مشروع زايد الخير الزراعي؛ حقوق الأهالي الضائعة بين مماطلة المستثمِر وصمْت حكومة الجزيرة

تحقيق: قيس شحاتة

  • مقدّمة لا بدّ منها

اعتلى والي الجزيرة الأسبق الشّريف أحمد عمر بدر المنصّة في اللقاء الجماهيري الذي عُقد في العام 1999 بوحدة ودراوه الإدارية، وحدّث المواطنين حديثاً عذباً، وكالَ لهم من الوعود مكاييلَ غير مطفّفة، بواقعٍ جديد، يحملُ بشائرَه (مشروع زايد الخير الزراعي) لقرَى وأرياف محلية شرق الجزيرة. وصدّق أهلُنا الطيّبون والِيهم المؤتمَن على مصالحهم، وباتوا يحلمون بمستقبل أخضر ينعمون فيه بالتنمية والعمران وتوفر الخدمات. ولكن الحلم تلاشى واستحال إلى سراب، وانكشفت الحقيقة المريرة على واقعٍ استحوذَ فيه المستثمر “الإماراتي” على أراضي المواطنين الغلابة، بعِلم وموافقة ومُصادقة ودعم وحماية حكومة ولاية الجزيرة ووزاراتها المعنيّة بشئون الزّراعة والاستثمار. وصارَ مواطن شرْق الجزيرة المغلوب على أمره ينظر حوله فيرى مساحات المشروع الخضراء، والآلات تعمل وتدور حرْثاً في أرضه التي انتُزِعت منه بأمر السّلطة وهو لا حولَ له ولا قوة.

ومنطقة شرق الجزيرة لمن لا يعرفها، تُعد من أفقر المناطق في السودان من حيث توفّر الخدمات الحيوية، كالصّحة والكهرباء. كما أنّها تعاني شُّحاً في الموارد، بالإضافة الى التهميش الإداري والتنفيذي.

وقد كان من شأن أيّ مشروع زراعي ينشأ هناك أن يُبدّل هذا الواقع المُقفر، ويُعزّز مصادر التنمية في المنطقة، تأسيساً على قيم الاستثمار الكفء والعادل، والاقتسام المُنصِف للمنفعة والعائد، وتوفيراً لسُبل كسْب العيْش، وتشجيعاً لقوى الإنتاج الرّيفية في العمل وتحقيق الاكتفاء الاقتصادي، وما يترتّب على كلّ ذلك من نهضة وتطوّر وازدهار لهذه الأصقاع والأطراف التي عانت من الفقر والتهميش سنينَ عددا.

بيدَ أنّ حكومة ولاية الجزيرة، ممثّلةً في واليها الأسبق الشريف أحمد عمر بدر، ووزير الزّراعة الأسبق بالولاية، ذهبَ تفكيرها إلى إنشاء مشروعٍ أصبحَ عبئاً ثقيلاً على مواطني شرق الجزيرة. مشروع انتزعَ أراضيهم غصباً وجلبَ لهم الأمراضَ والأوبئة والآفات.

فما هي قصّة مشروع زايد الخير الزّراعي، الذي بدأ باستثمارات تقدّر بـ60 مليون دولار حسْبما ذكرت المستشارة الاقتصادية بسفارة السودان بـ”أبوظبي”، منيرة عبد الحليم أبو قصيصة، في حديثها لصحيفة “الاتحاد” الإماراتية المنشور بتاريخ 12 أكتوبر 2010م؟. وما هي مُلابسات التصديق بقيامه في منطقة وتحوّله إلى أخرى؟ ولماذا التماطل بشأن حقوق الأهالي مُلاك الأراضي والحيازات برغم العقود الموقعة بين لجنة المتضرّرين ومجلس إدارة المشروع طوال خمسة عشر عاماً كاملاً؟. ولماذا تعجز حكومة ولاية الجزيرة عن إعادة الحق إلى أصحابه وإلزام المستثمر بردّ المظالم إلى مُستحقيها، رغم اعترافها الموثّق بـ(قيام المشروع على خطأ ينبغي أن يُصحّح)؟.

