشاؤم الرئيسية بالنسبة لدول الخليج العربي فإنها  ترتبط بشكل مباشر بما بعد انتهاء مدة الاتفاق أي على المدى البعيد، حيث يرى البعض إنّ الوضع ما زال غامضاً، وهنا قد تكون دول الخليج العربي من أكبر الخاسرين.

فالسؤال الذي يطرحه المراقبون هو هل ستُعطى إيران الحق في تطوير قدراتها النووية لمستويات أعلى مما كان في مدة الاتفاق؟ أم أنّ هناك آلية تفرض استمرار الاتفاق لما بعد نهاية مدته؟ أم سيكون هناك اتفاق جديد من نوع آخر؟ ويعتقد البعض أنّ هذا الأمر في غاية الأهمية لأنه وبعد التزام إيران باتفاقها مع القوى الكبرى، وانتهاء المدة المحددة سيصبح من الصعب جداً إعادة فرض واقع زمن الاتفاق، وأنّ إيران وافقت على هذا الاتفاق لأنها تدرك أنه اتفاق لا يُنهي طموحاتها النووية، وإنما يُؤجلها لخمسة عشر أو عشرين سنة.

المدى القريب والبعيد

إنّ كل الأطراف ستكون كاسبة على المدى القريب بما فيها دول الخليج العربي، والتي يمكن أن تتنفس الصعداء من أنّ إيران لن تخل بمبدأ توازن القوة لصالحها مع امتلاكها القوة النووية، وأنها لن تعيش حالة عدم أمان واستقرار بسبب تداعيات توجيه ضربة عسكرية لإيران. ولكن إيران ستكون هي الكاسب الأكبر على المدى البعيد، عندما تنتهي مدة الاتفاق، ويصبح من الصعب العودة إلى الاتفاق، لاسيما بأنه سيكون لإيران داعمون دوليون مثل روسيا والصين.

الموقف الإسرائيلي

اتفاق لوزان بين الدول الكبرى وإيران حول برنامج طهران النووي ما زال حتى اليوم يشغل الصحافة الإسرائيلية، فنقلت صحيفة(هآرتس)في خبرها الرئيسي عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله:»إنّ التخوف الأكبر هو أن يُطبق النظام في طهران اتفاق لوزان بشكل كامل ويمتنع عن خرقه».

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين وصفتهما بالكبيرين اطلعا على تفاصيل جلسة المجلس الأمني المصغر، قولهما إن نتنياهو شدد على أنه يخشى من أن يتشدد الإيرانيون»على كل حرف»في الاتفاق النووي، إذا ما وقع بالفعل نهاية يونيو القادم.

ووفق نتنياهو فإنه بعد(10- 15)سنة تكون معظم العقوبات رُفعت، ويُظهر أنّ الإيرانيين أوفوا بالاتفاق، وعندها سيحصلون على»شهادة إجازة»من الأسرة الدولية في أن ترى إيران دولة»طبيعية»لا حاجة إلى الخوف منها»وعندها سيكون صعبا، حتى مستحيلا إقناع العالم بوجوب استمرار المتابعة بشكل وثيق للبرنامج النووي الإيراني».

وواصلت صحيفة»إسرائيل اليوم»حملتها ضد الاتفاق. ونقلت عن وزيري الخارجية الأميركيين السابقين جورج شولتز وهنري كيسنجر تقديرهما بأنّ الاتفاق لن يمنع وصول إيران إلى القنبلة النووية. وأضاف الوزيران في مقال مشترك بصحيفة»وول ستريت جورنال»أنه في العشرين سنة الماضية، أعلن ثلاثة رؤساء بأنّ قنبلة نووية إيرانية تتناقض مع المصالح الأميركية والعالمية، وأنهم مستعدون لاستخدام القوة العسكرية لمنع طهران من تحقيق تطلعاتها النووية.

