أين هم حالياً؟ : نجوم في الجامعات.. ساسة في البلاد والمنافي

(ما أمتع سنوات الجامعة) هكذا يلتقط الجميع أنفسهم ويقولونها أو يلقون بها تحرياً للدقة، عبر تلك العبارة يستدعون ذكريات لها ما لها وعليها ما عليها، ويمارسون فيها كل أشكال التداعي حول مواقف خاضوها أو تمنوا خوضها.. ضيوف(ألوان) هذه المرة لم يكونوا طلابا عاديين بقدر ما كانوا استثنائيين في كل شيء، فهم صفوة الجامعات السودانية خلال أسوا حقبها وأشرسها حقبة التسعينات وما قبلها، حيث كانت الجامعات الرئة الوحيدة التي تتنفس فيها الأحزاب عبر ما يعرف بالركن السياسي، لتبث من خلاله أفكارها وأطروحاتها ومعارضتها للنظام وما تزال.. يمثل الأحزاب في تلك الأركان كوادر الصف الأول سياسياً على مستوى الطلاب، متنافسين في الخطابة واللباقة وتوصيل الفكرة، ومعيارهم (الحشاش يملأ شبكتو).

الخرطوم : عبد الإله عبد الله


وليدة غردون:
الركن السياسي وليد كلية غردون التذكارية، وسليل فكرة الـ(speech corner) بزاوية حديقة الهايد بارك بإنجلترا، والركن ومدرسة الكادر في الجامعات السودانية تعد حجم التنظيم السياسي على الأرض واستثماره للمستقبل ويده التي يبطش بها، وهو في الذاكرة السياسية أعمق بحجم الأحلام في واقع جديد.
(شكلة) دفعة:
مدهشة جداً هي مآلات العمل السياسي في السودان، فمنذ نشأة مؤتمر الخريجين العام، وانتلجنسيا السياسة متنازعة للذوبان في الطائفة أو في العسكرتاريا، تجسيداً لأزمة (الأفندية) في مواجهة مؤسسات متجذرة تكتسب قوتها إما بالسلاح وإما بنمط التدين أو بالجهوية وسطوة التاريخ والمكان والسحنات.
ومنابر السياسة في الجامعات أثبتت قدرتها مراراً في ثورة 1924م وفي أكتوبر 64م وفي أبريل 85م وما بعدهم، وأكدت أنها تحاكم الأنظمة والسياسيين، وتعيد حيوية الشعب وصوت التصحيح وتنوير الظلام، وبلغت قدرتها درجة من الاسطرة، جعلت البعض يلخص المشكل السوداني بأنه (شكلة أولاد دفعة).
الرواية ترصد:
د.مروان حامد الرشيد في روايته (الغنيمة والإياب) يستدعي الذاكرة السردية في فضاء زمني للسياسة والحب في منابر الجامعات يشي بتوقيت عريض يتراوح منذ الديمقراطية الثانية حتى بداية العهد الإنقاذي، وعماد براكة في روايته (عطر نسائي) يجسد شيئا بين الخيال والحقيقة التي تكاد تشير شخوصها إلى جيل التسعينات الذي خبر السياسة والسلاح والمنافي وموات الأمنيات.
بحر السياسة الناضب يفتح التحقيق على مصراعيه عن نجوم السياسة في الجامعات السودانية حين (كانت الأحلام بستاناً يزين مقلتي ومقلتيك)، وكثيرون هم الكاريزمات الذين كانوا ولا يزالون يرفدون تنظيماتهم السياسية بخطابهم الخاص حتى قيل أن (الكادر أكبر من تنظيمه) والبعض ربما كلفتهم هذه النجومية عضويتهم نفسها، والبعض تنقل بين أكثر من منبر وخطاب سياسي، منهم من ابتلعته الأرض الآثمة، ولما تفصح عن مكانه بعد، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من يغني مع عركي ودرويش: (لا تذكرينا حين نفلت من يديك .. إلى المنافي الواسعة (..
