أزمة الصحافة العالمية

فضلت صحيفة ( الفانينشيل تايم دوتشلند ) الألمانية الإعلان عن توقفها عن الصدور بطريقة لا تخلو من المزاح . فبدل البكاء على الأطلال مثلما تفعل الصحف التي تتوقف عن الصدور , نشرت في آخر إصدار لها يوم 7 ديسمبر 2012م إعلاناً صغيراً عن بيع أثاث مكتب رئيس التحرير بما فيه كرسيه , في المزاد العلني عن طريق شبكة الانترنت . وفي فرنسا أغلقت صحيفتين أبوابهما تباعا وهما صحيفتي ( فرانسوار ) , وصحيفة ( لا تربون ) , وهذه الصحيفة قد عمرت التسعة والسبعين عاماً , لتجد نفسها مجبرة على الهجرة إلي شبكة الانترنت . وفي بريطانيا يتربص المصير ذاته بصحيفة ( ذو غردين ) , وقد فاقت ديونها الأربعين مليوناً من الجنيهات . وقد بدأت العديد من الصحف البريطانية في إعادة هيكلة مؤسساتها بالاستغناء عن الكثير من الصحفيين . وفي إسبانيا تزايد الخوف على مصير صحيفة ( البايس ) , بعد أن استغنت عن خدمات ثلثي صحفييها . ولم تنج الصحافة الأمريكية من هذا الوضع , وقد توقفت عشرات الصحف عن الصدور , وبعضها اكتفى بالطبعة الإلكترونية . كصحيفة ( كريستيان سينس مونيتور ) , والتي بلغ عمرها المائة عام . وهذه الازمة طالت مجلة النيوزويك المشهورة , وصحيفة نيويورك تايمز وهي من أشهر الصحف في العالم والتي رهنت مقرها لتعوض خسائرها المتراكمة . وقد بلغ عدد المسرحين من الصحفيين الأمريكيين الستة عشرة ألفاً في لعام 2008م وقد افتتح في العاصمة واشنطن متحفا للصحافة الأمريكية , في ذلك العام وقد كتب أحد الصحفيين بأن الكثير من الصحف ستكون تاريخا يضاف لذلك المتحف . ويعزى الكثيرون من خبراء الإعلام بأن هذا التدهور يعود لتراجع الإعلان . وقد عزت منظمة الصحافة العالمية بأن هذا التراجع يعود لمنافسة الإذاعات والتلفزيون والإنترنت في سوق الإعلانات . وفي العام الماضي وحده حصد غوغل العشرين مليار دولار من سوق الإعلانات في الولايات المتحدة . وهنالك مشكلة توقف الإعلانات الحكومية نتيجة لسياسات التقشف الاقتصادية . ويبقى السؤال لماذا تراجعت نسب التوزيع رغم تزايد السكان وازدياد نسبة التعليم ؟ وقد بلغت نسبة التراجع في أمريكا الثمانية في المائة . وقد يرى البعض بأن الانترنت أو الصحافة الرقمية هي السبب في ذلك , وهذا كما يقول الخبراء ليس صحيحاً , وفي إحصائيات منظمة الصحافة العالمية , بأنه في العام 2012م بلغ عدد قراء الصحف في العالم الاثنين مليار ونصف قارئ , مقابل ستمائة مليون قرؤوا طبعاتها الرقمية . بل أن الصحف الرقمية تغري بشراء الصحف الورقية . وهذه الأزمة لم تطل كل العالم فالكثير من دول العالم الثالث وفي آسيا , أصبحت استثمارا ناجحا , وستصبح كذلك إذا استطاعت أن تكسب الشباب وربات المنازل .

عزالدين ميرغني