في هذا التحقيق، تبحث (ألوان) بروِيّة عن أجوبة متكاملة لهذه الأسئلة، من خلال المستندات والعقود الموثقة والمكاتبات الرّسمية التي تمّت بين الأطراف ذات الصّلة بالمشروع، خاصة أنّ أهالي قُرى وأرياف وحدة ودراوة الإدارية قد احتملوا مظالمَ خمسة عشرَ عاماً من عُمر المشروع، ظلوا فيها يجأرون بالشكوى بلا استجابة، ويلهثون خلف المسئولين بلا طائل، في ظلّ صمتٍ “مُريب” تمارسُه حكومة الجزيرة، وتماطلٍ مستمر من قِبل إدارة المشروع في تنفيذ الإتفاقات التي أبرِمت معها.

  • تصديق المشروع

في الخامس عشر من مايو لعام 1999م، أرسلَ السيّد وزير الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الجزيرة خطاباً إلى رئيس مجلس إدارة مؤسّسة الأنهار للمحاصيل الزراعية، التي تقدّمت بتاريخ الثالث عشر من مايو لعام 1999م (أي قبل يومين فحسب)، بطلب للسيّد والي ولاية الجزيرة بخصوص التصديق لها بمشروع زراعي بالولاية، مُفيداً بأن وزارة الزراعة صادقت على قيام المشروع في مساحة أربعين ألف فدان، استُقطِعت من مشروع “باقدو” الزراعي الذي ألغِي ترخيصه الاستثماري بموجب الخطاب الصادر من وزير الشئون الاقتصادية بالولاية الصادر في الرابع من مايو لعام 1999م بالرقم (14). علماً بأن مشروع “باقدو” هذا، يقع إلى الشرق من موقع مشروع زايد الخير الحالي!. يومان اثنان فقط هي كل المدّة التي احتاج إليها المستثمر الإماراتي أحمد سالم راشد المنصوري لمخاطبة وزارة الزراعة بولاية الجزيرة واستلام خطاب الموافقة على قيام المشروع؛ فقد ذُلّلتْ أمامه تماماً، بفضل الله، والهِمّة العالية لوزارة الزراعة بالولاية، التعقيدات الإجرائية والبيروقراطية الحكومية!

استلمتْ مؤسّسة الأنهار التصديق وبدأتْ في اتّخاذ خطوات عملية في التنفيذ، ولكن بعد معاينة المؤسّسة لموقع المشروع المقترَح بمنطقة “باقدو” تمّ تحويل المشروع إلى منطقة مشروع “الهدى الإسلامية” المتاخمة للنيل الأزرق، لأسباب غير معروفة! وتمَّ الأمر دون إخطار الأهالي وأصحاب الحيازات والمُلاك المستفيدين من تلك الأراضي لعشرات السنين زراعة ورعياً واحتطاباً. وعندما تحرّك المواطنون لمعرفة حقيقة تحويل المشروع دون اعتبار لأوضاع المزارعين، واجهتهم سلطات الولاية بالاعتقال والتهديد.

  • اعتراض الأهالي

احتجَّ مواطنو قُرى وحدة ودراوة الإدارية على قيام مشروع زايد الخير على أراضيهم الزراعية دون ترتيبات تضمن حقوق المواطنين، ونتيجة لذلك حدثت اشتباكات عديدة وقتها بين العمال والأهالي، أدت إلى تدخّل الاحتياطي المركزي، وتطور الوضع إلى إصابة عدد من المواطنين.

