القداسة في السيـاسة.. أوان الإنعتاق

تحقيق : غادة احمدعثمان
ارتبطت السياسة في السودان بالطوائف الدينية، ودشن بها قائد الدولة المهدية الإمام محمد أحمد المهدي دعوته، قبل أن يحشد عبرها الأنصار لمحاربة الحكم التركي المصري، لذلك عندما حارب الإمام المحتلين وجدت دعوته تلك الاستجابة، وألتف حوله الآلاف من الأنصار الذين آزروه، ووقفوا إلى جانبه، وحقق أنصار المهدي انتصارات عديدة سجلها التاريخ بأحرف من نور، واللافت للانتباه هو أن دعوة المهدي، وجهت فيما بعد إلى جوانب سياسية، تتعلق بشن حرب لا هوادة فيها لطرد المستعمرين من البلاد، ورغم أن الأدوات التي استخدمها الأنصار كانت قمة في التواضع، إلا أن الإيمان بالفكرة السياسية للثورة المهدية شكلت الدافع الأكبر ليخوض الأنصار معارك لم تكن متكافئة في أوقات كثيرة، ولكنها لفتت انتباه المستعمر الذي شعر بعنصر المباغتة هنا ممن أطلق عليهم، وقتها الدراويش إتباع المهدي ذلك الرجل الذي دق أول إسفين في جسم المستعمر الذي أنهك الشعب السوداني البسيط آنذاك واستباح خيراته ونعم بها.. (ألوان)سعت لبحث ظاهرة القداسة في السياسة السودانية وانتقالها عبر المراحل التاريخية المختلفة مروراً بأكبر الطوائف الدينية التي شكلت أكبر حزبين وصولاً للراهن في عمليات التعبئة للحزب الحاكم لمواجهة ما يصفه بالابتلاءات..
التاريخ يقول:
لتأتي أول فكرة سياسية آنذاك، وتجبر المستعمر علي تحسس قبعته، ونجد أن أصحاب العيون الزرقاء، لم يكونوا يخيفون الأنصار نهائياً، بل وتجرأ الدراويش في خطوة تعد وقتها خطيرة، واغتالوا غردون باشا لتمضي السنوات ويحفر الأنصار اسم الثورة المهدية بأحرف من نور ولا يزال الأنصار متواجدين، رغم أنهم طالتهم يد التغيير السياسي حيث أنشيء حزب الأمة القومي في العام 1945م كأول مولود شرعي لإمام الأنصار، ونجد أن الحزب قد قلص بل ونال بشدة من القومية التي كانت تتمتع بها الثورة المهدية لكونه انحصر وغذته أي حزب الأمة جموع الأنصار الذين توافدوا من كل حدب وصوب لمناصرة حفيد المهدي آنذاك.
وبالعودة للطائفية في السودان، نجد أنه وبالمقابل فقد ازداد في الجانب الآخر أتباع الطائفة الختمية بزعامة السيد علي الميرغني، وأخذت هذه المجموعات اسم الحزب الاتحادي الديمقراطي أسوة بحزب الأمة..
فشل الانفلات:
ونجد أن قادة هذه الطوائف قد تمتعوا بهالة واسعة من القداسة والاحترام المفرط حيث كان من الصعب آنذاك ظهور أي أراء أو أفكار سياسية بعيدة عن تلك الطائفتين، ولم يستطع المستنيرين عمليا الخروج عنهما بل استنجدوا بهم، لإبراز فكرهم السياسي لخلق واقع سياسي جديد بعيدا عن المستعمر نظرا لتمتع هذين السيدين كما يحلو للأغلبية مناداتهم بهذا الاسم، لتمتعهم بمكانة رفيعة لدي من يحكمون البلاد في ذلك الوقت، وهكذا وعندما احتدمت الخلافات السياسية أيام استقلال السودان فقد استنجد الزعيم إسماعيل الأزهري بالسيد علي الميرغني حيث الانتماء بينما استنجد السيد محمد احمد المحجوب بالسيد عبد الرحمن المهدي حيث كان المحجوب رحمه الله أنصاري الهوى، وذلك لتحقيق قدر من التوافق الوطني، وبالطبع نجح الرجلين في مسعاهما وواجهوا المستعمر كقبضة واحدة لوحدة الهم الوطني وقتها، وتحقيق استقلال مشرف لأهل السودان، وقد كان لتمتع رجال الطوائف بالقبول الشعبي الكاسح، ومن هنا بدأت السياسة تمتزج بالقداسة في مزاوجة اقتضها ظروف تلك المرحلة من تاريخ السودان.
