الحماقة السياسية..قــــرارات التوقيــــت الخاطــــئ

الأوساط السياسية تمور بخلافات حادة حملت البعض على مغادرة مواقعهم في ممارسة حادة للعمل السياسي بالبلاد وغادرت الديمقراطية التي يتشدق بها قادة كبار الى غير رجعة، وبينما نجد أن الخلافات في وجهات النظر تتطور سريعا إلى تصريحات مناهضة لبعض من تيار سياسي واحد، ولكن كلا القيادات تصرح في اتجاه مغاير في فوضي عارمة وتبادل للاتهامات بالديكتاتورية ثم الانسلاخ عن الحزب في تصرف غير حكيم وعدم مراعاة للمبادئ والأهداف التي أنشئ لأجلها التيار محل الخلاف، وبالمتابعة نكتشف أن القرارات الخاطئة جاءت نتيجة للغضب الذي أفترس الكثيرين وأجبرهم على تغيير وجهتهم فيما تسمي تقليدا (بالحماقة السياسية )تلك الحماقة التي كلفت أحزابا كبرى قيادات في الصف الأول.
فلماذا يرضخ ساسة كبار لتفكير صغير يتسبب في شلل للحزب أو التيار الذي ينتمون إليه؟ والى اى حد تؤثر طريقة التفكير في قرارات شئون عامة يحولها لشأن خاص وإلى اى مدى أثر تكوين الشخصية السودانية وطبيعتها في طريقة التعاطي السياسي والى اى مدى أوصلت تلك القرارات الأحزاب السياسية إلى نتائج كارثية سببت لها أزمة لاحقا، نتيجة للتخبط العشوائي في الوصول لحلول قد تكون متعجلة وبالطبع يفرز هذا النوع من الحلول المسكنة أزمة وتراكمات تؤثر على المدى البعيد والقريب.

غادة احمد عثمان


الرابع من رمضان:
مبكرا نجد أن قرارات الرابع من رمضان في شهر ديسمبر منذ العام 1999م قد تم بموجبها إقالة عراب الإنقاذ د.حسن عبد الله الترابي مهندس انقلاب 1989م، ووقتها أراد الترابي سحب سلطات الرئيس البشير على أن ينفذ فقط القرارات التي تصدر منه، مما أثار حفيظة أصحاب مذكرة العشرة في أول مغاضبة أطاحت بالشيخ الذي جاء بهم عبر الانقلاب الشهير مما اغضب ذلك شباب الحركة الإسلامية ذلك أن تفاصيل إقالة شيخهم مثلت لهم كارثة وبالفعل خرج معه من المؤتمر الوطني المئات ونظموا ندوة خاطبها شيخهم معلناً تكوين حزبه الحالي والذي أطلق عليه المؤتمر الشعبي وتعتبر مغاضبة الإسلاميين من أشهر الحماقات السياسية حيث أفرزت واقعا سياسيا جديدا، ويعترف إسلاميون كثيرون بأن وضع البلاد كأن سيكون أفضل لو كأن الدكتور الترابي مشاركا في الحكومة، ورغم أن سنوات طويلة فرقت الشيخ الغاضب بينه وحيرانه الذين يحبونه جدا إلا أن التغيير الذي حدث في المحيط العربي والإقليمي دفع الترابي للظهور مرة أخرى استجابة بحسب المراقبين للحاجة الملحة لكون ما حدث للإخوان المسلمين في منطقة الربيع العربي ليس بالأمر الهين ونتيجة للتطور في المنطقة والعدائية التي لازمت ذلك استجاب الترابي وعاد وسط أخوانه أعداء الأمس أصدقاء اليوم، وكما يقولون فأن المصائب تجمع المصابين فهذه حقيقة وعاد الشيخ متناسيا كل ملابسات وغدر ذوي القربى لأجل المحافظة على التيار الإخواني العريض والمنتشر في عدة دول ويجد عداء كبيرا لأسباب لا مجال لذكرها وبالطبع اغضب موقف الترابي الايجابي بالنسبة للحكومة والذي يعتبر مكسبا لهم، إلا أنه اغضب حلفاءه في قوي التحالف ذلك الغضب الذي لم يعد يخفي، ووقتها اغتاظت اغلب قيادات التحالف وفوجئوا بحسب قولهم باستجابة الترابي، وحضور لقاء نداء الوثبة، الذي دعا له البشير بقاعة الصداقة فكأن أول ظهور للترابي مع قادة الحزب بعد أن تم اللقاء والاتفاق في الخفاء، الأمر الذي تم الكشف عنه لاحقاً عبر تسريبات كثيفة.