رفع المواطنون المتضرّرون دعوى تظلّم للسيد والي ولاية الجزيرة بتاريخ العشرين من يناير لعام 2000م، طالبوا فيها بالإنصاف والعدل، باعتبار أن سكان المنطقة يمتهنون الزراعة المطرية كحرفة رئيسية، وهم أصحاب حيازات متوارثة منذ القِدم، مُطالبين بتسوية أوضاعهم قبل قيام المشروع الذي غطّى مساحة كبيرة من أرض الزراعة المطرية، مُشيرين إلى أن المشروع لم يُراعِ الآتي، أولاً: لم يتطرّق تصديق المشروع إلى ملكية المواطنين للأرض المكتسبة عن طريق الحيازة أو الوراثة، كما أن المشروع يمتد إلى خارج المساحة المصدّق بها، دون اعتبار لحقوق مُلاك الأرض الحقيقيين. وافق الوالي آنذاك الشريف أحمد عمر بدر، على الاستماع إلى وجهات نظر المزارعين المطالبين بحقوقهم، والتزم الوالي بإعادة حقوق المظلومين إلى أصحابها، غير أنّ مطالبَ المواطنين التي رُفعت إلى والي الجزيرة، ضاعت ومعها ضاعت أراضيهم. والآن بعد مُضيّ خمسة عشرَ عاماً، تغيّر الوالي، ومن بعده والٍ آخر، لكن الأحوال لم تتغيّر.

وبعد استنفاد كل السُّبل الولائية لاسترداد حقوقهم، لجأت لجنة مُلاك الأراضي إلى وزير الزراعة والغابات الاتحادي عبر مذكرة رفعتها إليه في يونيو 2002م، أفادت فيها بأنّهم تضرروا من قيام المشروع على أراضيهم الزراعية التي لا سبيل للعيش بدونها، و لذلك يطلبون من وزارة الزراعة الاتحادية أن تسترد لهم حقوقهم التي سُلبت، وأنّه إذا كان لا بد من استثمار الأرض للمشروع ينبغي أن يُراعى تحقيق التنمية الاجتماعية للمنطقة وأن يُسهم المشروع في تأسيس البنية التحتية، كما أن قيام المشروع مسّ النظام الاجتماعي السائد في المنطقة، حتى أن إدارة المشروع تقتاد المواطنين الذين يدخلون أرض المشروع عن طريق الخطأ إلى المحاكم بواسطة أفراد من الشرطة موزّعين للمراقبة.

  • القرار الوزاري رقم (43)

بعد المذكرة التي رُفعت لوزير الزراعة والغابات الاتحادي، أصدر الوزير قراراً وزارياً بالرقم (43) لسنة 2002م، في الثالث من يونيو لنفس العام، نصّ على مراجعة الأسس التي قام عليها مشروع زايد الخير ووضْع أسس جديدة للمشروع من خلال لجنة يرأسها وزير الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الجزيرة وعضوية إدارة الاستثمار بوزارة الزراعة والغابات الاتحادية، ومشرف مشروع زايد الخير الزراعي، والمدير المُقيم بالمشروع، وثلاثة ممثلين للقرى المتضرّرة بصورة مباشرة من قيام المشروع. أوكلت للجنة مهام محددة تتمثل في مراجعة وثائق المشروع، وحصر المساحات الزراعية وتحديد وتصنيف حيازات المواطنين على الخريطة، وتحديد مساحة 25% من أراضي المشروع الكلية المرخّصة للمواطنين، كما ينبغي على المستثمر أن يقوم باستصلاح الأراضي وشقّ تُرع رئيسية للرّي مقابل تكلفة الرّي المقدّرة من إدارة المشروع، بالإضافة إلى وضْع خطة لمشروع زايد الخير الزراعي خلال خمس سنوات لاستغلال المواقع التي سيُعمّرها على الطبيعة. وحدّدَ الوزير فترة ثلاثة أسابيع لفراغ اللجنة من مهامها. وخُتم الخطاب بتوقيع د. مجذوب الخليفة أحمد وزير الزراعة والغابات الاتحادي. لكنّ اللجنة الوزارية لم تستطع فعل شيء؛ لأن رئيسها هو وزير الزراعة بولاية الجزيرة، الذي صادقَ منذ البدء على قيام المشروع ويقف من خلفه، لذلك ظلّت حقوق المواطنين مُعلّقة على السراب.

