نَظرَة في البعض مِن ميراث المُفكّر المصري زكي نجيب محمود

بقلم : إبراهيم إسحق إبراهيم

ستُعدُّ وبالتأكيد أُعِدَّت رسائل أكاديمية عديدة حول العطاء الفكري للمُتفلسِف المصري زكي نجيب محمود.. وهنا سأحاول عرضاً لبعض ما يُمكِن أن يَهُمّ القارئ العادي، مسلم أو غير مسلم، مِن غير مُدرِّسي الفلسفة (وأنا أحدهم) عن حصائِل أربعة كُتب لقِيتُها لزكي نجيب محمود.. فالمكتبة العربية تزخَرُ بِكُتب كثيرة لهذا المُفكّر الراحل (1905-1993م).. وقد يصل عددها إلى أكثر مِن الخمسين مُؤلّفَاً كما يُقال عنه بآخر الجزء الثاني مِن كتاباته لمجلة العربي (نافذة على فلسفة العصر)، الكويت، 2014م، ص243.. وكان كتاباً آخر له، بنفس العنوان السابق، قد صدر في نفس السلسلة كجزء أول، عام 1990.. وبين يديّ لهُ (أرض الأحلام) عن اليوتوبيا والذي يصدُر أولاً في 1939 ثم تُعِيد دار الهلال في مصر نشرهُ عام 1977.. ومِن هذه القديمات كتابهُ (الشرق الفنان) وقد ظهر بداية في 1960 ثم أعادتْ نشرهُ مجلة (الدوحة) القطرية في 2014م.. ولعلّي أقتنع بأنهُ على كل مِنّا أن يُحدِّد لنفسه : هل أتأثّر بهذا القدر مِن تفكير الرجل، بطريقةٍ ما ؟ هل يصلح لي أن أقرأ كميّة وافرة مِما أحصل عليها مِن أعماله ؟ هل عليّ أن أضع محاذير لتنبيه عقلي وأنا أقرأ لهُ حتى لا يتطابق فهمي لكلِّ الأشياء مع فهمهِ ؟ وما أكثر مثل هذي مِن التساؤلات !

حياة معمورة بالتفلسف
مِن بين مُدرِّسي الفلسفة في العالم الإسلامي المعاصر الكاتب بالعربية تكاد تقتصِر ظاهرة «المُتفلسِف» على ستة أعلام يجدر بنا وضع زكي نجيب محمود في عدّتهم.. وإذ أنّ زكي نجيب محمود قد رحلَ في 1993، فقد رحل بعدهُ عام 2002م عبد الرحمن بدوي.. ثم في سنة واحدة يتلاحق ثلاثة آخرون، عام 2010م وهم : محمد أركون، محمد عابد الجابري، وفؤاد زكريا.. ويبقى السادس مِن هؤلاء، بنعمة مِن الله حيّاً، وهو حسن حنَفِي.. وهؤلاء المذكورون آخراً ينتمون إلى جيل العشرينات مِن القرن العشرين، بينما يُولد عبد الرحمن بدوي في 1917.. ويبقى زكي نجيب محمود تِرباً للفرنسي جان بول سارتر الذي يُولد أيضاً في 1905، لكنهُ في الوفاة يسبق نِدّهُ المصري بثلاثة عشر عاماً.. وسارتر يُؤسِّس مذهباً داخل الفلسفة الوجودية الإلحادية، في الوقت الذي ينحاز زكي نجيب محمود للفلسفة الوضعية المنطقية، ويسعى جُهدَهُ لخلقِ آصرةٍ بينها وبين الإيمان في سياقِه الإسلامي..