تجميد الأول:
وبالنسبة لحزب الأمة القومي فقد طالته انفعالات وغضب عارم أنتظم صفوفه للدرجة التي جمد فيها الحزب عضوية قادة في الصف الأول، وخرج آخرون متحفظين نتيجة للممارسة السياسية الحادة وغير العادلة بحسب رأي بعض عناصر الحزب، مما تسبب في تشظي التيار إلى ستة أو سبعة فروع تحمل اغلبها نفس الاسم تحت لافتات تيار عام وإصلاح وتجديد، مما يؤكد عمليا بأن المشاحنات والنقاشات والسلطة المنفردة بالقرارات هي التي حملت بعض قادة الأمة إلى المغادرة بل وتشكيل تيارات جديدة تدار بعيدا عن سلطة وسطوة آل المهدي المسيطرة، بحسب تصريحات سابقة لهؤلاء القادة، والذين أكدوا على عدم إعطائهم المساحة الكافية لإبداء أرائهم فاتخذوا قرارهم بالابتعاد عن جبة الإمام، فكأن خروج مبارك الفاضل ومن بعده نهار ومسار، ثم تيارات الإصلاح سواء الشباب أو من بعد كل ذلك مادبو .
مقصلة نجل مولانا:
ثورة الغضب السياسية استمرت لتشمل قرارات الحزب الاتحادي الأصل ففي غياب مولانا الميرغني بعاصمة الضباب، أعمل نجله الحسن مشرطه منفذاً جراحة تخلص فيها من كل من يقول له لا وأتي المبضع الاتحادي على قيادات في الصف الأول، والتي عبرت بدورها عن حماقات نجل الميرغني بحسب وصفهم وأنكروا تفويض والده له، وبالتالي جاءت قرارات الاتحادي الأصل في توقيت الزمن بدل الضائع ليتوعد أولئك القادة الذين أقالهم ابن السجادة الختمية وجمد عضويتهم بـ(جرة قلم) وتوعدوا باتخاذ قرارات مؤلمة بالنسبة لسليل السادة المراغنه، والذين اعتبروه صبيا صغيرا لا يعي ما فعل، ومن جانب آخر فقد أنشق الاتحادي المسجل لأقسام استحالت معها تحقيق الوحدة التي لم تتحقق بالشكل الذي ترجوه قواعد حزب الحركة الوطنية..
