الحكومة القادمة والحس القبلي.. مطلوبات المرحلة

جواهر جبريل
التنوع القبلي في السودان افرز فصلا من التحديات التي تواجه الحكومات في كيفية توظيف واستغلال عنصر القبلية بطريقة متوازنة تضمن عدم انقلاب هذا العنصر ضدها لجهة أن إحساس التهميش والنقص يمثل متلازمة لقبائل كثيرة في السودان، وهو ما يجعل من القبيلة مهددا عظيما قابلا للانفجار لأقل ظرف ضاغط..
الحكومة درجت على احتواء القبائل تحت كنفها من خلال موازنات وخطط تضمن رضاء القبائل على اختلافها وحتى لا يصلها الإحساس بالتهميش وتبقى هي فقط محاولات خجولة لكون أن تضمين كافة القبائل السودانية في حكومة واحدة هو كمال لا يمكن بلوغه..
على ضوء ذلك كيف ستوظف الحكومة القادمة عنصر القبلية؟ وكيف سيكون برنامجها بالنسبة لهذا الجانب وكيف يجب أن يكون التوظيف؟
المحلل السياسي د.مهدي دهب يرى أن القبلية تتأثر بالنظام الموجود، والسودان يمثل أفريقيا مصغرة عند النظر للتعدد القبلي فيه، وهذا يجعل من القبلية بند لا بد من النظر إليه, ويذهب إلى أن اشتداد الصراعات يأتي من أن الصراع القبلي يتم تعميمه بطابع سياسي, وأضاف(القبيلة ما تزال في السودان حالة خاصة عند المؤسسات السياسية وإحدى الملاحظات التي حدثت فيها هي حالات الصراع الذي لم يتم استغلاله تجد القبيلة نفسها في الواجهة السياسية)..
مهدي في فرضيته يرى أن استخدام عنصر القبلية في الحكومة القادمة يتوقف على مدى استيعاب الحكومة والنظام للمتغيرات التي بدأت تحدث على مستوى المطالب التي تقدمها المجموعات، فأي مجموعة لها مطالب لابد من النظر إليها في سياق لا يتعارض مع المشروع الوطني القومي, وقد تأتى القبلية والصراع القبلي في المرحلة القادمة مفرطة كنتاج لمطالب القبيلة..
ومشروع الدولة التي تحاول الحكومة عبره إنشاء مؤسسات قومية حقيقية حتى لا يحدث صراع قبلي بل تعاطي مع الوضع القبلي، يتوقف على فهم تلك الحقائق ويضع في الاعتبار أن هذا سيكون دعما لمؤسسات الدولة المدنية، ما يمنع أو يحول دون اللجوء للمؤسسة القبلية.وحذر دهب من مغبة عدم وضع رؤية إستراتيجية لتشخيص المتغيرات التي لا تتعارض مع مصالح الوطن، وقال لـ(ألوان) أمس، (يجب تلافى الصراع القبلي وإلا ستحدث مخاطر ومهددات، تحول القبائل التي لم تنفذ مطالبها إلى مليشيات كما يحدث في اليمن و ليبيا نتيجة لعدم قدرة المؤسسات على استيعاب العنصر القبلي و فشلها في التعامل مع المطالب وإيجاد حلول لها لذلك من ضروريات المرحلة القادمة وعلى الحكومة الجديدة الاستيعاب الحقيقي لهذا العنصر).
مراقبون أكدوا على خطورة القبلية استنادا على حالة الاقتتال التي تحدث بين القبائل حالياً، و إلى تنامي وتزايد المجموعات المسلحة التي أفرزتها القبلية وقادها إحساس بالنقص والتهميش وأشياء أخرى يعيها كل من يتابع مشكلات السودان.
تعامل الدولة القادمة مع عنصر القبيلة والموازنات التي ستقوم بها، بدا التحدي الحقيقي الذي يواجه الخرطوم بعد نتائج انتخاباتها الحالية، لجهة أن رد الفعل على النتائج أمر لا يخلو من مخاطر، ويذهب القيادي بحزب الأمة وقبيلة المسيرية الصادق بابو نمر، إلى انه ومنذ أن أتت الإنقاذ لم يشهد السودان وحدة وطنية كالتي كانت في فترة الديمقراطية حيث لم يتم النظر إلى قيادات الصف البارزة، فأول خليفة للمهدي كان من غرب السودان و أمير الأمراء عبد الرحمن النجومي من شمال السودان، بينما عثمان دقنة من الشرق، هذه تمثل وحدة رائعة.. وقطع بابو بأن القبلية رؤية إنقاذية بحتة ونتاج الثقافة الإنقاذية التي جاءت بسياسات لم تمر على تاريخ السودان، إلا في عهدها، بتعيين الوزراء والدستوريين بمرجعيات وموازنات قبلية وجهوية مثل تعين حسبو محمد عبد الرحمن تحديداً، إذ ليس هو الوحيد المناسب لكن لأنه من دارفور، وأضاف لـ(ألوان) أمس، (في المرحلة القادمة نحن مقبلين على الإنقاذ في نسختها الأولى وسنرجع لبدايات الإنقاذ في الحكم بكل ما فيها من قهر وخاصة بعد التعديلات الدستورية)، وتوقع نمر أن يعود السودان لذات القبة خاصة بعد تلك التعديلات الجديدة التي قلصت هامش الحريات وكل الأمور أصبحت في قبضة رجل واحد بذلك فسوف نشهد المزيد من التدهور والاستقطاب والمزيد من الحروب الأهلية كالتي تحدث الآن بين المعاليا و الرزيقات، وهي حروب لم تحدث في العهود التي مرت على السودان حتى في داخل قبيلة المسيرية أنفسهم، لأول مرة تحدث في التاريخ أن تقتتل القبيلة، وتابع(الإنقاذ استغلت القبيلة وجيشتها لخدمة أجندتها السياسية الخاصة نفسها اقتتلت القبائل داخلها كما حدث لدى المسيرية أنفسهم).
القيادي بالاتحادي الأصل الباقر احمد عبد الله يقول أن الحكومة قررت نبذ القبلية، لأن هناك عوامل تجاوزت القبلية في عملية تعيين الولاة، باعتبارهم من كانوا يغذون القبلية وأضاف(يجب ترشيد العنصر القبلي بحيث لا يكون على حساب الوطن) وقطع الباقر بأنه لا يمكن إسقاط القبلية، وفى الوقت نفسه لا يمكن أخذها بالمستوى الحالي، اى ربط القبلية بعمل الحكومة فهذا غير صحيح، ويذهب عضو المكتب السياسي للاتحادي الأصل إلى أن الحكومة في أحيان كثيرة تضع خطة متكاملة وبرامج لمعالجة الجهويات وترشيد الحكم المحلى، عبر اختيار كل حكام الولايات بعيدا عن التوجه القبلي، بحكم أن ذلك في مصلحة الوطن..
واعتبر عبد الله أن السودان حالياً على المحك، لذلك يجب التركيز أولا على الوطن ومصالحه لان هذا سيكون أكثر فائدة، نافياً في الوقت ذاته أن تكون قضية دارفور قضية قبلية بل هي تمثل تحدى للحكومة لأنها مستهدفة، وتمثل تحدياً للحكومة وحالة خاصة نظرا للتحديات لذلك الاهتمام بها مهم جدا وتشجيع الحكم المحلى فيها ضروري بالإضافة لتوطين العدالة شأنها شأن بقية المناطق.