نصف قرن على اغتيال مالكوم اكس : السودان والأمريكيون.. التأثير على السود

كتب : عبد الله مكي
أقيم احتفال في نيويورك تكريما لذكرى زعيم حركة الحقوق المدنية المسلم الأسود مالكوم اكس في الموقع الذي اغتيل فيه منذ 50 عاما. وشارك ناشطون وسياسيون وممثلون مع أكثر من 300 شخص في رثاء مالكوم اكس في منطقة (هارلم).. وطالبت أحدى بنات اكس بإعادة تقييم أهمية دور أبيها في حركة الحقوق المدنية في أمريكا.وكان الزعيم المسلم مالكوم اكس، عند مقتله، قد لطف كثيرا من خطابه المتشدد المطالب بانفصال السود.إ لا أنه بقى متحمسا بشدة لوحدة السود، واحترام الذات، والاعتماد على النفس.

«مجرد يافع»:
وأقيم الاحتفال في المركز التعليمي التذكاري لمالكوم اكس و الدكتورة بيتي شاباز، الذي كان يعرف في السابق باسم قاعة أودوبورن. وأنبعث في الاحتفال ضوء أزرق بالضبط على البقعة التي اغتيل فيها اكس. واسمه الحاج مالك الشاباز، واغتيل في سن الـ 39 عندما كان يستعد لإلقاء كلمة على مؤيديه. وقالت ابنته الياسا شاباز إنه «كان شابا يافعا قدم كل ما يمكنه .»وأكد أقارب اكس على أن أفكاره الثورية لا تزال جزءا في الصراع من أجل الحصول على المساواة، مطالبين بالاهتمام به في التاريخ الأمريكي أكثر مما عليه الحال الآن.
مالكوم اكس:
وُلد في19مايو1925م، واسمه عند مولده مالكوم ليتل، ويُعرف أيضاً باسم الحاج مالك الشباز، ولد بمدينة (اوماها) في ولاية نبراسكا وكان الرابع بين ثمانية أبناء وهو أمريكي من أصل إفريقي، وكان والده يحبه للون بشرته الفاتح قليلاً عنه، أما أمه فكانت تقسو عليه لذات السبب وتقول له:(اخرج إلى الشمس ودعها تمسح عنك هذا الشحوب). وكان يُدافع عن حقوق السود، ويوجِّه الاتهامات لأمريكا والأمريكيين البيض بأنهم قد ارتكبوا أفظعَ الجرائم بحق الأمريكيين السود.
العنصريون البيض:
كانت حياة عائلة مالكوم عبارة عن سلسلة من النكبات، فقد شهد الأب مقتل أربعة من أخواته الستة على يد العنصريين البيض، وتعرض لمضايقات وتهديدات بسبب نشاطاته السياسية، فرحل إلى مدينة (لانسنغ) في ولاية ميشيغان في العام 1928م. وبعد عدة شهور أُحرق منزل العائلة من قبل منظمة(كوكلوكس كلان)العنصرية فرحلت العائلة من جديد إلي ضواحي مدينة لانسنغ، وعندما بلغ مالكوم سن السادسة قتلت والده جماعة عنصرية بيضاء عام 1931م، وهشمت رأسه، ووضعوه في طريق حافلة كهربائية دهسته حتى فارق الحياة، ولكن السلطات ادعت أنه مات دهساً، وتم اتهام والده لاحقاً بالانتحار، فكانت صدمة كبيرة للأسرة وبخاصة الأم التي أصبحت أرملة وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها وتعول ثمانية أطفال فترك بعض الأبناء دراستهم وعملت الأم خادمة في بعض بيوت البيض، لكنها كانت تُطرد بعد فترة قصيرة لأسباب عنصرية، كما أنّ السلطات حجبت عنها كل الإعانات أو الحقوق المالية وفي العام 1939م، أُصيبت بانهيار عصبي فأُدخلت مستشفى للأمراض العقلية قضت فيه نصف حياتها،فتجرع مالكوم إكس وأخوته الثمانية مرارة فقد الأب والأم معاً، وأصبحوا أطفالاً تحت رعاية الدولة والتي قامت بتوزيعهم على بيوت مختلفة. وأنفصل مالكوم وأشقائه وأرسلوا إلى (منازل تبنّي) مختلفة،وقد بقيت الأم في المستشفى حتى قام مالكوم وإخوته إخراجها بعد 26 سنة.