الوطني يكرر:
المؤتمر الوطني غادر مغاضبته التاريخية مع د.الترابي، بإنتاج عدو جديد هو ابن النظام البار د.غازي صلاح الدين زعيم حركة الإصلاح الآن ومعه حسن رزق وآخرين، لتنال الإصلاح حصتها من الحماقات السياسية عبر مسعى آخر للإصلاح بعيدا عن الحركة الجديدة لينكشف حجم الهوة التي ظلت ماثلة وأفرزت ذلك الغضب العارم من قبل أشخاص كانوا الأقرب لمركز القرار، ولكنهم غادروا هكذا ببساطة ظاهريا، ولكن في الداخل أكدت المغادرة حجم الصراع والتراكمات والغبن من عدم ممارسة الديمقراطية داخل تياراتهم في فضائح تنظيمية، باتت ظاهرة للرأي العام ذلك أن الحماقة في الجوانب السياسية، باتت واضحة لكونها تفرز نتائج كارثية لارتباطها مباشرة بالرأي العام وقضاياه، وفي ذلك يقول المحلل السياسي د.عمر الحاوي أن السياسة كلها عبارة عن مسعى مدني لحل الخلافات في إطار سلمي بالمنطق، وهي تستبعد تماما اى أساليب أخرى لحلحلة الخلافات بل فقط الحجة والإقناع، ويؤكد الحاوي في حديثه لـ(ألوان)أمس، أن السودان يشهد تدن شديد في مستوي الخطاب السياسي ولا يزال الناس يتذكرون حديث د.نافع على نافع وعبارته (ألحسوا كوعكم) واستمر على المنوال هذا حتى مصطفي عثمان وكلهم أشخاص غير مطلوب منهم قول المهاترات كما أنه لا توجد خديعة بل برامج والقانون أمام الناس، ويمكن الاحتكام إليه، وكذلك المحكمة الدستورية والإجراءات واضحة ولكن كثيرا ما يخرج الناس حتى عن حدود اللياقة والدبلوماسية.
التأني في السياسة:
ويتفق معه المحلل السياسي د.عمر عبد العزيز، ويضيف بأنه على مستوي السلوك الشخصي وارد جداً ارتكاب حماقات، ولكن الوضع يختلف في اتخاذ القرار، ومن جانب ثان فقد عرف عن دكتور نافع اللهجة الحادة إلا أن نافع قال في مقابلة تلفزيونية أنه يعرف نفسه جيدا، ولذا فالغالب هو أن تصريحاته مقصودة في الحزب لإرسال رسائل محددة، وأستدرك في حديثه لـ(ألوان) أمس(عندما يغضب الإنسان يفترض أن يراعي لسانه ومشاعر الآخرين)، ويؤكد عبد العزيز، بأن الغضب جانب والقرار السياسي لاى حزب جانب ثان، لاختلاف الوضع في الحالتين لكون أن القرار السياسي فيه تأن دائما، ولو كانت المؤسسات السياسية في كل الأحزاب غاضبة دوما لفقد الآخرون صوابهم.
شتارة وعدم معرفة:
من جانبه يرى القيادي بحزب البعث السوداني محمد وداعة في حديثه لـ(ألوأن) أمس، أن السياسي لا ينبغي أن يكون أحمقا لأن تلك مشكلة كبيرة، وأضاف(هناك حماقة وشتارة وعدم معرفة وهي في الغالب عدم إدراك تام لأهمية تكنيك التواصل وإيصال الفكرة بشكل صحيح) وأشار وداعة إلى أن السياسة في السودان بها حماقة كبيرة حيث يحلف احدهم بالطلاق ويقول (على بالطلاق.. وحرم) مما أضر بالنهج كثيرا، منبها إلى أن الحماقة نفسها درجات، فمنها أن يجلس أحدهم في منزله غاضباً، وهناك وزراء جلسوا في منازلهم بسبب الحماقة، وآخرون غضبوا ولازموا بيوتهم لأنه لا تتم استشارتهم، ولذا هذا النوع من الحماقات كأن يمكن تجنبه، وكأن الأجدر بهؤلاء تقديم استقالاتهم ليسجلوا مواقف سياسية، وهذه النوعية من الحماقات تكررت كثيراً، حيث تردد مثلا بأن المتعافي غضب وشيخ على اعتكف، وكلها لا تخرج عن الحماقات..