  • تأزُّم النزاع

عندما تأزّم النزاع بين مواطني القرَى المتضرّرة وإدارة مشروع زايد الخير حول الأرض، أحالَ وزير الزراعة والغابات الاتحادي ملف المشروع إلى وزير الدولة بوزارة الزراعة الاتحادية، البروفيسر الصادق خضر عمارة، الذي خاطب وزير الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الجزيرة بخصوص توجيهات وزارة الزراعة الاتحادية التي تهدف إلى تسجيل الأراضي الخاصّة بأهالي شرق الجزيرة وحسْم قضية الأراضى البالغة تسعة آلاف فدان بتمليكها لأصحاب الأراضى حتى لا يترتّب ضرر اقتصادي واجتماعي على أهالى المنطقة، وتسجيل المساحة المتبقية من الأراضي باسم وزارة الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الجزيرة لاستغلالها في قيام مركز توطين تقانات الإنتاج الحديثة بغرض تغطية احتياجات أهالي المنطقة، على أن يتم تسكين المزارعين في الأراضى الواقعة غرب المشروع على موازاة النيل الأزرق بغرض تمكينهم من استغلال الأراضي الزراعية، وكذلك يتحتّم مناقشة الموضوع مع إدارة المشروع لتقدير ري أراضي المزارعين بواسطة مهندسي وزارة الرّي، مع مراعاة عدم تضرُّر مُلاك الأراضى. أرسِلت صورة من الخطاب إلى والي الجزيرة، ووزير الزراعة بولاية الجزيرة ومعتمد شرق الجزيرة. لكن النقاط التي وردتْ في هذا الخطاب انتهت بجفاف الحبر الذي كُتبت به.

  • وزير الزراعة بولاية الجزيرة

ردّ وزير الزراعة بولاية الجزيرة على خطاب وزير الدولة بوزارة الزراعة والغابات الاتحادي، بخطاب يضمن تعويض المزارعين المتأثرين بقيام مشروع زايد الخير. أرسِل إلى الجهات ذات الصّلة بالمشروع منها: والي ولاية الجزيرة، ووزير الدولة بوزارة الزراعة والغابات الاتحادية، وممثل مشروع زايد الخير وممثل مُلاك الأراضى بمشروع زايد الخير ومعتمد محلية شرق الجزيرة التي يقع بها المشروع. نصّ الخطاب على تخصيص عشرة آلاف فدان من مساحة المشروع الكلية وزّعت كالتالي: تسعة آلاف فدان للمزارعين أصحاب الحيازات حسب المساحة المسجلة لكل مزارع، ألف فدان تسجّل باسم وزارة الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الجزيرة، وبنود أخرى بغرض تنظيم العلاقة بين المستثمر ومُلاك الأراضي. لكنّ النقاط التي تضمّنها الخطاب واجهت مصير القرارات السابقة حبيسة الأدراج، فيما ظلّ المزارعون تائهين لا يعرفون خفايا الصراع الذي يدور، ولا يفهمون حقيقة ما يجري خلف الأبواب المُوصَدة في وجوههم، ولا يعلمون مَن المسئول عن ضياع حقوقهم.

  • أضرار صحّية وكوارث بيئية تسبّب بها المشروع

بخلاف انتزاع أراضيهم غصباً، وحرمانهم من موارد الإنتاج ومصدر العيْش، فالأضرار الاجتماعية والاقتصادية التي ألحقها مشروع زايد الخير بالمنطقة، والكوارث البيئية والصّحية التي نتجت عنه، عديدة وخطيرة، ويُعد أسوأها الانتشار الكثيف لأسراب البعوض، التي جعلت الحياة “ليلاً” في قرى المنطقة جحيماً لا يُطاق وواقعاً لا يُحتمل. وبدأت معاناة المواطنين هناك من مشكلة البعوض قبل أربعة أعوام بعد انتقال المشروع إلى زراعة الأرز المغمور، الذي يحتاج إلى المياه بشكل دائم؛ الأمر الذي تسبّب في توالد البعوض في المنطقة بكميات ضخمة حتى وصل الأمر بالمواطنين إلى التزام منازلهم عقب المغرب مباشرة والاحتماء بالناموسيات من أرتال البعوض. ولمّا اشتدّت بالقرى التي يُحيط بها المشروع وطأة المعاناة من البعوض، اندلعت مظاهرات أغلق خلالها المتظاهرون من أهالي المنطقة شارع (رفاعة – الخرطوم) قبالة قرية (المحس)، فيما أحرق متظاهرون مولدات بمشروع زايد الخير، ولم تتوقف الأحداث حينها إلا بعد تدخّل معتمد محلية شرق الجزيرة وحضوره لاحتواء الأمر. أمّا غزْو الفئران، القادمة من أراضي المشروع، لبيوت الأهالي وشوارع القرى فهذه مأساة أخرى عانى منها سكان المنطقة، حيث انتشرت الفئران بأعداد مُخيفة، ما شكّل خطراً كبيراً بجلْب الأمراض والأوبئة الصّحية والبيئية. وكانت استجابة حكومة الولاية لمواجهة هذه الكارثة – بشهادة المواطنين – محدودة وخجولة.