يبدأ زكي تعليمهُ أولاً بالقاهرة.. ومنذ الخامسة عشر مِن عمره يَدرُس في كليّة غردون بالخرطوم، لكنه يُكمِل دراسته الثانوية بمصر، ليتخرّج في مدرسة المُعلمين العُليا ثم يدلِف إلى عالم التدريس في 1943.. ولحسن حظّهِ فقد اِبتُعِث إلى انجلترا لينال درجة الدكتوراه في الفلسفة مِن جامعة لندن في 1947 برسالتهِ (الجبر الذاتي) المطبوعة بالإنجليزية في لندن لنفس العام، ويُترجمهُ إمام عبد الفتاح إمام لصالح المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.. بعدئذٍ ينخرط في تدريس الفلسفة بكليّة الآداب، جامعة القاهرة إلى 1965، ثم يترأس تحرير مجلة (الفكر المُعاصر) لصالح وزارة الثقافة المصرية.. وقد انحصرَ جزء كبير مِن عطاءِه الفكري قبل 1965 في تعريب الكلاسيكيّات مِن المؤلّفات الفلسفية في التراث الغربي.. فبين 1935 و 1967 يُترجِم لأفلاطون ولويلز وتشارلتن وكرافتشنكو ورَسَل وديوي، ضمن عشرة كُتب بعضها مُتعدِّد المجلدات.. وهو على ذات الأيام، يُؤلِف للمكتبة العربية 15 كتاباً معنِيّاً بالحوار بين الفكرين : الغربي والعربي الإسلامي..
في 1965 يُحال زكي على المعاش فيتعاقد مع قسم الفلسفة في جامعة الكويت للمدة مِن 1968 وإلى 1973.. ثم يتناول عنهُ المهمة هنالك فؤاد زكريا.. وإلى جانب أُستاذيّتهِ كزائر في الجامعات الأمريكية، يعمل زكي مُلحقاً ثقافياً بالسفارة المصرية في واشنطن 1954-1955م.. ولمّا يعود زكي إلى مصر منذ 1973 يمنح وقتهُ لمراجعة مقالاتهِ المتراكمة ودعمها بالمزيد مِن التدقيق.. وتتوالى تآليفهُ مِن دار الشروق في مصر بين 1970 و 1991 في بضع وعشرين عنواناً، كما يشهد عملهُ لهذه الحِقبة رواجاً عالياً وسط النُّخَب القارئة في الثقافات الفرعية والكاتبة باللغة العربية.. وتحت المظلة مِن هذا الرواج يفوز زكي في مصر بجائزتين : تشجيعية وتقديرية 1960 و 1975، ودكتوراه فخريّة مِن الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1985، وجائزة سلطان العُويّس الإماراتية في 1991م.. وبعد وفاته يصدر له ثلاثة كُتب جديدة في 1996، 2000 و 2014م (نافذة على فلسفة العصر : 2014م : 242)..
توليفة للحياة بالعلم والعقل
عند التقدير لمُفكّر، في ثقافةٍ ممحونة مِثل العربية الإسلامية المعاصرة، لا ينفعنا اللجوء إلى مادحيهِ، بقدر ما قد يُفيدنا النظر إلى ما يقوله عنهُ نُقّادهُ المُطّلِعين على أعماله.. وقد اقتنعتُ شخصيّاً، بأنّ السوداني محمد وقيع الله هو مدخل صالح لمن لا يجد وقتاً للتفتيش في عدد مُعتبر مِن كتابات زكي نجيب محمود.. وبهِ، سآخذُ رأيهُ في زكي، ثم أُحاولُ أن أجِد دعماً لرأيهِ ذاك بالنظر في مواضيع المؤلَّفات التي نعرفها لهُ.. يقول وقيع الله : « مع أنهم يسمّونهُ شيخ الفلاسفة إلا أنهُ لم يطرح فلسفةً تمخّضَ بها عقله الخاص، وإنما اجترّ النصوص الفلسفية التي حفَلتْ بها المراجع الأجنبية.. فهو مُدرِّس فلسفة، مترجم نصوص، أو شارح نصوص على الأكثر، حيث لا تعكس أكثر كتاباته أصالةً مُتفرِّدة، ولا حتى قدرة على الإضافة الذاتية لما ينقلهُ عن الغرب.. ومَن يطَّلِع على الفِكر الأوروبي في مصادرِه الأساسية أو الثانوية، يمكِن أن يستغني