الخطــوط البحريــة .. وتلـك الأيــام

بقلم : عبدالروؤف بابكر المهدي
مرحبا بالفريق محمود عبد الله قمش الذي صدر قرارا جمهوريا بتعيينه مديرا عاما لشركة الخطوط البحرية السودانية اعتبارا من أبريل 2015.. وهو المدير الخامس عشر في تاريخ الشركة التي امتلكت يوما ما خمسة عشرة قطعة تجارية بحرية.
الفريق ليس في وضع من نهنئه بهذا التكليف بقدر ماهو في حاجة إلى الدعوات الصادقات الصالحات فقدر الفريق قمش أن يدخل سفينة مهددة بالغرق .. وأن يجلس على كرسي محاط باللهب مقيد بالاضطراب .. والزمن بين النجاح والفشل ضيق جدا فالأمر في البحرية وقرار التكليف ماكان يحتمل حتى الاستخارة .. أمواج الخيبة تدخل من كل الأبواب .. وأصوات الهزيمة قريبة جدا.. وبحار النار تأكل لحم وعظم البحرية.
أما وقد أختار الرجل سكة الخطر فهو والبحرية مقبلون على امتحان عسير فعليه أن لايستمع لحالات الغزل الأجوف التي أحاطت بغيره من المدراء وصرعتهم .. ولاينبغى أن يقبل الورود المغشوشة ترحابا بمقدمه فماهو بحاجة الى مزيد من المزامير الرومانسية بقدر ماهو في حاجة إلى الوضوح التنظيمى الذى يسمح دوما بالتجدد والتميز والتغلب على الضعف .. بقدر ماهو فى حاجة لىشركاء حقيقيون يتناوبون معه هم هذا التكليف العصيب.
المرحلة بحاجة إلى قيادة تجمع أعلى درجات الانضباط والكفاءة والعدل والحزم ..وكأنما هذا القرار يضع مسئولية التكليف على كتفي رجل واحد عقلا .. وقلبا .. وجهدا ,, وقبول الفريق هذا التكليف يعنى قبول التحدي فالتكليف في هذه المرحلة مرادف دقيق لمعنى الإرادة .. وفى ظني أن الفريق قمش يحس بمشقة هذا الاختيار كما لم يحس به أحد ممن سبقوه .. لعدد من الأسباب أهمها أن الرجل بعيد من محاور هذا النشاط .. وأنه يدخل البحرية وهى غارقة في الديون مثقلة بالإسقام .. تعانى الترهل والانفلات ..محاصرة بالعواصف والبر وق والرعود…المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة .. والحل بالطبع ليس في أول منحنى للطريق .. ويقيني أن الرجل بتجاربه الإدارية الطويلة في إدارة الأزمات وفى حسم التناقضات قادر على أن يفتح نوافذا تستنشق عبرها البحرية هواءا طلقا معافى ينشط عقلها ويجدد دماؤها.
الخطوط البحرية السودانية واحدة من الشرايين الهامة لتجارة السودان الخارجية . وأحدى القوى الداعمة للأمن القومي وهى النافذة التي تطل عبرها بلادنا علي كل دول العالم .. و يساهم في تنمية وزيادة فرص التبادل التجاري الإقليمي والعالمي للدولة .. وتؤمن للبلاد نقل احتياجاتها التجارية وخلافها في أوقات الكوارث والحروب وعند الأزمات واستمرت منذ ذلك التاريخ وحتى مطلع الثمانينات في قمة النجاح وقمة التميز .
التحولات النوعية التي حدثت في الأوضاع الاقتصادية في مجال صناعة النقل البحري وخاصة في عقد الثمانينات أحدثت هزة عنيفة في هذا النشاط وتبعا لذلك تأثرت الخطوط البحرية حتى أن الأوضاع فيها مؤخرا وصلت لمرحلة الشلل .. وأصبح واضحا أن ماخلفته الأزمة من آثار سالبة يحتاج إعادة بناء الشركة على أسس جديدة تتجاوز أخطاء الماضي وعيوبه المتكررة واعتماد آلية جديدة وأفكار وسياسات وخطط إدارية ومالية وتجارية متنوعة وقوية متعددة الاحتمالات وواضحة المعالم وأطقم مساعدة تتميز بفاعلية كبيرة لإعانتها في إدارة خدماتها بكفاءة عالية تحقق الإجادة علي مستوى الأداء العام .. فقد وضح أن الإدارة التقليدية في هذا المرفق أبقت البحرية عقيمة في التوريث عقيمة في التجديد حتى وصلت إلى مرحلة أصبح فيها وجود الكفاءات الشابة مهدد بالفناء
