عادل (كلر).. الذي لم يحد عن الطريق

الخرطوم: إقبال الحلاوي
عادل إبراهيم عبد الله، أو «كلر» كما يحلو للجميع أن يناديه، لم يسأله أحد قط عن سر اللقب الذي يجئ متسقاً مع ألوان أصدقائه من كل الأطياف والسحنات والانتماءات والدماء.. عادل ابرز أعضاء سكرتارية شبكة الصحفيين، وله أوراق عن تاريخ الصحافة وأخلاقيات النشر الإلكتروني والورقي والصحافة الثقافية، يصف نفسه بأنه (زول شليق جداً) بداياته مع الكتابة جاءت منذ الصف الرابع الابتدائي دلف إلى الصحافة من حيِّز الكتابة الإبداعية ثم أشكال كتابة أخرى، وبالمرحلة المتوسطة قام بتحرير صحيفة حائطية «فردية»، حيث كانت هنالك (إلزامية) الصحف على مستوى الفصول بمدرسة «منيب عبد ربه» النموذجية، لذلك يجد نفسه مدينا للتقاليد التعليمية والأنشطة غير الصفية التي توفرت له خلال مسيرته التعليمية بالمرحلة المتوسطة والثانوية، في النسخة التي توفرت لمدينة كوستي من حداثة «السودانين» التي يتساير فيها الحديث والقديم، في يسر ولين، وعلى يد رهط مقدر من خريجي –طيبة الذكر- مؤسسة بخت الرضا. فضلاً عن تشبعه بخلفية أكاديمية هي الأقرب إلى وسائط الاتصال الحديثة، من خلال دراسته الجامعية، ساعدته كثيراً في مقاربة عصر الصورة الذي نحيا، ونعايش واصفا نفسه بأنه ابن شرعي لعصر ثورة الاتصالات، وبامتياز.
كان ضمن جيل أو مجموعة من الشعراء كانت تتناوب على النشر بالملفات الأدبية مطلع الألفية الجديدة منذ العام 2001، بملاحق (الأيام) و(الأضواء) و(الشارع السياسي) و(الحياة) وغيرها، إلى أن أنخرط في العمل بـ(الأيام) كمحرر متعاون ومن هناك حظي بالخروج على الطوق المسمى تجاوزاً بـ»أسطورة المحرر الثقافي» إلى فضاءات العمل الصحفي الثرة والرحيبة، وتجول كثيراً بأقسام المنوعات والتحقيقات، وكان مسئولاً لفترة عن الصفحة الأخيرة بالصحيفة لسنوات قائلاً أن باب (الأيام زمان)، أفاده للغاية، في اكتساب خبرة حقيقية عن العمل المهني الصحفي.
كلر – كما يناديه الأصدقاء- بدأ ناقماً على الوضع الثقافي داخل المؤسسات الصحفية، ويرى بلا مواربة، بأن هذه الوضعية، يُسأل عنها «المحرر الثقافي» نفسه، والذي يحيى على ظلال تصور بأن المادة الثقافية، بخصوصيتها الحقلية كـ(إبداع) خارجة على معايير العمل الصحفي كـ»مهنة» ذات تقاليد ونظم حاكمة، أما عن النظرة إليها كـ»تمومة جرتق» فأعتبر بأنها مجافية للحقائق التي تطرحها أبسط دراسة علمية جادة، عن تاريخ «الصحافة الثقافية» في السودان، ومساهماتها الباذخة التي بذلتها منذ سنوات الثلاثينيات من القرن المنصرم، والأسئلة الشاهقة التي طرحتها خلال الخمسينيات والستينيات، والسجالات التي انفتحت تحت سقفها في سنوات السبعينيات، على مظان الأدب والفن والهوية، وهواجس المعاصرة والتأصيل، كل جانب بما لديه فرحون، وهي حقائق دامغة يؤكد عليها كتاب ومثقفون بارزون من قبيل «فضيلي جماع» و»حسن موسى»، بل وحتى سياسياً كـ»محمد إبراهيم نقد»يرى بأنه يعضد على هذا الاتجاه من التفكير حول تاريخ ومساهمة الصحافة الثقافية؛ بل أن للصحافة الثقافية قدر معلوم داخل الحيز الأكاديمي لحقل الدراسات السودانية بالجامعات ومعاهد البحوث..
