الخرطوم وتل أبيب.. السفارة في (الرياضة)

أكرم الفرجابي
لم تكن حادثة انسحاب لاعبا التنس أسامة المك وزميله محمد صلاح بعد أن أوقعتهما القرعة أمام إسرائيل من منافسات الزوجي ببطولة العالم لتنس الطاولة المقامة حالياً بمدينة (سوزو) الصينية هي الأولى من نوعها، إذ انسحب منتخبنا الوطني لكرة القدم من تصفيات كاس العالم عام 1958م بعد أن أوقعته القرعة أمام المنتخب الإسرائيلي، برغم تخطيه للمنتخب السوري في المرحلة الأولى، واعتذار مصر عن المواجهة في المرحلة التالية مما مهد له الطريق في المضي قدماً نحو البطولة الأكبر في العالم، لكن اصطدامه بأحفاد بني يهود جعله يفضل الانحياز إلى القضية الفلسطينية ويضحي بالأحلام المونديالية، وهو ذات الموقف الذي حدث بالأمس حيث جاء قرار الانسحاب من البطولة سريعاً، من رئيس البعثة أحمد عبد الله سكرتير الاتحاد السوداني لتنس الطاولة، الفعل الذي وصفه بعض المراقبون بأنه قوياً وشجاعاً، بالرغم من أنه قد يعرض الاتحاد السوداني لعقوبات، الأمر الذي طرح حزمة من الاستفهامات.
لماذا نعادي إسرائيل؟
أسئلة من هذا القبيل تدور همساً وفي أحايين سراً، وربما تتحول إلى أحايين أخرى جهرة وعلى الملأ، ولا تقتصر تلك التساؤلات والمناقشات التي تهدأ تارة وتشتعل تارة أخرى، على فئة دون أخرى في المجتمع السوداني بل تمتد حتى الدوائر الضيقة أو الخاصة للمتنفذين في الحكومة، فمنهم من يرى أن جُل مشاكل السودان الداخلية، إن لم تكن كُلها جراء معاداة الدولة السامية والتلكؤ في التطبيع معها، على غرار ما صنعت معظم الدول العربية والإفريقية بما في ذلك (دول المواجهة) التي كان لها دور بارز في ذروة الصراع العربي الإسرائيلي، وتلك الفئة كانت أعلاها صوتاً وزير الدولة بالداخلية السابق أحمد محمد العاص الذي نصح في محفل علني الحكومة منذ أعوام بالسعي للتطبيع مع إسرائيل لحل مشاكلها، وعلى ذات النهج سار والي القضارف السابق كرم الله عباس الذي لم يتوانى في إعلان رغبة التطبيع، بالرغم من أن ذكر إسرائيل في أي مجتمع سوداني إلا ووجدت الاستياء والاستهجان باعتبارها دولة مغتصبة لدولة عربية شقيقة (فلسطين)، وظلت الخرطوم واحدة من العواصم المتمسكة بعدم التطبيع مع الكيان الإسرائيلي رغم تطبيع دولة اليهود مع الكثير من الدول العربية والتي تربطها مصالح معها.
علاقات المصلحة:
كثير من الدول العربية لها علاقات دبلوماسيه ولها سفارات لدولها في تل أبيب، وهذه العلاقات بدأتها مصر بعد حرب أكتوبر عام1973، فقد كان للرئيس المصري الأسبق أنور السادات رأي بأنه لن يدخل في حرب ضد إسرائيل، وسار في طريق المفاوضات حتى حرر سيناء وطابا، وما أن قام السادات بزيارة إلى القدس ومخاطبته الكنيست الإسرائيلي، حتى دخلت المملكة الأردنية الهاشمية من بين الدول العربية بعد توقيعها اتفاقيه وادي عربه، الأمر الذي أعقبته علاقات دبلوماسية تبادل من خلالها الطرفان السفراء، وانعقدت البروتوكولات السياحية والاقتصادية، هذا جانب أما الدول الأخرى فإن علاقاتها مع إسرائيل متينة بحكم وجود جالية يهودية كبيرة بالمملكة المغربية على سبيل المثال حيث كان مستشار الملك الراحل الحسن الثاني يهودياً، ويوجد تمثال في إسرائيل للملك محمد الخامس تقديرا لدوره تجاه الدولة العبرية، ودول المغرب العربي سبقت جمهوريه موريتانيا الإسلامية في إقامة علاقات بين البلدين واستفادت موريتانيا من التقنية الإسرائيلية في مجال الزراعة، واضعف العلاقات الإسرائيلية فهي مع ليبيا والجزائر وتونس التي بعد زوال حكم بن علي أصبحت اكبر مستقبل للسياح اليهود والذين يأتون لزيارة معابد يهودية وآثار في جنوب تونس، وفي المشرق العربي أقامت دوله قطر أول العلاقات بإقامة مكتب علاقات تجاريه وتكررت زيارات مسئولي دولة قطر لإسرائيل، بينما لم تظهر للعلن أي علاقات لدول بالخليج العربي مع اسرائيل.
تطبيع فردي:
شهدت الأوساط الرياضية وكذلك السياسية خلال الفترة الماضية، جدلاً كثيفاً حول مشاركة لاعب سوداني لمنافس إسرائيلي في بطولة العالم للشطرنج التي نظمت في العاصمة الجنوب إفريقية (جوهانسبرج)، واصحبت تلك المباراة العديد من التداعيات، كان أبرزها تقديم رئيس اتحاد الشطرنج السوداني لاستقالته عقب رفض اللاعب للانسحاب من تلك المباراة التي هزم فيها السودان ميدانياً وهزمت المقاطعة العربية لإسرائيل بكسرها بتلك المباراة، بيد أن عدداً من القيادات السياسية يرى أن المقاطعة مستمرة وان السودان لن يكون من الدول التي تطبع علاقتها مع إسرائيل، ووصفت تلك القيادات مشاركة اللاعب بأنه قرار فردي لا علاقة للدولة به.
الاحتفاظ بحق الرد:
المتتبع لتاريخ الصلة بين البلدين يجد أنها اقتربت من مرحلة التطبيع غير المعلن إبان حكم الرئيس جعفر نميري (1969-1985) بتأثير مباشر من الرئيس المصري أنور السادات الذي وقع اتفاقاً منفردا مع إسرائيل برعاية أمريكية في 1979م، وتوجت الصلات غير المباشرة بين تل أبيب والخرطوم بموافقة الأخيرة على ترحيل اليهود الفلاشا عبر أراضيها من إثيوبيا إلى إسرائيل في عمليات تهجير سرية أطلق عليها كودياً (موسى) و(سبأ)، وقبلها في نهايات خمسينات القرن الماضي كان رئيس وزراء إسرائيل ديفيد بن غوريون يعول على اتخاذ السودان رادعاً لمصر واتخاذ إثيوبيا رادعاً للسودان وهو ما عرف وقتها بمشروع (دلاس) على اسم عرابه وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دلاس لمحاصرة المد القومي بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفي السنوات الأخيرة تدخلت إسرائيل بالعمل العسكري المباشرة، واستهدفت في أكثر من مناسبة قوافل بشرق السودان بحجة أن تلك القوافل مسئولة عن تهريب سلاح سراً إلى قطاع غزة عبر الأراضي المصرية ومنذ أكثر من عامين ضربت قاذفات سلاح الجو الإسرائيلي مصنع اليرموك الذي يقع جنوبي العاصمة الخرطوم.
وكانت ردة فعل الحكومة السودانية مع العمليات العسكرية الإسرائيلية تكتفي بأنها تحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.