  • عقود التسوية بين حكومة الجزيرة والمستثمر في 2005 و2010

وبسبب (التُرع) والحواجز الترابية القائمة من كل اتجاه حول المشروع؛ فإن عدداً من القرى التي يُحيط بها المشروع كقرى “الركيب” و”شقيل عدلان” و”قوز حماد” تعيش خطراً دائماً في الخريف؛ إذْ أن مياه السيول القادمة من سهول البطانة تحاصرها، بسبب هذه الحواجز التي تمنع تصريف المياه. وقد حدث هذا الأمر وتكرّر كثيراً في خريف السنوات الماضية. هذا بالإضافة إلى أن المشروع حجزَ القرى الواقعة في مُحيطه بإغلاقه الشّوارع والمسارات التُرابية التي تربطها بالأسواق والمرافق الخدمية والمستشفيات في المناطق الحضرية بالمحلية، برغم أنّ الاتفاق الموثّق لدى رئيس الإدارة القانونية بولاية الجزيرة بتاريخ 25/5/2005م بالنمرة و ع/ أ ف/ و ج/ ن/، والموقّع بين حكومة الولاية والمستثمر، وبحضور والي الجزيرة آنذاك عبد الرحمن سر الختم، ووزير الاستثمار الاتحادي آنذاك الشريف أحمد عمر بدر، ألزم المشروع بفتْح طُرق داخلِه بين: (الركيب – ودراوة)، (الحامديناب – قوز حماد)، و(قبوجة – ودراوة)، كما ألزمه بتنفيذ واتخاذ كافة الخطوات التي تضمن حماية القرى من السيول، وذلك بإقامة المصارف وعمَل التروس حسب رؤية وزارة التخطيط العمراني والمرافق العامة بولاية الجزيرة. احتوى هذا الاتفاق المُشار إليه على أربعة عشرَ بنداً أهمّها تخصيص مساحة في المشروع لكل صاحب حيازة تتناسب مع حيازته قبل تصديق المشروع، كما نصَّ على أنّه من حقّ أصحاب الحيازات زراعة المساحات غير المستثمرة بالمشروع في فترة الخريف، وأن يلتزم الطرف الأول “المستثمر” بإنشاء محطة ري نهرية كاملة ومنفصلة بكافة مكوناتها وشبكاتها لتغطي كافة أراضي أصحاب الحيازات وبالمواصفات المعمول بها في مشروع زايد الخير، وذلك خلال فترة لا تتعدى بداية الموسم الزراعي القادم (والمقصود به 2006م). مضت أعوام بعد هذا الاتفاق، وصارَ – كغيره – حبراً على ورق.

ثُمّ عرضَ المستثمر في يونيو 2010م إيجار أراضي المزارعين (10 آلاف فدان)، المُشار إليها في العقد السّابق، وتمّ الاتفاق معه، مجدّداً، بحضور مستشار الوالي عبد الله محمد علي، ووزير الزراعة بالولاية آنذاك أزهري خلف الله، بواقع 100 جنيه للفدان في الموسم الواحد ولمدة خمس سنوات تتم بعدها مراجعة العقد إما بالاستمرار أو إنهاء الإيجار. ونكصَ المستثمر – كعادته – العهد الموثّق، وتقاعست السّلطة التنفيذية بالولاية – كالعادة – أيضاً عن إلزامه بتنفيذ الاتفاق. ما دعا لجنة مُلاك الأراضي إلى مخاطبة وزير الزراعة بولاية الجزيرة بتاريخ 10/6/2012م متظلّمين من عدم احترام المستثمر مرة أخرى للاتفاق.