إسلامه في السجن
وفي عام 1946م،أي عندما كان عمره حوالي عشرين سنة، سُجن مالكوم اكس في سجن(تشارلز تاون)العتيق بتهمة السطو والسرقة.جعل مالكوم حياته داخل السجن امتداداً لحياته خارجه إلا أنّ بعضاً من المناقشات بين السجناء بدأت تلفت انتباهه.وفي عام 1947 تأثر بأحد السجناء ويُدعى(بيمبي)والذي كان يتكلم عن الدين والعدل فزعزع بكلامه ذلك الكفر والشك من نفس مالكوم، وفي عام 1948 انتقل مالكوم إلى سجن(كونكورد)وكتب إليه أخوه»فيلبيرت»أنّه اهتدى إلى الدين الطبيعي للرجل الأسود، ونصحه ألا يدخن وألا يأكل لحم الخنزير، وامتثل مالكوم لنصح أخيه ثم علم أن إخوته جميعاً في ديترويت وشيكاغو قد اعتنقوا الإسلام، وأنهم يتمنون أن يسلم مثلهم. ثم انتقل مالكوم إلى سجن»ينورفولك» الذي تميز بأنه مخفف في عقوباته يقع في الريف ويحاضر فيه بعض أساتذة الجامعة من هارفارد وبوسطن وبه مكتبة ضخمة تحوي عشرة آلاف مجلد قديم ونادر وفيه زاره أخوه(ويجالند)والذي انضم إلى حركة»أمة الإسلام»هو الآخر.
وقد اعتنق جميع إخوة مالكوم اكس الدين الإسلامي على يد(اليجا محمد) فسعوا لإقناع مالكوم بالدخول في الإسلام بشتى الوسائل والسبل حتى أسلم.فتحسنت أخلاقه وسمت شخصيته وأصبح يشارك في الخطب والمناظرات داخل السجن للدعوة إلى الإسلام. انضم مالكوم اكس إلى(حركة أمة الإسلام)، وعندما أُطلق سراحه عام 1952م ذاع صيته واشتهر بسرعة حتى صار واحداً من قادة الحركة. وبعد عقد من الزمان تقريباً،صار مالكوم اكس المتحدث الإعلامي لهذه الحركة.ولكن بسبب وقوع خلاف بينه وبين رئيس الحركة إلايجا محمد، ترك مالكوم اكس الحركة في مارس 1964م.
سفره للحج:
أدرك مالكوم أنّ الإسلام هو الذي أعطاه الأجنحة التي يحلق بها،فقرر أن يطير لأداء فريضة الحج في عام 1964م،وزار العالم الإسلامي ورأى أنّ الطائرة التي أقلعت به من القاهرة للحج بها ألوان مختلفة من الحجيج،وأنّ الإسلام ليس دين الرجل الأسود فقط،بل هو دين الإنسان.وتعلم الصلاة،وتعجب من نفسه كيف يكون زعيماً ورجل دين مسلم في حركة أمة الإسلام ولا يعرف كيف يُصلي؟!
وتأثر مالكوم بمشهد الكعبة وأصوات التلبية،وبساطة وإخاء المسلمين،ويقول في ذلك:»في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس،إنّ أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام،لأنّه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها»،وقضى12يوماً جالساً مع المسلمين في الحج.ورأى أنّ الناس متساوون أمام الله بعيداً عن سرطان العنصرية.
غيّر مالكوم اسمه إلى(الحاج مالك شباز)،والتقى الملك فيصل الذي قال له:»إنّ ما يتبعه المسلمون السود في أمريكا ليس هو الإسلام الصحيح»، وغادر مالكوم جدة في إبريل 1964 م، وزار عدداً من الدول العربية والإفريقية، ورأى في أسبوعين ما لم يره في 39 عاما،وخرج بمعادلة صحيحة هي:(إدانة كل البيض تُساوي إدانة كل السود).وقال:»في خلال الأحد عشر يوماً الماضية التي قضيتُها في العالم الإسلامي لقد أكلت من نفس الطبق وشربت من ذات الإناء،ونمت على ذات الفراش،هذا بينما كُنا نُصلي لذات الإله مع جموع المسلمين من ذوي العيون الأكثر زرقةً،والشعر الأشد شُقرةً،والبشرة الأنصع بياضاً،والذين هم في كلامُهم مثلما هم في أفعالهم أحسست بنفس الصدق الذي أحسسته في المسلمين من نيجيريا وغانا والسودان».