أسباب ودواعي:
ويذهب وداعة لشرح سبب الحماقة ويجملها في أنها تنشأ بسبب قول الحقيقة وأضاف( السودانيون لا يتحملون الشفافية والحقائق ولذا يرتكبوا حماقات يوميا وتتمثل الحماقات في المهاترات والألفاظ النابية والغريبة)، وأكد ممثل البعث في التجمع الوطني سابقاً، أن هذه النوعية من الألفاظ تشكل صورة الإنسان الذي قالها وقال(كما وأن العنف اللفظي يعتبر نوعا من الحماقات)، مشيراً إلى أن أسوأ نوع من الحماقات هو الحقد السياسي والإصرار على الموقف، وعدم تصور الشخص في أنه لن يأتي غيره، وكأن حواء لم تلد غيره، وقال (هناك من تربوا تربية حمقى واغلب المتنفذين من أهل الريف والقرية واغلب السياسيين إما أولاد طبقة وسطى أو عاديين وصاروا خشنين وحمقى مثل (أبو الدقيق)وتربيتهم السياسية خاطئة مما جعلهم ينتجون أجيالا تدير مواقفها السياسية كما تدير مزارعها وحتى أن بعض القيادات لو تمت إقالتهم أو إعفائهم لا يرضون ويتحولون للمعارضة) مؤكداً أن الانشقاقات في المؤتمر الوطني 90% منها يرتبط بإبعاد الشخص عن المنصب الوظيفي وما قصة المنشية والقصر ببعيدة، حيث يحكى أنه قيل للشيخ تبقى إمام فقال لهم أريد منصب نائب الرئيس، وهذه بالطبع حماقة وخروج اغلب القيادات من أحزابها يرجع نتيجة للحماقة، والتمسك بالمواقف وإنكار الآخر، ويرى أن المسألة ليست حكرا على الحكومة والمعارضة فقط، وأضاف(بل الرياضة لدينا فيها حماقات سيئة جدا بل وحتى بالمنازل قد ينفصل الزوج عن زوجته بسبب الحماقة ورغما عن أننا مجتمع طيب إلا أننا نسمع كثيرا عبارة كشاكلة (فلان دا لو قام) دليل على أنه قد يتصرف بشكل مغاير عندما لا يكون على طبيعته،
الطبيعة البدوية:
ويتفق المحلل السياسي ناصر بكداش، مع من سبقه في أن الطبيعة البدوية للقيادات السياسية متجذرة، وأنه برغم التعلم الحديث وعلوم المدنية، إلا أن البداوة موجودة في اللاوعي الخاص بداخلهم، مما أثر على السياسة، وادخل مشاكل كبرى، وأعاق ذلك التطور السياسي حيث تسيطر النزعة البدوية على قيادات الصف الثاني والثالث، وقال في حديثه لـ(ألوان) أمس،(نكتشف أننا نحتاج لدروس في علم السياسة وتأطير الروح المدنية التي تحتكم للدستور والقانون والمنطق في حل المشاكل)، ويؤكد ناصر أن اغلب السياسيين لا يزالون في السنة الأولى، ويحتاجون إلى الاستفادة من العلوم الحديثة في علم السياسة في البلدان المتقدمة، وأول خطوة هي سياسة فن الاعتذار، وإضافة مبدأ الشفافية واى فعل أو رد فعل يحتاج إلى الاحتكام اى علم السياسة، وتمنى بكداش من القوي السياسية مراعاة مواقفها وألا تخلط بين العام والخاص.
خديعة كبرى:
وهكذا تمثل الحماقة السياسية تدني مريع في الممارسة الديمقراطية وخديعة كبرى بإيهام الناس كذبا بالقدرة على احتمال الآخر والتداول والنقاش في أمور البلاد والعباد، وفيما يبدو ومن حمي الانشقاقات التي انتظمت التيارات السياسية منذ الأزل لتسجل القيادات السياسية جملة حزمة من التساؤلات حول إلى متي يستمر التسويق للرأي العام بشعارات رنانة عجزت عن احتمالها وتطبيقها داخل دورها فما بال الشارع الذي يتابع بالضرورة عن قرب أسرار التراشق ونشر الغسيل في تدن مريع لأبسط مكونات النفس البشرية وهي الترفع عن الصغائر ومحاولة استيعاب الآخر برحابة صدر ولكن هيهات ذلك أن (فاقد الشئ لا يعطيه)..