الحكيمة «فاطمة» : مرض زوجي اكسبني خبرة في معرفة الطب

العرديبة: عبد الرحمن غزالي

المكان سوق الاربعاء بمنطقة (العرديبة) بولاية غرب كردفان الزمان نهار فسيح يمتد مابين اشجار وسموم يلهب الاوجه ، هناك تحت سقف راكوبة مفتوحة الجنبات يلفحها الهجير من ذات اليمين وذات الشمال،وجدنا شاباً يجاهد ليكتم تأوهاته يدعي سليمان عيسي بريمة مستلقي علي (عنقريب) نسج بحبال شحيحة يتلقي دربا من الملح والجلكوز إثر تعرضه للارهاق نتاج مشاركته ولليلة كاملة في حلبة (النقارة) رغم انه كان يدري مسبقاً إصابته بالملاريا ولكنه أصر على المشاركة ، وفي (عنقريب) مقابل له لا يختلف عنه في التفاصيل كثيراً مريض آخر يدعي عبدالقادر ضو البيت احمد كان قد تعرض للدغة ثعبان باحدي المناطق . علي موضع اللدغة في رجله اليمني وضع حجر اسود قيل انه يمتص السموم
منظر (الدرب) المعلق على أعواد الراكوبة وتأوهات الملدوغ المكتومة حفزتنا لنمسح المكان بنظرنا علنا نجد ما هو أغرب ، فوجدنا علي مقربة منهم امراة من منطقة تسمي الكوندماي ،تدعي (فاطمة ادم حماد) تجلس على كرسي بلاستيكي لتراقب حالات احد مرضاها الصحية.
مبلغ الدهشة اننا قصدنا (الراكوبة) آنفة الذكر بقصد إحتساء قهوة أو كوب شاي يزيل عنا رهق السير في الرمال العصية، لكنا وجدنا انفسنا داخل عيادة بمرضاها وطبيبتها التي كانت تسترق النظر بين الفينة والآخرى لأعلى تجاه سقف (الراكوبة) التي ربط على أحد أعوادها (الدرب) ليغذي وريد المريض عيسي بالأملاح المفقودة بفعل (النقارة)
وفاطمة تلك تعد (حكيمة) أو قل طبيبة شهيرة وسط اهالي القري المحيطة هناك،من باب انها لا تتوانى في الوصول لأي مريض مهما بعد مكانه عن قريتها.
(فاطمة الحكيمة) كما تقول انها في الاصل تعمل (زائرة صحية) اضطرت للعمل كطبيبة بعد ان تلقت دورات في الاسعافات الاولية في منطقة (الكومندماي) على يد شخص يدعى خميس فرح، اضطرت لتعمل طبيبة سعياً منها لسد الفجوة ، لأن عددمن المناطق والقري تلك ليست بها مساعد طبي او مستشفي .
ولأنها اثبتت كفأتها في طبابة المرضي المصابين بالملاريا والإسهلات وكافة أمراض البطن الناتجة من ردائة المياه قامت اللجان الشعبية في (الكوندماي) بالتصديق لها بمزاولة العمل الطبي في الاسعافات الاولية.
تشير فاطمة الي انها لا تمتلك اي شهادة بشان الامر من قبل السلطات الصحية اوحتي المحلية كما انها لاتقوم بدفع اي رسوم كانت لأي جهة وقالت فاطمة انها تتواصل عبر مرضاها بتلك القري من خلال الاتصال بها تلفونيا وانها تستعجل اللحاق بالحالة اي كانت من خلال تنقلها عبر (ركشة) كان قد اشتراها لها زوجها لتقلل عليها رهق المسافة والترحال من قرية الي اخر ي وتضيف ان مرض زوجها لفترات طويلة الضغط والكلي وجيوب انفية والرطوبة والاملاح دفعتها لتعلم التمريض والدخول لتلقي كورسات الاسعافات الاولية خاصة وانها الوحيدة المشرفة عليه في غياب الكثيرين وانها خلال ممارضته تلك الفترة اكتسبت الخبرات الاسعافية والدوائية بشكل كبير.
فاطمة اضافة لعملها في طبابة المرضى تعمل ايضاً (قابلة صحية) لفترة تجاوزت العشرة سنوات وانها تقف مكتوفة الايدي امام الولادة المتعثرة التي تتطلب اجراء عملية جراحية واضافت انها اسهمت في العديد من حاولات الولادة التي تجاوزت الالف حالة) منوهة الي ان نسبة ولادة الذكور تفوق الاناث بكافة المناطق التي عملت بها وقالت ان بعض القري مازالت تعمل بـ (ولادة الحبل) التي تعاني منها المرأة كثيرا اضافة الي كونها قامت بتقليل حالات (ولادة الحبل) كثيرا ان لم تقل قد تلاشت.
وتختم فاطمة انه برغم تغلب الاجواء الامنية والطبيعية الا انها تهرع عادة في انصاف اليالي لنجدة مريض او امراءة علي وشك الوضوع وتشير هنا الي ان زوجها ويدعي مختار حميدان بات متفهما لعملها والجهد الذي تبذله تجاه مواطني القرى المحيطة حتي انه وايمانا منه بدورها ورسالتها قام بشراء ركشة لها ليخفف عليها تعب الترحال والتنقل حتى تتواصل مع مرضاها و تهب لنجدتهم على جناح السرعة.
وتقول فاطمة ان طول عملها في علاج المرضى أكسبها خبرات في معرفة كافة الأمراض ، فمن خلال شكاية المريض عن اوجاعه تعرف ماهية المرض فتشرع في وصف الدواء ، ايضاً تستطيع ان تحدد أي مرض حتى وان تشارك مع مرض آخر في اعراضه . ولأن فاطمة نزرت نفسها لخدمة أهلها بالقرى النائية هناك ، تحتم عليها ان تستحمل الرهق والنصب جراء تنقلها الدائم بين القرى ، لتسهم في بث العافية في اجساد أوهنها المرض بعد ان تعزر وجود مشافي أو (إجزخانات).
فاطمة الحكيمة أو قل المبروكة كما يناديها أهلها هناك ، و ايماناً منها برسالتها التي تؤديها ، تحرص على المتابعة اللصيقة لحالة مرضاها ، فتضطر احياناً للسهر حتى الصباح إن كان هناك مريض يحتاج الى (حقن ساعات) ، منوهة الي انها حريصة للغاية في الاهتمام والعناية بادق التفاصيل الصحية ،واشارت الي ان سمعتها وتعاملها الإنساني جعلها قبلة للكثيرين من أهل القري