ثم عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأنشأ المسجد الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية،وأعرب عن رغبته بالعمل مع دعاة الحقوق المدنية،مع أنه كان لا يزال يُشدد على ضرورة إعطاء السود حق تقرير المصير والدفاع عن النفس.
اغتياله
صاغ بعد عودته أفكاراً جديدة تدعو إلى»الإسلام الصحيح»،»الإسلام اللا عنصري»، وأخذ يدعو إليه،و نادى بأُخوّة بني الإنسان بغض النظر عن اللون، ودعا إلى التعايش بين البيض والسود، وأسس منظمة الاتحاد الأفريقي الأمريكي، وهي أفكار تتعارض مع أفكار أمة الإسلام؛ لذلك هاجموه وحاربوه، وأحجمت الصحف الأمريكية عن نشر أي شيء عن هذا الاتجاه الجديد، واتهموه بتحريض السود على العصيان، فقال: «عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها، وإنّ عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئاً لتحقيقه».
تنامت الخلافات بين مالكوم وأمة الإسلام، وفي إحدى محاضراته في نهاية فبراير1965م صعد مالكوم ليلقي محاضرته، ونشبت مشاجرة في الصف التاسع بين اثنين من الحضور، فالتفت الناس إليهم، وفي ذات الوقت أطلق ثلاثة أشخاص من الصف الأول (16 رصاصة) على صدر هذا الرجل، فتدفق منه الدم بغزارة، وخرجت الروح من الجسد.
وقامت شرطة نيويورك بالقبض على مرتكبي الجريمة، وثارت عدة نظريات تقول بأنّ اغتيال مالكوم إكس كان مؤامرة وقف وراءها (مروجو المخدرات)أوالـ (FBI) أوالـ (CIA).
المؤثرات السودانية
هناك أربعة مؤثرات سودانية أسهمت في توجيه وتشكيل شخصية مالكوم إكس، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر خلال فترة زمنية طويلة بدأت قبل ميلاده. وهنالك على الأقل مؤثران غير مباشرين تمثلا في الفكر السياسي الإسلامي لدوس محمد علي.
والفكر الديني الدعوي للشيخ ماجد ساتي، كما يوجد مؤثران مباشران جاء الأول تأصيلياً شرعياً على يد الشيخ أحمد حسون السلفي.والثاني:مفهومياً حركياً على يد البروفيسور الطالب حينها أحمد صديق عثمان.وجمعها في بحث ونُشر كتاب للدكتور محمد وقيع الله بعنوان « أربعة مؤثرات سودانية في فكر ومسيرة مالكوم إكس «.