(ألوان) تقصتهم في البلاد وفي المنافي، فمنهم من أجاب، ومنهم من اختبأ.. المحاورة كانت في المسافة بين خطاب السياسة في الجامعات والخطاب داخل التنظيمات، وجدل علاقة الكوادر بتنظيماتهم السياسية وتحر آخر عن هل تأكل القطة أطفالها؟ وهل تقمع التنظيمات نجومها؟ وفي مفارقة الأحلام للوقائع .. ماذا تبقى .. وما المستقبل؟
الإعلامي والسياسي والأكاديمي الاتحادي المعروف بابكر فيصل يذهب في حديثه لـ(ألوان)أمس، إلى أن منابر السياسة داخل الجامعة لا تنفصل عن الأخرى داخل الأحزاب, فالكادر المنتمي للأحزاب الكبرى وتحديداً الحزب الاتحادي يصارع في اتجاهات عدة، أهمها محاربة الاستبداد على الصعيد الوطني العام, وترسيخ مفاهيم الديمقراطية والإصلاح على الصعيد الحزبي, وهى بلا شك مُهمَّة صعبة للغاية ولا أقول مستحيلة, وقال(خضنا هذه المعارك منذ سنوات الدراسة الجامعية وما نزال.(
واعتبر فيصل أن المفارقات التي تدعو للملاحظة، أنَّ الاستبداد السياسي (الدكتاتورية) يعمل من حيث يدري أو لا يدري على تقوية النفوذ الطائفي داخل تلك الأحزاب رغم إدعائها أنها استولت على السلطة للقضاء على ذلك النفوذ, ذلك أن تواطؤها مع الأخيرة يكون دائماً على حساب «التيار المدني», ودونك تحالف المؤتمر الوطني مع الفصيل الطائفي من الحزب الاتحادي الأصل، وأضاف(التيار المدني أيضاً يتحمل مسؤولية التمكين الطائفي لتشرذمه ولهاث كثير من رموزه خلف «القيادة الطائفية» لتحقيق أهداف ضيقة و قصيرة المدى). وقطع بابكر أنَّ العلاقة الملتبسة بين هذين التيارين داخل الحزب الاتحادي في طريقها للنهاية, عبر الفرز الذي يستند إلى الموقف من قضايا الديموقراطية الحزبية والموقف من الاستبداد، وأعتبر أن هذا الفرز تأجل لأكثر من نصف قرن من الزمان, وقد كانت بدايته القوية مع انتخابات (1958) التي خاضها الحزب «الوطني الاتحادي» حينها تحت شعار « مصرع القداسة على أعتاب السياسة», ولكنه تأخر بسبب تراجع التيار المدني عن شعاراته ومساومته للقوى الطائفية لأسباب لا يتسع المجال لذكرها، وقال(التحدي الآن أمام هذا التيار أن يستجمع قواه ويوحد صفوفه للانتظام من أجل مواصلة معركته على الصعيدين الوطني العام والحزبي الداخلي).
الشقيق يستحضر:
(سنوات الجامعة بالقطع هى سنوات العنفوان والحماس الوطني المتدفق والأحلام الكبرى), بهذه العبارة ابتدر بابكر فيصل حديثه عن رحلة السياسة في الجامعة، وقال(عشنا كل هذه المعاني, بكفاحنا من أجل قضايا الطلاب والوطن ككل, ودخلنا في صدام ممتد ومعارك شرسة مع النظام ومناصريه, استطعنا من خلالها بث الروح في أحزابنا التي لم تكن في السابق تجد موطيء قدم في ساحات الطلاب التي احتكرتها قوى اليمين واليسار) وأكد القيادي الاتحادي أن ذلك الاحتكار أسهم في بروز كوادر على مستوى متقدم من الفكر والتأهيل السياسي, وهى بلا شك تمثل رصيداً مستقبليا, لا للأحزاب فقط ولكن للوطن ككل, باعتبار أن الأحزاب هى أداة الديمقراطية الأساسية.
بين الأحلام والنتائج:
قطعاً البدايات كانت مُحمَّلة بالأحلام الكبرى بحسب فيصل, بيد أنه استدرك وقال(من المؤكد أن النتائج لم تكن بقدر الطموحات والأهداف التي سعينا إليها, ولكن كل ذلك يكون مفهوماً أذا أدركنا حجم المشاكل والصعاب والأثقال التي توجب علينا حملها، فقد ورثنا مشاكل ترجع جذورها لعشرات السنين, والعزاء أننا وضعنا لبنات فكرية وسياسية يمكن البناء عليها للوصول لتلك الأهداف).
أخطط علمياً:
وعن موقعه الآن، والمسافة بين منابر السياسة و التدقيق الأكاديمي يقول بابكر فيصل أنه موجود في الساحة السياسية الاتحادية عبر العمل الحزبي اليومي, ويسهم مع أشقائه في مواصلة المسيرة التي بدأها ومن قبله آخرون, وأضاف(لكنني من ناحية أخرى أنشغل بهموم الكتابة والبحث الأكاديمي, حيث أنني أدركت منذ فترة مبكرة في عملي الحزبي ضرورة التأسيس العلمي لكل أنشطتنا الفكرية والسياسية, فمشكلة العمل السياسي الكبرى أنه يقوم على الارتجال وغياب الرؤى الإستراتيجية, وهى ناتجة من عدم الإلمام العلمي بطبيعة المشاكل التي يُراد التصدي لها, فالعلم يجب أن يسبق العمل, ونحن نعيش في عصر لم يُعد ممكناً فيه تحقيق الأهداف عبر التهويم العاطفي والتناول العشوائي للقضايا, ومن هنا تجيء اهتماماتي البحثية).