عادل الذي وجد فرصة للعمل عن قرب مع عمالقة الصحافة السودانية: «المحجوبين»، الأستاذ محجوب محمد صالح والراحل المقيم محجوب عثمان محمد خير، الذي كان مرشداً ومتابعاً دقيقاً لما يُنشر، بجانب أسماء أخرى، فتحت تجربته المتواضعة على آفاق متعددة في عمليتي الصحافة والنشر، كالأستاذ الهرم «محمد عبد الله عجيمي» والراحل «ماهر مكي» والفنان «عمر قرشي» وعدد من الأسماء التي تعاقبت على (الأيام) في الفترة من 2003 وحتى 2008، وقال (كنَّا في قسم يضم مجموعة من المحررين من خلفيات متقاربة: عثمان شنقر، سلوى غالب، محمد إبراهيم «فطيرة»، محفوظ بشرى، عبد الرحيم حسن حمد النيل، ولاحقاً الصحفي المخضرم «الفاضل كباشي»، وقد نتناوب على صفحات الثقافة والمنوعات والأخيرة، وبعض التحقيقات، وسط محيط مهني «إيجابي» إلى حد بعيد. وفي مؤسسة تعتمد صحافة المواطن كسياسة تحريرية، لا حياد عنها، وهي الجملة التي ما فتئت مدرسة (الأيام) تكرِّس لها، وتعمل.
أبن كوستي البار يرى أن هناك أمراض تغلغلت في الوسط الصحفي وتحديات تواجهه تتعلق بالأفراد الصحفيين، والمؤسسات، والسياق العام لصناعة النشر والصحافة، ويذهب الى أن المحررين الصحفيين يعانون مصاعب جمَّة تتعلق بطبيعة «مهنة النكد والمتاعب» كما تُسمَّى، من مخاطر عمل متعددة، بجانب الوضع الاقتصادي المتدهور الذي أسفر عن وضعية أجور، للأسف، لا تتوافق مع المجهود المبذول، وقبلها يأتي فضاء حرية التعبير الذي صار مقيداً بعدد لا نهائي من القيود والعراقيل، مع «شح» وانعدام فرص التدريب المهني للصحفيين، وبالتالي فإن النتيجة: صحفي غير مؤهل لممارسة المهنة. والجانب المتعلق بالمؤسسات، فللأسف لا يمكن الحديث عن وجود (مؤسسة) صحفية حالياً بالسودان، بالمعنى المجرد لكلمة (مؤسسة) فهي «كناتين» ليس أكثر، وهي أيضاً تعاني من ثقل وطأة «السياسي» من خلال قيود الترغيب والترهيب وشراء الذمم، وأتساع نطاق مؤسسة الرقابة، أو من خلال القيود المفروضة على عملية النشر كصناعة محكومة بأسعار الورق والحبر وباقي مدخلات العمل، وبتدني سوق التوزيع على جمهور يضم نسبة أمية معتبرة! أما السياق العام لصناعة النشر والصحافة السودان المعاصر، فأتركه لفطنة القارئ ويكفي أن نفهم أن التوجه العام للدولة، وهو العامل المؤثر الأكبر في الممارسة الصحفية، يسعى ولا يزال بل نجح تماماً في خلق نمط صحافة رأي، على حساب الصحافة المهنية.
ويرى من حيث وجهة نظره أن الإصرار على المعرفة وفتح جميع الاسئلة «المسكوت عنها» و»المتواطأ عليها» داخل الحوش الصحفي، عملية لازمة لعلاج الصحافة السودانية من وهدتها الحالية، ورفع يد الدولة من العملية الصحفية في المعنى الذي يستقيم به مبدأ «عدالة الفرصة»، ولا سبيل في هذا الاتجاه، من خوض غمار العديد من المعارك، فـ(آخر العلاج الكي) وحال الصحافة السودانية الآن، يحتاج لـ(الكي) بدلاً من تركها لحالة «الموت السريري» الحالية.
حالياً يرفع عادل كلر شعاراً كلما أمعن الجميع في التفكر فيه كما أمعن هو في التمسك به، ويقول(سنظل مؤتمنين على السودان الذي تبقى، لحين إشعار آخر)..