العمليات العسكرية.. أسماء تحت الفحص

تقرير : مبارك ود السما
أسماء العمليات العسكرية في العالم تجبر الشخص على التوقف عندها, ودائماً ما يتكون الاسم من كلمة أو كلمتين بالتمعن في غالبيتها.. ففي كل العمليات العسكرية تعلن الدول عن المسميات العسكرية للعمليات التي تقودها الجيوش.. أخرها عملية «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية، وعدد من الدول الحليفة لها التي انطلقت عملياتها فجر الجمعة الماضي بغارات جديدة على معسكرات الحوثيين وقوات الحرس الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في العاصمة صنعاء. إسرائيل من الدول التي تحرص علي تسمية عملياتها العسكرية.
نماذج إسرائيلية:
وخلال السنوات الماضية سمت إسرائيل أثناء حربها الجائرة على فلسطين بالعديد من أسماء العمليات العسكرية كـ(الجرف الصامد)، و(عودة الإخوة)، و(الرصاص المصبوب)، و(الشتاء الساخن)، و(السور الواقي) و(عمود السحاب). وغيرها من عشرات المسميات دأبت إسرائيل على إطلاقها في السنوات القليلة الماضية على عمليات عسكرية ضد الفلسطينيين، وتحمل أبعادا دينية وسياسية ومعنوية.
حماس ترد:
وبالمقابل نجد أن لفصائل الفلسطينيين أسماء للعمليات العسكرية التي تشير الى ما تريده من بين تلك الأسماء العصف المأكول، حجارة السجيّل، البنيان المرصوص، ثقب في القلب، الوهم المتبدد»، هذه أمثلة على مسميّات تُطلقها فصائل المقاومة في قطاع غزة، ردا على مسميّات العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وتحمل أبعادا تركز على «القوة» و»الوعيد» حسبما يرى خبراء في الشأن الإسرائيلي. وأطلقت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، اسم «العصف المأكول» ردا على العملية العسكرية الإسرائيلية «الجرف الصامد»، ضد قطاع غزة كما أطلقت سرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي على العملية اسم «البنيان المرصوص». من النماذج الدولية أيضا والتي لديها مسميات, فرنسا التي أطلقت العديد من أسماء عملياتها الخارجية ففي ليبيا كان لها عملية (الحامي الموحد), بجانب عملية العقاب الباز الفرنسية في تشاد عام 1986م وكانت بناءا على طلب الحكومة التشادية. عملية بئر خان الفرنسية أنها مهمة مشتركة بمنظور إقليمي.
الخرطوم في المشهد:
وبالنظر في الميدان الداخلي في السودان اعتمد الحكومة بتسمية عملياتها التي كانت تعلنها من وقت الي آخر, آخرها (الصيف الحاسم) لدحر الحركات المسلحة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. ومن العمليات العسكرية التي شوهدت في الآونة الأخيرة كانت باسم استعادة الحق بقيادة اللواء كمال عبد المعروف لاستعادة هجليج ثم البنيان المرصوص 1، 2 لاستعادة أب كرشولا في مايو قبل الماضي، لتعيد الخرطوم الكره بإعلانها تجهيز حملة الصيف الحاسم لإنهاء ما يعرف بالتمرد في البلاد., وقبلها كانت هنالك العديد من المسميات كعملية صيف العبور وبعد توقف للعمليات الرئيسية في الحرب بإقليم جنوب السودان قبل انفصال الجنوب ويصبح دولة مستقلة. إلا هنالك كانت مناوشات متفرقة للجيش الشعبي للرد عبر عمليات عرفت باسم الأمطار الغزيرة بحسب مصادر مطلعة لـ(ألوان)، وتواصل المصادر قولها: تعود تفاصيلها الى تسليم أمريكا دولة يوغندا مبلغ 20 مليون دولار لتجهيز القوة المهاجمة وكانت ثمرتها 25 دبابة 1000 جندي يوغندي مجموعه من قوات الحركة الشعبية بقيادة جون قرن تقدر بأكثر من 1000 وسميت العملية بالأمطار الغزيرة، من جانبها سعت الخرطوم لإبطاء تقدم القوات اليوغندية و قوات الحركة الشعبية نحو جوبا حتى يتمكن الجيش السوداني من وضع الدفاعات المناسبة حول مدينة جوبا، وعرفت عملية التصدي تلك باسم عملية الميل أربعين في مارس من العام 1997م على بعد 38 ميلاً من جوبا، بقيادة على عبد الفتاح وبعض أفراد الجيش السوداني منهم الرائد أدم ترايو مناوي، ورجحت الروايات أن يكون تعداد القوة حوالي 168 جندي ومجاهد.