قطيع سياسي:
في المقابل ومن الإمارات العربية المتحدة، يذهب الصحفي بقناة العربية خالد عويس في حديثه لـ(ألوان) أمس، حول المسافة بين الخطاب السياسي داخل منابر السياسة في الجامعات وخارجها، إلى أن المسافة هي الأمر الطبيعي في كل شئون الحياة، وأن الاختلاف شيء حسن إن كان ناتجاً من عن إيمان عميق، وقال(عن نفسي لا أؤمن بذلك النوع من القيد السياسي الذي يجعل من كل التنظيم قطيعاً فكرياً وسياسياً، هذا بسبب التكلس والجمود لكن بشكل عام خطاب الجامعات هو خطاب فورة الشباب و الثورة والتطلع لتغيير العالم. وهو خطاب مهم للغاية كونه خطاب التأسيس لأي سياسي).
الجيل المتمرد:
ويرى عويس أن جيل التسعينات مثلاً كان وما يزال جيلاً متمرداً لجهة أنه عمل في أصعب الظروف ومن المستحيل تقييده، وأضاف (من هنا ينشب النزاع بين الأفراد وأفراد آخرين يرون أنهم هم التنظيم).
أواصل الحلم:
عويس لم تأخذه النجومية والكاميرا والاغتراب عن حلمه بوطن يسع الجميع، وقال(أنا موجود في قلب العمل الوطني أعمل وأبتغي لوطني خلاصاً من أزمة متطاولة، حلمي بوطن حر وشامخ وعظيم لم ولن يتغير حتى وإن كلفني الغالي والرخيص، فالواقع حالياً سيء للغاية ولكن ليس لنا إلا أن نحلم وأن نناضل من أجل تحقيق أحلامنا).
الرواية السياسية:
)المبدع لا يسقط في فخ السياسة)بهذه العبارة دشن الكاتب والروائي عماد براكة، حديثه حول منابر السياسة في الرواية السودانية، مثيراً استفهاماً حول ما إذا كانت السياسة تعبر عن اختراق وإعادة إنتاج للذاكرة أم مساءلة للتصورات الكبيرة.. أم أزمة نهاية المثقف، ويرى براكة أن هناك إقحام غير مبرر للسياسة في معظم الروايات الحديثة وهذا يعود للثقافة السياسية الأحادية التي يتمتع بها القارئ أو المواطن السوداني، وقال(يجب على المبدع أو الروائي السوداني، أﻻ يسقط في فخ السياسة بالصورة المباشرة، لأن هناك كتاب مقالات وصحف يجيدون هذا العمل بكفاءة وحنكة، لذلك يجب على كتاب الرواية إعادة صياغة الواقع بطرائق ﻻ يشاهدها غير المبدع).
وعن (عطر نسائي) الرواية التي يعتقد كثيرون من جيل الثمانينيات والتسعينات أنها تكاد تشي بأبطالها في الجامعات والمنابر والمنافي والتنظيم، واجهته (ألوان) بأنه لماذا يصف أبطالا ولا يحاكمهم، وبرر لذلك بالقول بأن (كتابة الرواية هى رصد الواقع برؤية نقدية صارمة، وأحيانا صادمة، ولكنها مختلفة لما يشاهده المواطن المثقف سياسيا حتى أنا شخصيا فشلت في رواية عطر نسائي في تقديم قراءة لواقع سياسي ﻻ يرى بالعين المجردة، ولكن ربما نجحت في رصد معاناة جيلي والإحباطات).
واعترف براكة أنه في بعض اﻻحيان كان يسقط في فخ السياسة المباشرة، وأضاف (ﻻ يجب علينا أن نحمل الرواية فوق طاقتها .. هى فن أدبي، المتعة مطلوبة ومن الشروط الأساسية ، وليس بالضرورة أن تقدم الحلول ، لذلك لم أكتب حتى أحاكم جيلي في الرواية .. فقط حاولت أن أرصد المعاناة والحسرات التي واجهتنا في فترة محددة أكرر ﻻ يجب أن نحمل الرواية اكبر من طاقتها .. مهمة الكتابة اﻻبداعية .. تفتح ذهن القارئ إلى رؤية الواقع بشكل مختلف ولن تقدم الحلول الجاهزة.)