  • مظالم معلّقة وحقوق ضائعة وأراضٍ مسلوبة

وهكذا استمرّت مظالم المواطنين معلّقة وأملاكهم ضائعة وأراضيهم منتزعة وحقوقهم مسلوبة، يُطاردون اتفاقٌاً وراء اتفاق، ثمّ نكوصاً خلف إخلال. وعقداً من بعْدِ عقد، بلا التزام أو تنفيذ. ووعداً يسبقُه وعدٌ ويليه آخر، وما مِن تغيرّ في الأحوال.

خمسة عشر عاماً ومواطنو قرى وحدة ودراوة الإدارية في دائرة مُغلقة، مُحيطها مشروع زايد الخير وقُطرُها علاقة غير مفهومة بين مماطلة المستثمر وتخاذُل السُّلطات التنفيذية بالولاية، ابتداءً من وُلاتها المتعاقبين، ووزراء الزراعة المتتاليين بالولاية، ومعتمد محلية شرق الجزيرة، الحالي، ومن سبقهُ، ومن كان قبله، وقائمة طويلة من المسئولين الذين كان مبلغُ جهدِهم المُكاتبات والتوصيات وصياغة العقود وإبرام الاتفاقات.

وفي ظلّ ثبوت التجاوزات المتعدّدة للمشروع، ونقْض المستثمر المستمر للاتفاقات المُبرمة والعقود الموثقة، وهي اتفاقات كان الطرف الآخر فيها شخصيات تمثّل قمّة الهرم التنفيذي بالولاية؛ كالوالي، والوزراء والمعتمد، تدخّلت الوزارات الاتحادية نفسها في القضية ولكن أيضاً بلا طائل. فمن أين يستمد المستثمر هذه الجُرأة على عدم الإذعان لعقودٍ مُلزمة قانوناً؟ وهل له “حصانة” ضد القرارات التي يُصدرها الوالي والوزراء ومكوّنات السّلطة الأخرى بالولاية؟ وهل حقاً لا تستطيع ولاية الجزيرة؛ حكومةً ووالياً ووزيراً ومعتمداً، أن تُلزِم مستثمراً بتنفيذ ما أتفِق عليه؟ أم أنّ هناك حقيقةً أخرى تختبئُ خلف الواقع الماثل الآن؟. خاصة إذا علمنا أنّ قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1999م تعديل لسنة 2003م ينصُّ بوضوح في المادة (24)، الفقرة (أ) على أنّه لا يجوز للمستثمر إجراء أي تعديل، أو تغيير في حجم المشروع، أو الغرض الذي من أجله مُنح الترخيص، أو نقْل المشروع من مكانه المقرر في الترخيص، دون الحصول على موافقة مكتوبة من الوزير أو الوزير الولائي المختص. فهل حصل المستثمر على موافقة مكتوبة قبل قيامه بتغيير موقع المشروع؟ وقبل تحوّله من زراعة زهرة الشمس إلى الذرة الشامية ثم إلى زراعة الأرز؟. وإنْ حدث ذلك؛ فمتى، وكيف، وبأيّ مُسوّغات؟ ولمَ لمْ تُعلن وزارة الزراعة بالولاية عن هذه الموافقة؟. وإنْ لم يحصل المستثمر على أيّ موافقة “مكتوبة” على ما فعله، فقد آنَ لفجوة الثقة بين المواطنين وحكومة الولاية أن تتّسع أكثر، ولأبواب حُسن الظّن أن تُغلق بهدوء.

(ألوان) ستواصل البحث والتنقيب في ملف مشروع زايد الخير، وستحاول الوصول إلى كل الجهات ذات الصّلة بالمشروع ابتداءً من والي ولاية الجزيرة، ووزارة الزراعة بالولاية، ووزا رة الزراعة الاتحادية، ووزارة الاستثمار الاتحادية، وإدارة المشروع، ولجنة مُلاك الأراضي، حتى تضع الصّورة في إطارها الكامل، وتُجيب عن أسئلة أهالي شرق الجزيرة التي ظلت تؤرّقهم خمسة عشر عاماً.