الأثر الأول
دوس محمد علي (1887 – 1945م) وُلد لأم سودانية وأب مصري كان يعمل ضابطاً في جيش القائد الشهير أحمد عرابي. أثر في مالكوم عن طريقين مختلفين، كان كلاهما قريباً منه، الأول هو طريق أبيه «إيرل ليتل» الذي تتلمذ على ماركوس جارفي الذي تتلمذ بدوره على دوس محمد علي. وقد انتظم والد مالكوم (إيرل ليتل) في دعوة جارفي للقومية السوداء والاعتماد الاقتصادي على الذات وإنشاء دولة خاصة بالسود في أمريكا. وأما الطريق الثاني فهو طريق إليجا محمد زعيم (أمة الإسلام) في أمريكا.وهو الآخر تلميذ لماركوس جارفي. وكان له دور قوي في استنقاذ مالكوم من عالم الجريمة والسجون وإعداده لدوره الرسالي في إطار نضال السود.. وشارك معه جهاده الثوري ضد الإنجليز.وأستشهد في معركة التل الكبير في عام 1882م. وقبل ذلك كان قد أرسل ابنه دوس – وهو في التاسعة من عمره لتلقي العلم بإنجلترا.وكان دوس يحضر خلال إجازاته الدراسية لمصر فيلتقي بأفراد أسرته ويحضر بعض مجالس أبيه مع الثوار العرابيين.وأُتيح له أن يلتقي بأحمد عرابي ويُحادثه ، فتأثر كثيراً بأفكاره الوطنية الإسلامية المناهضة للاستعمار وللتبعية الثقافية للغرب. وبدلاً من أن يلتحق دوس بدراسة الطب كما أوصاه أبوه، فقد جرفته أفكار الثورة إلى دراسة التاريخ وإلى العمل بالصحافة والاتصال بالحركات الوطنية المكافحة للاستعمار.وفي لندن أنشأ دوس مجلة باسم:(الأزمنة الإفريقية)،عرّف فيها العالم بنضالات ثوار عام 1924م في السودان بقيادة علي عبد اللطيف. ونشر فيها مقالات مُتعددة لقادة الثورات الإفريقية وقادة السود الأميركيين من أمثال ماركوس جارفي الذي كتب مسانداً لثوار عام 1924م في السودان.
الأثر الثاني
وهو الشيخ ساتي ماجد، ويُسمّى شيخ الإسلام في أمريكا في عشرينات القرن الماضي، وهو داعية من دنقلا العجوز، حفظ القرآن بالسودان،ثم نزح إلى مصر حيث درس بالأزهر،ثم ارتحل إلى بريطانيا ومنها إلى الولايات المتحدة الأميركية، متعقبا دعايات المبشرين التشويهية للدين الإسلامي. وبوصوله إلى نيويورك في عام 1904وبالتعاون مع المسلمين اليمنيين والأتراك وغيرهم أنشأ جمعية (تقوية الخلافة العثمانية) وجمعية (الإتحاد الإسلامي) وجمعية (الهلال الأحمر) و(الجمعية الخيرية الإسلامية) و(مسجد مصانع فورد للسيارات) وتمكن من اكتساب بعض الأميركيين البيض والسود إلى صف الإسلام.
وباشر ساتي ماجد جهوده في تصحيح عقائد جماعة (أُمة الإسلام) بقيادة إليجا محمد وجمعية (المعبد الإسلامي) بقيادة نوبل ودرو علي، وكلاهما ادعى النبوة، كما كافح الشيخ ماجد جهود القاديانيين والبهائيين الذين كانوا ناشطين في تشويه صورة الإسلام وتحريف تعاليمه. وفي ما يختص بجماعة (أمة الإسلام) فقد تبادل ساتي ماجد مراسلات ومُداولات عديدة حول عقائد تلك الجماعة، فتحت ذهن داعيها إلى خطورة دعاويه. وقد اعترف إليجيا محمد بالفوائد التي اجتناها من حكمة الشيخ ساتي ماجد. وخاطبه في إحدى رسائله الجوابية إليه بأدب واحترام شديدين. وهي الرسالة التي وردت بنصها الإنجليزي وبخط يد إليجا محمد في الكتاب الفريد الذي أعده الأستاذ عبد الحميد محمد أحمد بعنوان (ساتي ماجد الداعية السوداني بأمريكا).
الأثر الثالث
وكما ذكر دكتور وقيع الله فقد جاء التأثير المُباشر على فكر مالكوم إكس من قبل الشيخ أحمد حسون السلفي، الزعيم الأسبق لحركة أنصار السنة المحمدية بالسودان. وهو رجل كان على اتصالات وثيقة بالأوساط السلفية العالمية، حيث كان يُجيد اللغة الإنجليزية بحكم عمله لسنوات طويلة بإدارة البريد قبل استقلال السودان. وبسبب اقتداره على التخاطُب بتلك اللغة فقد انتدبته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة للعمل مرشداً لما كان يُعرف بالمسجد الإسلامي رقم (7) الذي كان تحت التأسيس ب(هارلم) في نيويورك.