جُملة واحدة عن نُقول زكي نجيب محمود.. وأكثر مِن ذلك فهو يستطيع أن يَدرُس الوضعية المنطقية في إطارٍ تاريخي نقدِي، لا في نمط تبشيري مدرسي كما هو الحال في كتابات زكي نجيب محمود.. وللقارئ…. أن يُطالِع كتاباتهُ التي يُمكِن اعتبارها مِن إنتاجهِ الخاص لا مُجرّد إعادة صياغة وتلخيص لأفكار الآخرين.. وأعني بهذا النوع تلك الكتب التي كتبها عن تاريخ تطوّره الفكري الذاتي أو عن سِيرة حياته، أو عن رحلاته وبالذات رحلتهُ إلى أمريكا في الخمسينيات « (جريدة الصحافة / ؟ / 2009م).. والذي يدعم وجاهة نقدِ وقيع الله لزكي هو أن نُعِيد النظر في مؤلَّفاتهِ الزائدة على الخمسين.. فعشرةً مِنها هي ترجمات لأعمال أدبية أو فلسفية غربية.. وكتاباته التعريفية بِمن أثّرُوا في تفكيرهِ تشمل : شكسبير، ديفيد هيوم، برتراند رَسَل، وجابر بن حيّان، هذا على مستوى الكُتب.. وبينما نُركِّز في هذا المقال على كِتابَيْ المقالات الصادرَيْن عن مجلة (العربي) فإننا قد نُنوِّه بأنّ كُتبْ زكي بعد 1970 تبدو إعادات صياغة لمقالاتِه وتطويراً لا يبعُد كثيراً عن دوائِر تفكيرهِ للأزمنة بين 1935 و 1970م.. كما نستطيع القول بأنّ وفرة إنتاجِهِ بين 1973 و 1993، وهو على التقاعُد، تُظهِر ملامح «صبّ الشراب المعهود في المزيد مِن الجِرار المُستحدثة «..
لعلّنا نُلاحِظ أنّ آراء زكي النّامّة عن ولاءِه الصميم للفلسفة الوضعية المنطقية قادتهُ إلى مواجهات كثيرة مع التأصيليين الإسلاميين في العالم العربي، وخاصّةً أولائك الذين تلقّوا درجاتهم للدكتوراه في أوروبا، تماماً كما يفعل زكي.. ويأتِي في البال أكاديميون نابِهون مِثل : علي عبد الواحد وافي، محمد البهِي، محمد عبد الله دراز، مالك بن نبي، وشيخ الأزهر المُتصوِّف عبد الحليم محمود.. فالحماس يحمِل زكي في عام 1953 لتقديم كتاب مُصادِم بعنوان (خرافة الميتافيزيقا).. ونعتقدُ مع سوانا بأنّ القُراء المُتحمِّسون لأسلمة الواقع العربي يومئذٍ قد أساءوا فهم مقاصِد زكي حينما قرنوا بين الميتافيزيقا في الفلسفة، أي ما وراء الطبيعة، وبين الإيمان بالغيب في الأديان الرِّسالية.. ذلك لأنّ الميتافيزيقا الفلسفية لا تنبني على «وحي» ولا على «حدَس / بصيرة / فِطرة»، بل تستند على الفروض العقلية.. والفلسفة الوضعية المنطقية لا تُؤمِن إلّا بالمعرفة المبنيّة على التجريب.. لهذا اعتقدتُ أنّ محمد إبراهيم مبروك يُحسِن التجسير ها هنا حينما يُورِد في كتابه (تزييف الإسلام)، القاهرة، دار ثابت، 1991، يُورِد الرؤية التي يُقدِّمها زكي في ذلك الكتاب حول الفروق بين الميتافيزيقا الفلسفية وبين العقيدة الدينية.. فمبروك ينقُل مِن كلام زكي : « وأمّا العقيدة الدينية فأمرُها مختلف كل الإختلاف، لأنّ صاحب الرسالة الدينية لا يقول للناس : إنني أُقدِّم لكم فكرة رأيتها ببصيرتي، بل يقول لهم : إنني أُقدِّم رسالة أُوحيَ إليّ بها مِن عند ربي لأُبلِغها، وها هنا لا يكون مدار التسليم بالرسالة بُرهاناً عقليّاً على صِدقِ الفكرة ونتائجها المُستدلّة مِنها، بل يكون مدار التسليم هو تصديق صاحب الرسالة فيما يرويهِ وحياً مِن ربِّه، أي أنّ مدار التسليم هو الإيمان « (ص140)..