أما كيف نستطيع أن نأخذ الغد لصالح البحرية يجب أن نرتب البيت من الداخل على نحو ما ذكرنا وماسيرد من مقترحات ويجب أن يكون ماخططت له البحرية بالأمس قد تحقق وما نفعله اليوم يسير في طريق النجاح وإذا كان عبْ التصدي والاحتكام لمشاكل البحرية قد وقع على المدير العام وحده لابد له من أن يوظف كل الممكن وبعض المستحيل في إقناع الدولة بضرورة تبنى الخطة المستقبلية للشركة وتقديم الدعم المباشر وغير المباشر أو الضمانات الكافية لمراحل تجديد الأسطول ومنح المعاملات التفضيلية للناقل الوطني.
نحن نشفق حقيقة لحال اى مدير يكلف بإدارة هذا المرفق .. ولازلت أذكر الرسالة القصيرة جدا البليغة جدا التي أرسلها كابتن عبدا لرحمن الزين للكابتن مصطفى مختار وهو يكلف بمهام المدير العام فاكتفى الكابتن القدير بما يلي ( لو كنت مكانك ماقبلت ).. كما تستحضرني كذلك كلمات الكابتن فضل السيد وهو يشارك في الحفل الذي نظمته الشركة لاستقبال المدير السابق في حضور قدامى المحاربين .. لم ينسى كابتن فضل أن يودع المدير قائلا ( شكرا لاهتمامك بقدامى العاملين وشكرا لهذا الحفل الرائع ..ومع أمنيات التوفيق أقول أنه لو لم تتلقى دعما من الدولة فلن نحسب هذا اللقاء إلا في إطار العلاقات العامة وكل جهد أو أفكار طرحت في هذا الحفل أو في غيره مصيرها الموات..) هؤلاء القباطنة يدركون بالتمرس إن هذه الصناعة باهظة الكلفة محاطة باللهب مقيدة بالمخاطر.
ولو جاز لنا أن ندلى بدلونا في أحداث البحرية فإننا نقول إن الوضع الراهن للشركة يتطلب ما يلي :-
• إن تعتمد الشركة علي تقصي حركة واتجاهات تجارة السودان و أعداد تنبؤات عن حال السوق الملاحي وسوق النوالين وتحديد حجم وأنواع وعدد وحمولات السفن اللازمة لخدمة التجارة ومراحل تنفيذها حتى العام 2025 على سبيل المثال. ويجب الحذر في الدخول في المشروعات التي تتصل بشراء بواخر جديدة في هذه المرحلة وهذا الأمر وان حدث سيعطى البحرية قيمة عددية من السفن .. لكنه في هذه الظروف يتحول إلى عبْ ولا يضيف ميزة فالمطلوب في الوضع الراهن والنظر مستقبلا وفي إطار الخطة الكلية وعلى ضؤ الدراسات والتنبؤات دعم الأسطول وتنويعه ببواخر المواشىء والحاويات ألخ عن طريق البناء أو الشراء ويراعى الاعتماد على الأحجام المناسبة والسعات الاستيعابية المنافسة مع الأخذ في الاعتبار تطوير الأساليب الخاصة بإدارة وتشغيل هذه السفن .
•دراسة عناصر المنافسة فقد ثبت إن التجارة العالمية أصبحت تعتمد علي سفن الخطوط المنتظمة كما إن نشاط التجارة الدولية نفسه تتحكم فيه و تحتكره تكتلات إقليمية وتحالفات كبرى تستأثر بنحو 42% من حجم التبادل التجاري وأن نحو 75 % من طاقة عمل الحاويات تحت سيطرة هذه التكتلات .