وكان خطيب ذلك المسجد هو مالكوم إكس، فألتقاه الشيخ حسون وعمل مرشداً شرعياً له، وأعانه على تفهم تصورات الإسلام الكبرى ومدلولات قواعد ونصوص الشرع.
وقد بقي الشيخ حسون رفيقاً حميماً لمالكوم إكس في أيامه الأخيرة. وحسبما ورد في تعليقات إليكس هيلي على مذكرات مالكوم إكس فإن الشيخ حسون كان هو الذي تولى غسل جثمان مالكوم إكس وتكفينه ودفنه على الطريقة الإسلامية السنية.
الأثر الرابع
«من حلفا إلى هارفارد» تحت هذا العنوان أور د.محمد وقيع الله ليسرد لنا الأثر السوداني الرابع والثاني المباشر على فكر ومسيرة مالكوم إكس، فكان ذلك من نصيب الأستاذ الآن والطالب آنذاك أحمد صديق عثمان والقادم من منطقة حلفا.
أحمد عثمان شخص إيجابي يرى في نفسه المقدرة على تحويل تيارات الأحداث والتأثير في الشخصيات التاريخية الكبرى عن طريق الفكر. لذا ما أن استمع إلى محاضرة عامة لمالكوم إكس في ظهيرة أحد أيام الأحد بمسجد المسلمين السود رقم(7) بنيويورك حتى أنبرى ليُفصح عن دهشته لسوء فهم مالكوم للإسلام، وللتخليطات والبدع الغليظة التي جاءت في ثنايا المُحاضرة التي ألقاها على ذلك الجمع، وكان طبيعياً أن يتصدى قطاع من المستمعين لهذا الذي وقف يُعارض خطاب رئيسهم المُثقف الذرب» – كما وصفه وقيع الله – والذي كان يُعتبر ثاني أخطب خطيب في أمريكا يومها بعد المُرشح الرئاسي (باري جولد ووتر) ، ولكن كان ذهن مالكوم إكس متفتح ويقبل الجديد، ويتفهمه، ويذعن له، متى ما ثبت أنه الأقرب إلى الحق «.
ويتذكر أحمد صديق عثمان تلك المواجهة التي جرت بينه وبين مالكوم إكس، فيقول:
« وبعد أربع ساعات من الحديث المتصل لمالكوم أمام جمهور من حوالي خمسمائة شخص، فُتح باب النقاش، وهنا جاءت لحظة مواجهتي الأولى لمالكوم إكس.
لقد أخبرته أن كثيراً من العقائد والآراء التي تتبناها جماعات المسلمين السود هي على النقيض تماماً من تعاليم الإسلام الأصيل، لا سيما ذلك الاعتقاد العجيب في إليجيا محمد على أنه رسول مبعوث من عند الله تعالى، ثم تلك التفسيرات المنكرة لموضوع اللون والعرق. لقد قلت لمالكوم يومها إنّ من الواضح أن مما شدك كثيراً إلى الإسلام هو أنه دين يُلغي من ضمير صاحبه أي نزعة للتفوق على أساس العُنصُر واللون، وأنه دين يستبدل بناحية التفرق بدعوى العُنصُر واللون، أخوة الإسلام الجامعة القائمة على مبدأ المساواة التامة بين المسلمين، وهي العلامة التي كانت وستظل دائما علامة فارقة في تاريخ الإنسان. والآن فإننا واشتقاقا من ذلك المبدأ الإسلامي الأصيل يُمكن أن نُثبت أن أي نزوع لسب الناس وشجبهم ولعنهم بسبب من لونهم أو نوع العرق الذي انحدروا منه أمر لا مجال له البتة في دين الإسلام ! .
ويُواصل أحمد صديق القول:»هنالك استشاط المُستمعون من الغضب، وكادوا يموجون من الغيظ، ولم يبق على قدم الانضباط إلا مالكوم إكس وحده. وقد عمل مع ذلك على ضبط جمهوره ومناشدته الهدوء والصبر، وعدم مقاطعتي حتى أُكمل ما بدأت به من حديث، ولكن الجو كان قد اكفهر تماماً وأستعر النقاش غير الموضوعي من جانب الحضور. وغادرتُ المكان بعد نهاية النقاش وأنا غير مُقتنع بآراء مالكوم إكس ولا آراء الحضور، ولكني خرجتُ بانبهار وإعجاب عميق بشخصية مالكوم إكس « .