هكذا يكون للوحي وسائلهُ الإقناعية، وللعِلم التجريبي وسائلهُ لذات الغرض، وللفِطرة / الحدَس / البصيرة وسائلها على ذات السبيل، وللروحانيّات بكل ضروبها مذهبها الخاص، وللعقل التحليلي المحض طرائقهُ.. ولكل إنسان حقّهُ في أن يختار الجانب الذي يستطيبهُ.. لكنّ الحياة الجمعية لا تستقيم إلّا عِندما تتفِق الأغلبية على مدخَل مُتوالِف مِن هذه المداخل، لكي تُدِير بِهِ نمط حياتها.. وأغلبية المسلمين يلتزمون بالرسالة : عقيدةً وشعائر ومُعامَلات.. وعلى أهل الفلسفة مِن المؤمنين بالرسالة الإسلامية أن «يُؤصِّلوا» لتوليفةٍ تُقارب بين مقولات الوحي الإسلامي ومطلوباته وبين مقولات الفلسفة والعِلم التجريبي والتحليل العقلي.. وهذا الموقف ليس بِدعة في الإسلام وحدهُ.. فالأخذ بالبصيرة أو الحدس، بشهادة زكي نجيب نفسهُ، موجود لدى فلاسفة عصريين مُتمسِّكين بالعِلميّة وبالتجريبية مِثل : وليام جيمس (1842-1910) وجورج مور (1873-1958) وهنري برجسون (1859-1941).. ويستطيع القارئ الإلمام بآراء زكي حول هؤلاء الفلاسفة في المقالات التعريفية الثمانية بكتابيه لمجلة العربي (1990 و 2014م) عن هؤلاء، كما تتوزّع آراؤهُ عن فلاسفة آخرين في غير تِلكُم مِن المقالات..
وكانت «الخبطة» الشبابية الأخرى لزكي، مِما يُزعِج المُفكّرين المسلمين والعرب، هو كتابهُ (الشرق الفنان)، 1960م.. وبعد بضع وخمسين سنة يكتُبُ الأكاديمي المصري جلال أمين مُقدِّمة وافية لطبعة مجلة (الدوحة) مِن هذا الكتاب، أكتوبر 2014.. وجلال أمين يشرح بإيجاز بلاغي التقريرات الفلسفية الأربعة عن وسائل المعرفة ومقولاتها، لكي يُبيِّن كيف ينحاز زكي نجيب محمود إلى فلسفة الوضعية المنطقية، ثم يحاول تطبيق فهمهُ ذلك على أوضاع المشرق والمغرب فكريّاً، فيقع في الشطط.. فزكي يجعل الغرب مَعنيّاً، في مجال الفِكر، بالتجريبية وبالتحليلية المنطقية، كما يجعل الشرق غارقاً في الجماليات والعواطِف والروحانيات.. لهذا فالغرب يتقدّم بمقولاتِه «العِلمية» حسب فهم زكي، والشرق يركُد في فنونه وعواطفه وروحانيّاتهِ.. وهذه المُحصِّلات لدى زكي ينتقدها جلال أمين نقداً صارماً (الشرق الفنان : 2014م، ص3-10).. ويُمكننا التعميم لِحدٍ ما بأنّ «المُتفلسفين» العرب الستة الذين ذكرناهم بدايةً، في أدبياتهمِ الكثيرة، لا يكاد ينجو واحدٌ مِن اقتراف «الشطحات».. مِن لدُن «وجوديّة» عبد الرحمن بدوي، و «لائكية» محمد أركون وفؤاد زكريا، إلى «تغريبية» حسن حنَفي.. ومع ذلك فإنّ الدور التوليفي الذي يلعبهُ هؤلاء «المُتفلسفة» الستة، في التقريب بين طرائِق المعارِف الغربية والمعارِف الإسلامية، يظل مُفيداً للأجيال المُتعاقبة مِن المُهتمِّين بالتأصيل الذي يُليق بالمسلمين والعرب، حتى يستأنفوا مسيرتهم الحضارية ويُسفروا عن تفوقهم المُستحق..