ووصف الكاتب شلومو شمير في مقال بصحيفة»معاريف»الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه متورط، معتبراً أنّ جهوده لشرح المنطق والحكمة في اتفاق الإطار مع طهران لم تنجح.

وأضاف أنّ محاولة أوباما لإقناع الجمهور بصحة العملية الجريئة التي قادتها الولايات المتحدة، أثمرت عما وصفه بالإنجاز التاريخي، وأنه حقق فرصة تاريخية»لم تحقق هدفها».

الإصلاحيون الإيرانيون

احتفل الاصلاحيون الإيرانيون بالاتفاق على الرغم من عدم الوضوح الذي يشوبه، لأنهم يريدون تهيئة الرأي العام، والدفع باتجاه توقيعه بعد تذليل الخلافات على التفاصيل التي لم يتفق عليها بعد.

وما يلفت النّظر قبل تفاصيل اتفاق لوزان – كما يقول عزمي بشارة – أنّ المحتفين بالاتفاق في إيران هم نفس الذين خرجوا للشوارع كأنصارٍ للثورة الخضراء لدعم أمير حسين موسوي والتيار الإصلاحي ضد تحالف المرشد والرئيس نجاد في حينه(الذي لم يكن مجرد محافظ، بل كان ثوريا ذا لون خاص متحالفا مع المحافظين).

ومن الواضح أنّ هؤلاء الإصلاحيين الذين يدفعون باتجاه التركيز على قضايا إيران الداخليّة، ويدعون إلى إصلاحات سياسيّة اجتماعيّة واقتصاديّة واسعة تبدأ بالحريات الشخصية وتطاول فساد رجال الدين، هم الأكثر تطلّعًا إلى تحقيق انفراجٍ مع الغرب والولايات المتحدة تحديدًا.

ويُواصل بشارة القول:»ليس الإصلاحيون أقل تمسّكًا بمصالح إيران الجيوستراتيجيّة. على العكس تمامًا، إنّهم يرون مصالح إيران الجيوستراتيجيّة كدولة إقليمية في حالة تفاهم وتوزيع أدوار مع الغرب، وينفرون من التدخّل الإيراني بالشؤون العربيّة لناحية مستلزماته المتعلقة بخطاب المقاومة وفلسطين، ولأنّه يؤدي إلى تداخل مصالح بين إيران وبين العرب في مواجهة إسرائيل والغرب. ولذلك فإن الإصلاحيين المتحمسين لاتفاق لوزان، والذين استقبلوا أعضاء الوفد المفاوض استقبال الأبطال، إنما يشجعون القيادة الإيرانيّة على نهج الانفتاح تجاه الغرب، ما قد يفتح آفاقًا أوسع لتطوّر إيران في الاتجاه الذي يرتؤونه سياسيا واقتصاديا».

المرشد الأعلى

المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي بقي حذرا بشأن فرص التوصل الى اتفاق نهائي، معتبراً أنّ نص(لوزان)ليس ضماناً للنجاح. وقال خامنئي في خطاب له:إنّ ما تم التوصل إليه حتى الآن لا يضمن لا الاتفاق بحد ذاته، ولا مضمونه، ولا مواصلة المفاوضات حتى النهاية. واضاف ان كل شيء موجود في التفاصيل، ربما تكون الجهة الاخرى، تُريد اغراق بلادنا في التفاصيل، مؤكداً أنّ بلاده لا تسعى الى صنع أسلحة نووية كما يشتبه الغرب واسرائيل.

ودكتور عزمي بشارة يُوضح أنّ قمة المؤسّسة الإيرانيّة الحاليّة ممثّلةً بالمرشد الأعلى أبدت تحفظها من الاحتفال الشعبي الإيراني باتفاق الإطار، لأنّها تعرف سبب هذا الاحتفال ودوافعه، وتُؤكّد على ضرورة التوصّل إلى اتفاق يضمن رفع العقوبات من جهة، واستمرار النشاط النووي، أو ما يسميها المرشد بالصناعة النوويّة الإيرانيّة من جهة أخرى.