فجر اوديسا:
ففي فترة من التقاط الأنفاس ربما هى التي قضاها الطرفان في اشتباكات محدودة ، حتى العام 2002م عندما أعلنت الخرطوم نفتها المعروفة باسم نفره توريت التي جاءت في أعقاب دخول الحركة الشعبية توريت ومهاجمتها خلال التفاوض مع الحكومة لجهة عدم وجود اتفاق حول وقف الطلاق نار، ليمضى التاريخ بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005م. وبالعودة للعمليات المحلية الخرطوم لم تكن استثناءاً في الحالة العامة لاختيار التسميات اللافتة للنظر في عملياتها العسكرية، وسبقها العالم في سن السنة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقبلها كانت الحروب والعمليات تسمي بأسماء المواقع التي دارت فيها، أو ابرز المعالم الجغرافية المحيطة بالمعركة أو العملية، وسار الأمر علي هذا المنوال الي أن بدأت السيطرة الأمريكية علي العالم لتتركز الظاهرة، التي لم تلفت الانتباه، إلا بعد عملية (فجر الاوديسا) – الحظر الجوي علي ليبيا – لتفتح الباب أمام تركة مثقلة بالمسميات التي سميت بها عمليات عسكرية مشهورة في العالم، ففي العام 2004م كتب كريستوفر بيلامي أستاذ العلوم العسكرية في جامعة كرانفيلد البريطانية تقريرا نشرته الشرق الأوسط تحت عنوان (الأميركيون يختارون أسماء تعكس أمانيهم والبريطانيون عشوائيون والروس يستوحونها من الكواكب)، وعلى سبيل المثال لا الحصر كانت خليج الخنازير هو اسم العملية العسكرية التي دعمت فيها المخابرات الأمريكية باتيستا لاسترجاع الحكم من يد ثوار كاسترو وإتباعه، لكن فشل الإنزال العسكري حال دون ذلك في عام 17 أبريل 1961، وفي عام 1980م كانت عملية (مخلب النسر) لتحرير الرهائن الأميركيين في إيران بعد الثورة الإسلامية، ثم جاءت عملية (القضية العادلة) في ديسمبر عام 1989م، نفذتها أمريكا للإطاحة بالرئيس البنمي مانويل نوريجا، وفي عام 1993م بدأت أمريكا ما عرف بعملية (استعادة الأمل) في الصومال لمساعدة المدنيين الصوماليين وإنهاء الحرب الأهلية، تلت ذلك عملية درع الصحراء في أغسطس 1990م وهي عملية انتشار للمساعدة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية في مواجهة خطر العراق، ثم جاءت الحملة الجوية في يناير 1991 لعملية عاصفة الصحراء لإخراج القوات العراقية من الكويت عبر الدخول الى الكويت وجنوب العراق. بالإضافة لعملية (تمديد الفرج) عام 1991م في جنوب شرقي تركيا وعلى الحدود العراقية لمساعدة اللاجئين الأكراد، وفي الرابع والعشرين من فبراير 1991م جاء الهجوم البري في عملية وحش الصحراء، ثم جاءت عملية تحرير العراق لتغيير النظام في العراق.
كابول تنال حظها:
ثم جاءت سلسلة الهجمات الأميركية على أفغانستان باسم (الحرية الدائمة) أو (العدالة المطلقة) في اكتوبر1991، بيد أنها تراجعت عن الاسم أخيرا عندما أعلنت الحكومة الوطنية أنها غير قادرة على نشر هذا الاسم لأسباب دينية، ويضيف التقرير أن العمليات المستقلة داخل الحملات الكبري تأخذ أسماء واحدة في كثير من الأحيان، ففي أفغانستان بحثاً عن متطرفين سميت احدي العمليات (بالاناكوندا)، وسمي هجوم القوات الأميركية في منطقة الفرات كجزء من حملة تحرير العراق بعملية كوبرا. وفي ابريل عام 1996م جاءت عملية عناقيد الغضب وهي تسمية إسرائيلية للعدوان على لبنان، والذي أحدث مجازر قنا والمنصوري، وانتهت باتفاق دولي سمّي تفاهم أبريل الذي استمر حتى عام2000م، وبموجبه انسحب الجيش الصهيوني من لبنان بشكل شبه كامل.
مداخل التسمية:
إن عملية اختيار التسميات في العمليات العسكرية ربما يرتبط بالاعتزاز بالقيم الثقافية التي يؤمن بها القائمون على العملية، فيما يرى كثيرون أنها تنبع من القائد العسكري، خصوصاً الغربي، والذي عادة ما يكون صاحب إطلاع وثقافة عميقة في جميع المجالات ومنها الأدب والتاريخ، وهما من المقومات المعنوية التي يعتمدون عليها في بناء شخصية الجندي المقاتل، ففي مقابل القيم الدينية كالشهادة في سبيل الله التي تعزز في الجندي المسلم، يلجأ القادة الغربيون إلى التاريخ وقيم إنسانية كنشر العدالة والحرية، وربما مجاراة البطولات الخارقة للأبطال الأسطوريين، لشحن همم الجندي المقاتل.