وقطع عماد بتحامل المثقف السوداني على السياسة بشكل أكثر، والقارئ بشكل عام، لذلك فرض على كتاب الرواية الغرق التام في السياسة بشكل مباشر، وأضاف(لذلك نلاحظ أن الطيب صالح للأسف الشديد تم اختصاره في مقولته – من أين أتى هؤلاء؟!!- تركنا كل شخصياته ودومة ود حامد وضو البيت ومريود، وبحثنا عن التشفي في حكومة الإنقاذ من خلال هذه المقولة، وكذلك نقف مع حميد في – ﻻ عساكر ﻻ درادر ﻻ مظالم…- ونتجاهل أجمل الصور الشعرية في نفس القصيدة»نورا شافت في رؤاها .. طيرة تأكل في جناها .. وحيطة تتمطى وتفلع .. في قفا الزول البناها» لذا أجد أن الكاتب الروائي أصبح منغمساً في جو السياسة بشكل كامل).
وسخر براكة من الرواية حال لم تتناول الوضع السياسي فإنها ﻻ تجد من يطلع عليها، وقال(عموما أتمنى أن تكون هناك كتابات ترصد الواقع بشكل جيد، بعيدا عن إعادة ما كتب من قبل باختلاف اﻻساليب ليس اﻻ).
الكفر بالسياسة:
وحول كاريزما المنابر في الرواية السياسية، وكيف يكتب براكة مستقبله ومستقبل الصراع، وموقعه بين الوطن والمنفى.. يقول(أنا في بريطانيا، أكتب كلما وجدت فرصة لعمل روائي) وكشف عماد عن إنهائه رواية قبل فترة مؤكداً نشرها عما قريب، وأضاف(حاولت أن أتجنب فيها السياسة المباشرة أقول ذلك بكل صراحة، لقد كفرت بالسياسة لم أعد أتابعها، وﻻ أثق في السياسيين)..
ابرز مفاجآت براكة التي حملها حديثه لـ(ألوان) أنه لم ينتم في يوم من الأيام إلى أي تنظيم سياسي وقال(أحاول فقط أن أكتب شيئاً جديداً .. ومختلفاً، أن ألفت انتباه القارئ وذهنه ليفكر بطريقة مختلفة وربما يتصور البعض أنى محبط من السياسة وهذا احتمال وارد أيضاً).
مزق المانفيستو:
الصدمة تقود للتغيير..ربما هذا ما ترجمه المهندس وائل خلف الله يوم وقف ممزقاً لمانفيستو حركة القوى الجديدة (حق) بجرأة يحسد عليها استمدها ربما من عدم ارتكابه لما (يكسر العين) كما يقول الشارع العام، لذلك ظل الجميع يحفظ عبارته التاريخية(نحن لم نسترزق من السياسة يوماً).
خلف الله يذهب في حديثه لـ(ألوان) أمس، بإقرار أن هنالك أزمة في العمل السياسي، وأن الإحباط ليس ذاتياً، وقال(جيلنا على مستوى طموحات الأفراد أنجز ما يريد ونجح، وتجربتنا وأعمارنا في ذلك الوقت لم تخرج عن إطار الوعي العام، كنا حقيقة صادقين في مشروعاتنا، وكجيل لم نخرج من السياق العام للشخصية السودانية الإطار الصوفي والبحث عن شيخ طريقة وهذا بالتأكيد كان خطأً). الخطأ الذي اعترف به الرجل، نمذجه في اعتبارهم الخاتم عدلان شيخ طريقتنا بصولاته الثورية المعروفة، واستدرك(ولكن اكتشفنا –وبكل أسف – أنا هذا المشروع مشروع يخص الجبهة الإسلامية القومية، وهذا ليس اتهاماً صبيانياً، هذا جاء بعد كثير من المعارك جعلتنا بين خيارين إما أن يستمر المشروع وإما أن يدفن).
في تجربتنا فعلياً كان الكادر الجماهيري هو المسيطر والكادر التنظيمي كان يستمد معرفته من الكادر الجماهيري لأن القنوات التنظيمية كانت ميتة، لدرجة أننا كنا ننادي بالانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح وكان هذا شعارنا الرئيسي ولم يسائلنا أحد حولها حتى يومنا هذا، وكنا ننجز حسب تقديراتنا، وهذا كان يقود إلى حالة من تباين في توضيح المواقف، ونحن جزء من الأزمة الشاملة.
– ونواصل بعد غدٍ –