الفضلي يتمرد:
ولكن ذلك لم يمنع البعض من أن يجعل بعض المثقفين من الانتباه لهذه النقطة المهمة أبرزهم يحي الفضلي الذي هاجم السيد علي الميرغني بندوة شهيرة بأمدرمان أعلن فيها رفضه لخلط الأوراق وضرورة عدم خلط الأوراق وقال قولته المشهورة (لا قداسة مع السياسة) كدليل علي ضرورة الفصل بينهما، لكن من المفارقات التي حدثت وأعاد خلط الأوراق مرة أخرى، أن الفضلي نفسه تم تعيينه وزيرا بحكومة الأزهري ليأتي مجددا ويلتقي بالسيد علي الميرغني ويقول له معتذرا (ألتمس العفو يا أبي أنا ابن عاق)فيرد له السيد علي الميرغني ويقول له :(بل أنت ابن بار عاد لأبيه )..
البعض يظن أن المقولة عاطفية أكثر من كونها واقعية بدليل تراجع الفضلي عن مقولته فيما يشبه الندم الذي أظهرته عاطفته تجاه السيد علي الميرغني.
أسئلة مشروعة:
فهل تبدلت الأمور الآن وأدى التطور السياسي الذي تشهده سياسة الخرطوم، إلى تراجع تلك الهالة المقدسة حول شخصيات سياسية فرضتها الظروف أو الأحداث، بعد إصابتها بسهام النقد بلا هوادة، سواء في مواقفها السياسية أو بسبب انحرافها عن جادة الطريق، ذلك انه وكما يقولون فإن السياسة لعبة قذرة وتقوم علي المصلحة حيث يتم استخدام أسلحة غير مشروعة لتحقيق البقاء في القمة، أبرزها الخبث المطلق والمكر والدهاء والكذب ورفع شعارات براقة تتجمل بمساحيق أخرى إضافية كالديمقراطية تلك الكلمة التي تعتبر(ميك أب)التيارات والأحزاب السياسية..
تراجع في الصف الأول:
أسرار التراجع في قدسية الشخصيات السياسية يرجعها كثيرون الى التلاشي الذي تزايد مع الوقت في الوعي الفكري والسياسي الذي انتظم الملعب السياسي، وبات عاديا جدا أن تنتاش سهام الانتقاد اللاذع أسماء كانت محرمة كالدكتور الترابي والسيد الصادق المهدي ومولانا الميرغني والقائمة تطول وذلك لاعتبارات عديدة تتعلق بانتقالات السياسة وتقلباتها، وبانتظام أصبحت منابر المساجد تصب جام غضبها على الانحرافات التي انتظمت الحكم في السودان، وبشكل مستمر يشن خطباء المساجد هجوما بلا هوادة منتقدين سياسات الدولة، وداعين الى ضرورة اختيار الأشخاص الأمينين الذين يتقون الله في المواطنين وعيشهم، وهكذا عمليا انتظمت البلاد هالة أخرى من الاستنارة السياسية بدلا عن
المسجد والبرلمان:
عتمة الطائفية التي خصمت من رصيد الإصلاح السياسي لدرجات صفرية، باتت معه معينات الإصلاح في مهب الريح وفي ذلك قال الشيخ عبد الجليل النذير الكاروري لـ(ألوان)أمس، إنهم في عالم السنة لديهم علماء يعتبرون أولى أمر بالنسبة للحكام حيث يتعين عليهم توعيتهم لإقامة العدل والمساواة، وهي معنية بذلك من قبل المنبر، وأكد أن في السودان هنالك منابر حرة عديدة لا تسيطر عليها الدولة، ونفى وجود منابر تمتدح الحكام الذين ينبغي نصحهم وليس قدحهم وقال(الخطباء أيام السلطان عبد الحميد كانوا يمدحونه) وكشف الكاروري عن انه دعا الى نقل كلمة الحق من المساجد الى البرلمان، مبيناً ولع أهل السودان بالشيوخ والعلماء، وأضاف في إفادته لـ(ألوان )بأنه إذا اجتمع القرآن والسلطان فإن البلاد موعودة بصلاح ونماء.