فيما يرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. أسامة زين العابدين فيي حديث سابق لي، أن التسميات العسكرية ترتبط بمن في يده القرار داخل المؤسسة العسكرية، ويقول (في كثير من الأحايين يكون المعني بإدارة ملف ما ذو نزعة أدبية فتنسحب علي تسميته للعملية، وإذا كان من عشاق الرياضة فتأثير ذلك سيظهر في أمثلته أو في استخدامه لتعبيرات رياضية) ويضيف (الأمر ذوقي، فأحيانا تريد أن تستمع لموسيقى هادئة وفي أحيان أخرى تريد صاخبة فهو أمر لا يخضع للترتيب الدقيق)، بيد أن أسامة يستبعد على الأمريكان تحديداً محاولة نمذجة أنماط تفكيرهم ونماذجهم وتسويقها ويقول (أمريكا تسعى لنشر ثقافتها في العالم عبر نشر طرق الأكل الأمريكية والحياة الأمريكية وتسويق الحلم الأمريكي، وهو نوع من الاستعمار الناعم المتسلل.
أما في الجانب الدولي وحسب ما نقلته تقارير إعلامية عن الباحث في الشئون الإسرائيلية، عدنان أبو عامر، فإن تسميات العمليات العسكرية الإسرائيلية على سبيل المثال توجد دائرة بالجيش الإسرائيلي تسمى بـالدائرة المعنوية أو دائرة الحرب النفسية، من مهامها اختيار هذه الأسماء التي تحمل أهدافا دينية وسياسية، وهى مستلهمة من نصوص في التوراة ويمضى أبو عامر قائلا، إنه في كل عملية يتم البحث داخل الكتب الدينية عن اسم يناسب العملية، وإقناع الجيش الإسرائيلي بأنه يقوم بمهام إلهية، مضيفا أنه للتسمية تفاصيل سياسية ومعنوية، حيث تحمل الكثير من الإيجابيات بالنسبة للإسرائيليين، الذين يندفعون نحو العملية بقوة وحضور نفسي. ولهذه التسميات أثر سلبي مأمول على الطرف الآخر، وهو الفلسطيني ليشعر بالرعب والخوف. انطلاقا من تلك المسميات، التي تخدم الفكر الديني التلمودى، يرتكب الجيش الإسرائيلي المجازر بحق الفلسطينيين، ولا يفرق بين طفل وامرأة»، وفقا للخبير في الشئون الإسرائيلية، أنطوان شلحت.
دفاع الخرطوم:
ويذهب الخبير الأمني العميد معاش حسن بيومي بعيداً بقوله: أن التسميات تأتي من فرع العمليات بوزارة الدفاع للدول التي تقود العملية العسكرية, وقال بيومي لـ(ألوان)أمس: تجتمع قيادة الأركان ومن ثم تطلق اسم لعمليتها, واستشهد بيومي بعاصفة الحزم التي جاءت لحزم خطر الحوثيين على السعودية صاحبة المبادرة, بجانب الدول التي يتأثر أمنها القومي كدول الخليج التي تتمركز بقواتها في محيط اليمن, مواصلاً: دول السودان ومصر أيضا أمنهم الداخلي متأثر من قبل الحوثيين في مضيق باب المندب الذي يمكن أن يغلق من قبل الحوثيين ويتأثر الاقتصاد في السودان. منبها الى أن التسميات في السودان ليس بعيدة من التسميات العسكرية العالمية, ويوجد مؤسسات بعينها من تسمي العمليات العسكرية التي عرفت في الداخل كعملية صيف العبور وغيرها من التسميات. لافتاً الى أن التسميات يمكن أن تكون ذات دلالة مباشرة أو أن تكون علي منطقة من المناطق التي تكون مستهدفة.
أثار نفسية:
وعن التأثير النفسي لأسماء العملية العسكرية تأكد خبيرة علم النفس سارة عثمان لـ(ألوان)أمس: أن لأسماء العمليات العسكرية تأثيرات نفسية كبيرة علي المقاتلين من الطرفيين سواء التي أطلقت الاسم من الجهة العسكرية، وعادةً تكون هى التي أطلقت اسم العملية برفع الروح المعنوية للجنود أو لافراد المجتمع, من جانب وإرسال رسالة للجهة الأخرى من اجل الإحباط المعنوي لها. وقالت سارة أن الأسماء لها ما بعدها وتعبر عن الرسالة التي يجب أن تصل للجهة المعادية, لافتة الى اسم العملية العسكرية يكون لمنطقة أو لبحر كعملية بمصر أو خلاف ذلك. فالاسم في تقديري والحديث لسارة إشارة لمبتغي الجهة التي أطلقته فمثلاً عاصفة الحزم هي تعني الدخول في معركة حامية الوطيس, من اجل الحسم الثوري. وهكذا دائماً تأتي اسم العملية العسكرية سوا داخلياً أو على مستوي العالم. فجميعها لها دلالة نفسية (برفع الروح المعنوية, أو الإحباط).