توجهات للموافقة بين العقل والوحي
الكتابان الصادران لزكي نجيب محمود عن دار (العربي) الكويتية 1990 و 2014م، يحتويان على أكثر مِن أربعين مقالةً كتبهُنّ زكي للمجلة بين 1961 و 1981.. وهذه هي فترة تدريسهُ في جامعتي القاهرة والكويت، مع الحِقبة اللاحقة لقعودهِ المعاشي بعد 1973.. ثمان مقالات مِنها هي مجرد خاطرات وتأمُّلات وجيزات.. وتُعنى ثمان مقالات بالفن والأدب والجماليات واللغة.. وقد سَبقَ وعدّدنا ثمان مقالات تعريفية بثمانية فلاسقة غربيين يُبدِي زكي إعجاباً بهم ويُريد مِن قُرّائهِ التعرُّف على مآثرهم.. وهكذا يبقى للنقاش الفلسفي مِن بين هذه المقالات سبع عشرة مُعالَجَة مِن نوع التناول الصحافي الذي لا يُكلِّف فيه صاحبه تزيين مقالة واحدة مِنها بإحالةٍ منهجية إلى مرجِع أو لمصدر..
ولمّا كنا نقول بأنّ زكي نجيب محمود قد بذل جهداً ما لأجل التقريب بين الفِكر الغربي وبين الأصول والفروع مِن مفاهيم الإسلام، فإننا نمنح في الأسطُر التالية وقتاً لهذا الشأن.. ومِن عادة زكي في كتاباته إدماج هوية المسلم في هوية العربي.. وهو وضعٌ لم أُدرِك كيف سيبتلعهُ مسلم يُترجَم إلى لغته كالأُردو أو البنغالية أو الملاويّة أو التركية أو الفارسية كتاب لزكي نجيب محمود.. وقد توقفتُ عند عنوان جانبي بإسم «علاقة العربي بالطبيعة» في مقالهِ المُسمَّى «الإنسان كيف يواجه الطبيعة» (نافذة : مج1، 1990، ص43-61).. هنا يُوجَد «تفلسف» ينفع للغاية ويجدر بنا أن نغترف منه ما يُعيننا على فهم المطلوب مِن الإنسان المسلم.. ولأُذكِّر أنّ هذا المقال هو مِن نتاج 1971م.. يقول زكي : « الطبيعة في الثقافة العربية مسرح للحركة والنشاط والفاعلية، أكثر مِنها موضوعاً للنظر المُجرَّد.. وحتى المعرفة العقليّة النظريّة، إنّما يُنظَر إليها – على ضوء الثقافة العربية – على أنها فاعليّة أُريدَت.. فالإرادة لها الأولوية المنطقية…. ويكفي أن نقول أنّ القرآن الكريم هو كتابنا الذي نهتدي بهِ، لنقول بالتالي أنّهُ مصدر التشريع، أي مصدر القوانين والأوامر والنواهي، وهي كلها مِن قبيل الفِعل لا مِن قبيل الفِكر المُجرَّد.. ولقد ورَدَتْ في هذا الكتاب الكريم مجموعة مِن القيم – الأسماء الحُسنى – قد يُنظر إليها على أنها دلالات على القِيَم – المُنظِّمة للسلوك، سلوك الإنسان مع أخيه الإنسان، وسلوكه مع سائر الكائنات، وكل هذا هو بالنسبة للسالِك «طبيعة» تُحِيط به، ويُرادُ له أن يتصرّف إزائها على خير الوجوه « (السابق)..