التبعية أشكال:
إلا أن القيادي الإسلامي البروفيسور عبد الرحيم علي، يذهب في حديثه لـ(ألوان)أمس، إنه لا توجد قداسة في السياسة بالنسبة للقيادات السياسية لأن العمل السياسي صار مطلق ولكن قديما كان هنالك أتباع علي أسس دينية، ولكن انحسرت الطائفية وذلك للتطور الطبيعي، وأضاف(صحيح ما تزال هنالك أسباب أخرى للتبعية سواء قبلية أو جهوية أو أخرى)..
وأتفق مع عبد الرحيم على عضو هيئة علماء السودان كندة غبوش ويرى في حديثه لـ(ألوان)أمس، إنه لا توجد قداسة في السياسة، لأن القداسة في الإسلام، ويذهب إلى أنهم عاشوا في بدايات حياتهم ولم يحضروا تفاصيل الاستعمار، ولكن عندما أبصروا النور وجدوا الحزبين التقليديين الأمة القومي والاتحادي هما من قاد عملية استقلال السودان سواء أن كان حربا أم سلما وقال (السودان عاش نوعا من الاستقرار في الحكم وعاشت جموع الشعب السوداني مترابطة ولم تكن هنالك جهوية أو قبلية وحتى أن الجنوب لم يكن يعتبر القبلية مشكلة) وأضاف كندة بان انحسار هالة القداسة عن الشخصيات السياسية أمثال المهدي والميرغني والترابي جاء لكونهم سلكوا طريقا آخر، وتحولوا لطلاب حكم بعكس أبائهم الذين كانت تشغلهم قضايا السودان ككل..
الترابي السبب:
وألقى عضو هيئة علماء السودان باللائمة على د.حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي، في أنه من تسبب فيما وصفها (بالفركشة)في المجتمع السوداني، لأنه جاء بشعارات متناقضة -على حد قوله- مع العادات السودانية، حيث حلل هذا وحرم ذاك حتى وصلت البلاد الى وضع لا تحسد عليه وتحولت شعارات الترابي (هي لله لا للسلطة ولا للجاه) فيما بعد ليعملوا فقط لأجل تحقيق السلطة والجاه الذي تبرأ منهما في بداياته..
المؤسسات تقلل:
في المقابل يعتقد القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل د.علي السيد، إنه وحتى الآن ما يزال قادة الحزب يتمتعون بقدر من السلطة والحصانة المطلقة من النقد، ولكن يؤكد علي السيد أن هذه المسألة قد قلت مؤخرا خاصة، بعد أن صارت الأحزاب لها مؤسسات ورئيس الحزب يخضع رغم مكانته الدينية لهذه المؤسسات، وأضاف لـ(ألوان)أمس، (القيادات السياسية عندما تكون من المريدين فإن النقد يقل ولكن مؤخرا لم تعد القيادات من المريدين حيث صار رئيس الحزب يخضع لرأي المؤسسات، ولكن ليس الى حد كبير لكونه يحاول ضغط القيادات عبر الجماهير ويستطيع إقالة القيادات التي لا تنفذ إرادته وصار السادة يتعمدون أن يأتوا من قاعدة المريدين حتى لا تلاويهم وهذه ستتلاشي بمرور الوقت حيث ظهرت الانشقاقات وهي تمثل خروج عن الرئيس وصار الاتحادي أجزاء بلغت الثمانية بينما وصل حزب الأمة الى ستة أجنحة مما يؤكد على أن هنالك تمرد وعدم طاعة عمياء لرؤساء الأحزاب).