•إتباع سياسة حمائية للأسطول الوطني ووضع ضوابط دقيقة لترخيص الشركات الملاحية الأجنبية التي تزاول عمل الوكالة فقد ثبت إن لهذه الشركات ممارسات ضارة بالاقتصاد .. مع العمل علي تفعيل دور الوكيل البحري في المرحلة الأولى من خطة عمل الشركة ففي العام 1978 استقبلت الخطوط البحرية السودانية 190 باخرة من بواخر التوكيلات ساهمت في نقل ما يزيد عن 21% من حركة الصادرات والواردات .
•يراعى مستقبلا أن تقدم الشركة إضافة لخدمات النقل البحري الخدمات المتعلقة بالنقل متعدد الوسائط مع إبراز التأثيرات الايجابية التي يمكن أن يحدثها في حركة بضائع الترانزيت لدول الجوار .. ويفضل أن يتم ذلك عبر منظومة متساندة من الجهات المعنية بتنسيق زيادة دور السكة حديد والنقل النهري للمساعدة في عمل المنظومة مع تقديم تسهيلات نوعية و مرونة من سلطات الجمارك والموانئ والشركات الناقلة ويتبع ذلك تطوير وتحديث مستمر لآلية العمل مع تأهيل مناطق تخزين ومستودعات الحاويات وتجهيزها بمعدات المناولة .
•إعادة هيكلة الشركة بما يحقق القدرة على المنافسة وإعداد توصيف كامل عن حجم العمالة المطلوبة ومراجعة معايير الوظائف فلقد وضح أن هنالك اختلال وتضخم في الهيكل التنظيمي للشركة وازدواجية وتكدس في الوظائف واختفاء إدارات هامة ومؤثرة من هيكل الشركة .. ويجب مراعاة تشجيع تحفيز العاملين الذين لايستوعبهم هيكل المرحلة فالمعادلة عسيرة لهؤلاء العاملين الذين أقاموا حياتهم على البحرية.
• تنمية الكوادر البشرية وإنفاذ معايير مهنية تحقق الموائمة وتقريب الفجوات الوظيفية بما يضمن الخلافة السلسة وخلق جيل جديد من الكفاءات البحرية لمقابلة الاحتياجات التشغيلية مستقبلاً فالشركة الآن تعاني من انعدام هذه الوظائف لهجرتها أو تركها هذا المجال لأسباب مختلفة ويمكن الاستفادة في هذا المجال من المعاهد والأكاديميات البحرية في الدول العربية..
رسالتي للفريق قمش : – أن هذه لحظات للابتلاءات وللاحتساب .. فالواجب أن لانبكى على الخطوط البحرية وعلى تلك الأيام التي كانت .. وأن لانركن لاحباطات الحاضر .. وأن نفتح أبوابنا للأمل .. فالإرادة وحدها هي الجسر الذي يعبر بنا نحو غايات الحلم الجميل .. إذن .. أعد شراعك للإبحار .. أسرج خيول الصبر .. أكسر دائرة الليل المغلق .. أهدم جدار المستحيل .. أطفئ بحار النار .. أدعو السحب الهادرات يأتينك بأمطار الخير والنماء وبالله التوفيق

رأيان حول “الخطــوط البحريــة .. وتلـك الأيــام

  1. الأخ الأستاذ عبدالروؤف بابكر المهدي – تحية طيبة — مقالك راائع نفذ الى قلوبنا – كيف لا وهيئة الموائي البحرية حبيبة الى قلوبنا فقد كانت شامخة سامقة رفدت الخزينة العامة للدولة وربطت السودان بدول ما كنا نحسب أننا ببالغيها – لكن للأسف طالتها يد الغدر والخيانة فأنهارت سريعا وكنا نرى مراكبها تغرق مركبا بعد مركب وبكينا عليها وما نزال . ليتها تعود سيرتها الأولي أخي عبد الروؤف وأنت كنت أحد أوائل الموظفين المؤثرين وحملت راياتها مزهوا فرحا ردحا من الزمن – سرني أن قرأت لك وليتني أعرف لك بريدنا الكترونيا او وسيلة تواصل لمعرفة أخبارك

    تحياتي لك ولكل من حولك

التعليقات مغلقة.