فهذا هو تقعيدٌ جيِّد للقِيم السلوكية في الإسلام، الشيئ الذس يجعل مُهمِّة الفيلسوف العربي (المسلم) هو تناول القِيَم، حسب رأي زكي، وإدراك ما بينها مِن الإتصال، بدلاً مِن تناول الأفكار العقليّة لرؤية كيفيّات مجيئها.. لأنّ القِيم تِلكُم تصيرُ المُرشد العملي لسلوك الإنسان في مُحيطِهِ الإجتماعي والطبيعي على حدٍّ سواء.. وتترابط أفكار زكي هنا لتقترب مِن فرعيْ عِلم الأصول.. فهو يقول : « وأنّ وحدانيّة الله نفسها لا أظنها تُفهَم فهماً جيداً إلا إذا اِستُتبعَتْ في ذهن من يفهمها وحدانيّةً في مجموعة القِيم، أعني تنسيقاً لها، مِن شأنهِ أن يُسدِّد السالك نحو الهدف « (السابق).. والمُرتكز الأساس لهذا التفكير عند زكي هو أسماء الله الحُسنى وصفاتهِ العُلى، كما يشرحها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (المقصد الأسنى في أسماء الله الحُسنى).. إذ أنّ الغزالي يتتبّع عدداً مِن الأسماء الحسنى بقولهِ : « إنّ نصيب العبد مِن هذه الصِّفة كذا وكذا، فيُبيِّن للقارِئ كيف يسلُك في حياتهِ العمليّة على ضوء هذه الصفة المُعيَّنة أو تِلك مِن المجموعة بأسرها « (نافذة)، مج2، 2014م، ص181.. وبذلك يتخلَّق المسلم المستسلم لله تعالى بتوجيهات ربّهِ، فيما هو بمقدورهِ..
يبدأ المسلم بأخلاقية الضمير الذي يحصُر سلوكه في أفعل ولا تفعل حسب الشرع.. ثم تتحوّل أخلاقيّة الضمير إلى أخلاقية الفِعل، ليخرج مِن فرديّتهِ إلى العضوية النافعة بالسلوك الحسن داخل الجماعة.. لأنّ محك الفعل هو الآخرون، كيان المُجتمع، ثم الإنسانية كلها.. حيث يكتمل الفرد عند ضرورة وجوده الإجتماعي.. فبرأيِ زكي : ولمّا كان تنظيم الفِعل في المُجتمع يحتاج إلى «قانون» يضع له الحدود، كان هنالك التشريع الرسالي الذي يفهم زكي دورهُ على ضوءٍ مِن آراء أكثر مُفكري الإسلام سلفيّةً منهجيّة، ونعني ابن تيمية.. وزكي ينسب إليه القول بأنّ : « معرفة الله مِن حيث هو ماهيّة، مستحيلة على الإنسان، وأنّهُ لا سبيل أمام الإنسان لمعرفة الله إلا بمعرفة إرادتهُ التي كشفَ عنها لأنبيائِه….. وما إرادة الله إلا مجال القِيَم التي يُراد لسلوك الإنسان أن يسير على مُقتضاها.. ولمّا كان هذا السلوك المُراد يغلُبُ أن يكون ذا صلة بحياة الآخرين في المجتمع، كانت فكرة «الأمة» ذات أهميّة بالغة.. واذي يجعل مِن مجموعة الناس أمة واحدة، ليس هو أنهم يعيشون في رقعةٍ جغرافية واحدة، بل هو – عند ابن تيمية – المُشاركة في «فِعل».. وبهذه المُشاركة، يُجاوِز كل فرد حدود نفسهِ، لينفتح على الآخري الذين هم شركاؤه في فِعلٍ واحد « (نافذة)، 1990، ص60.. ألا يتجنّى الحاملون على زكي نجيب محمود عندئذٍ إذ يُلحِقونهُ بالمتغربنين أو بالعادِين على الإسلام ؟!
الثورات : 3/1/2015م