محمود الأول:
وهكذا تظل قداسة السياسة في حالة تلاشي عقب اى تطورات سياسية أو استمراراً لدينمايكية التطلع لتحقيق واقع سياسي معافى، تسوده روح الديمقراطية الحقيقية.. وللفصل بين القدسية المرتبطة بتلك الهالة الكاذبة والمؤثرة رغما عن ذلك وبين السياسة تلك اللعبة القذرة الملوثة بكل أساليب المكر والدهاء لتحقيق انتصار ذاتي في الغالب الأعم، فإن اسم محمود محمد طه يبرز كأول من حارب الطائفية في السودان باعتبارها مصدر القدسية، وشكل خطراً حقيقياً على السيدين وكان الراحل يقول بضرورة اعتزال ذلك النوع من التبعية العمياء في إشارة لحزبي الأمة القومي والاتحادي الأصل لكونهم يقودون أتباعهم بعد أن يغيبوهم فكريا وكأنهم عمي وقالت كريمة الراحل الأستاذة أسماء لـ(ألوان) في وقت سابق أن الحرب علي والدها توسعت بعد أن هاجم تلك الطوائف وان الإسلاميين كانوا من ألد أعداء الفكر الجمهوري لكونه أنتقد طريقتهم في التعاطي السياسي آنذاك، ويرى المراقبون أن القداسة انحسرت كلية عن الشخصيات السياسية وتحجمت في نفوس الآخرين تماشياً مع التطور السياسي، حيث تعتبر القداسة متناقضة تماما مع اللعبة السياسية لكون الأخيرة تعتمد أساليب مقززة تتنافى والقيم الدينية بشكل واضح وصريح..
فيما يرى ناشطون سياسيون سابقون، أن قيمة الإنسان تكبر كلما كان صادقا وشفافا مع نفسه قبل الآخرين، ويذهبون الى أن تلك القيمة تتضاءل في الإنسان كلما ابتعد عن قيمه السياسية والإنسانية وبشكل لا إرادي، فنجد أن القداسة تسقط تلقائيا بمجرد انحراف القيادي عن جادة الطريق فيبدأ في فقدان شعبيته تبعا لمواقفه السياسية المتبدلة والمرتبكة والمتناقضة، حيث لم تعد المواقف السياسية ثابتة أو تستند علي مبادئ وصارت القيادات الكبرى تضيق ذرعا بالآخر وتحاربه علنا بعد أن كانت تضايقه سرا في انتهاك فاضح لحرمة الديمقراطية التي يتشدق بها الكثيرون..
كذبات ابريلية:
ويكتشف الناس أن الشعارات التي ترفع لم تكن سوى كذبة ابريل متجددة، الأمر الذي باعد بين القيادات وقواعدها وخلق نوعا من عدم الثقة في العمل السياسي عموما، لجهة أنه من غير المعقول أن يكون فاقد الشيء مانحاً له مما فاقم الأمور وأوجد أزمة سياسية مستفحلة بسبب اغتيال أحلام البسطاء ومنحهم السراب بوعود زائفة، كشفت عمق الهوة بين الطرفين، ولم تعد تلك الشعارات جاذبة ولم يعد ذلك الخطاب السياسي المنمق يجد رواجا لدي الأغلبية، لأن الشعب السوداني الموصوف بالحصافة، قد استدرك رغم تأخره فخ السقوط في مستنقع الأساليب السياسية القذرة ومحاولات استدرار العطف الشعبي بالتسول السياسي ببرامج الوهم التي فقدت التسويق في إعلان حرب شعبية شاملة علي كل طرق النفاق والكذب، وأقله فقد عملت القواعد بمقولة اضعف الإيمان في ترجمة عملية كشفت أي نوع وشكل من الشعوب يتعامل معه الساسة.