وأحمد صديق عثمان كان قد تناول في مداخلته تلك بالنقد عقيدة إليجيا محمد في الجنس الأبيض، وخُلاصتُها أنه جنس ملعون ممسوخ، ذلك أن الله تعالى خلق البشر جميعا سود البشرة، ثم اقترف بعضهم من الآثام العظام ما أستوجب مسخهُم إلى بشر بيض، وتلك العقيدة المزعومة كانت قد تأصلت في أوساط مسلمي أمريكا السود دهراً طويلاً، وتشربها بعُمق مالكوم إكس وبشر بها في محافل كثيرة، وذلك إلى أن انتهى عنها في أُخريات أيامه عندما حج البيت الحرام، ورأى بأُم عينيه المسلمين من مختلف الألوان، يُدينون بدين واحد، فأدرك حينها أن الإيمان بإله واحد، يعني أيضاً وحدة الخلق، وعبر عن ذلك بقوله في رسالته الشهيرة التي بعث بها لعدد من أصدقائه بعد الحج:
« في خلال الأحد عشر يوماً الماضية التي قضيتُها في العالم الإسلامي لقد أكلت من نفس الطبق وشربت من ذات الإناء، ونمت على ذات الفراش، هذا بينما كُنا نُصلي لذات الإله مع جموع المسلمين من ذوي العيون الأكثر زرقةً، والشعر الأشدُ شُقرةً، والبشرة الأنصعُ بياضاً، والذين هم في كلامُهم مثلما هم في أفعالهم أحسست بنفس الصدق الذي أحسسته في المسلمين من نيجيريا وغانا والسودان «.
خطبته بعد اغتيال مالكوم إكس
نهض بعد ذلك الأستاذ أحمد صديق عثمان فألقى بالنيابة عن المركز الإسلامي بجنيف خطاباً مؤثراً قال فيه إن العالم الإسلامي بأجمعه يعترف بمالكوم إكس شقيقاً في العقيدة، وبطلاً، وشهيداً، قضى نحبه في حومة المنافحة عن الدين الحق، وثمَّن الأستاذ أحمد عثمان جهاد مالكوم إكس في سبيل المثل الإسلامية الإنسانية العليا، وأتبع خطبته البليغة بكتابات إلى الصحف الأمريكية، عمل فيها على تنقية سيرة مالكوم إكس مما ألصقته به التغطيات الصحفية المُغرضة، وفصَّل القول في شأن التحولات الفكرية المتتابعة التي طرأت على فكر مالكوم إكس، وأدت به في النهاية إلى الانخلاع عن الالتزام العرقي الشوفوني، وهي التحولات الإيجابية الباهرة التي كان يقف وراءها ويدفع بها قُدُماً الأستاذ أحمد عثمان.
إطلاق سراح القاتل
أما بالنسبة لقاتله فقد أطلقت السلطات الأمريكية سراح قاتل الزعيم الأمريكي الأسود مالكوم إكس بموجب عفو بعد 45 عاما من حادثة الاغتيال. وكان توماس هاجان (69 عاما) هو الشخص الوحيد الذي اعترف بدوره في اغتيال الزعيم الأمريكي المثير للجدل. واعترف هاجان، الذي أفرج عنه من سجن في نيويورك، بأنه أطلق النار على مالكوم إكس إثناء إلقائه خطبة في حي (هارلم) عام 1965، لكنه أصر على أنّ الرجلين الآخرين المدانين معه في نفس المحاكمة لا علاقة لهما بالأمر.
وتمسك الرجلان الآخران بأنهما بريئين وأُطلق سراحهما بموجب عفو في الثمانينات من القرن الماضي. وتقدم هاجان، الذي أبدى الندم على فعلته مرارا، بـ16 طلبا للعفو خلال سنوات سجنه، لكن لم يُستجب لطلبه إلا بعد 45 عام من سجنه. وسمحت السلطات الأمريكية لهاجان بقضاء خمس ليال في الأسبوع في منزله خلال السنوات الـ22 الماضية.