عوض ابراهيم عوض : انفرط العقد وتمرد الكثيرون في مسألة نجوم الغد

د. عوض إبراهيم عوض أديب وإعلامي فكرة.. استطاع من خلال سنوات وجوده في عالم الأدب والفكر والثقافة والإعلام أن يخط لنفسه طريقاً واضحاً أثرى به الساحة الثقافية في السودان وخارج السودان من خلال ما قدّمه بعلمه الغزير وثقافته الناضجة وإطلالته المريحة التي جعلت له حظاً وافراً من الإعجاب.. التقيناه في مكتبه بكلية الآداب جامعة أفريقيا العالمية وهو رئيساً لقسم علوم الاتصال في حوار الفكر والثقافة والأدب والفن والسياسة، حيث كان نهراً للمعلومة المنسابة.. تعالوا لنتجول معه بين تلك المعالم والثقافات:

حوار : هيبات الامين

* الإذعة والتلفزيون وقفة تأمل؟ – الإذاعة دخلتها في زمان أخضر القسمات جميل الملامح عام 1975م وأنا غض الإهاب.. لأبني مجداً وتاريخاً لشخصي الضعيف من داخل استديوهاتها فلم تبخل عليّ بما أردت.. وأعطتني أكثر مما كنت أتصور.. وإذاعة أمدرمان هي مدرسة ومنهل للعلم والثقافة والتاريخ وليست ككل إذاعات العالم وإنما كان قدرها أن تقود النضال ضد المستعرين. * كيف قادت إذاعة أمدرمان النضال ضد المستعمر وهو الذي انشأها؟ – نعم لقد انشأؤها بقرار من الحكومة البرياطنية سنة 1940م لخدمة أهدافهم الاستعمارية ونشر انتصاراتهم في الحرب العالمية الثانية ضد معسكر دول المحور بقيادة ألمانيا النازية.. ولكنها سارت عكس ما أرادوا لها فواجهت قدرها الجميل في أن تجمع شتات قبائل السودان العديدة وكان قدرها أن توحد مائة وسبعين لساناً في لغة قومية واحدة هي عربية الوسط المسلم.. وصنعت بذلك للأجيال مستقبلاً لم يتشوّه بمرارة الأعراق ولم تمزِّقه عصبية القبيلة. * هل كان هذا التأثير داخل السودان فقط؟ – كان قدر هذه الإذاعة أن ترمي ظلالاً على كل الدول المجاورة للسودان جغرافياً ووجدانياً وثقافياً.. حيث فرضت كثيراً من التأثير على هذه الدول ظهر في تجارب الصومال وأثيوبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى ويوغندا في مجال العمل الإذاعي. * هل حذت هذه الدول حذو إذاعة أمدرمان؟ – جاءت معظم إذاعات هذه الدول المجاورة صورة طبق الأصل من إذاعة أمدرمان التي ترعرعنا فيها وتعلّمنا منها أبجديات العمل الإعلامي المتكامل. * من هم الذين كانوا يقودون الشراع في هذه الإذاعة؟ – من الرعيل الأول الذي وضع لبنات البداية.. الأستاذ عبيد عبد النور.. مروراً بالأستاذ متولي عيد.. ومحمود الفكي وعبد الرحمن الخانجي.. وخاطر أبوبكر والتاج حمد وأبوعاقلة يوسف ومحمد صالح فهمي وطه عبد الرحمن ومحمد العبيد وصالح عبد القادر وحلمي إبراهيم وعلي شمو وغيرهم من حبّات العقد الفريد، فشكراً لهم جميعاً لأنهم أضاءوا لنا الطريق. * حدِّثنا عن عالم الفضائيات وسلبياته؟ – عالم الفضائيات أصبح قدر البشرية الذي لا فكاك منه.. ولذا كان لابد من التصالح معه.. وقد غيّر هذا العالم، حيث فرضت المحطات التلفزيونية بفضل هذا البروز على الفضاء أنماطاً ظهرت في اتجاهات الناس إزاء التلقي لبرامج التلفزيون، ومن عام 1970م وحتى الآن تضاعف عدد الساعات التي يقضيها كل بني الإنسان في مشاهدة التلفاز. * هل نعتبر أن هذا المعدّل ثابت في المشاهدة؟ – حجم الإنتباه ظلّ يتذبذب كثيراً حسب الإحصائيات العلمية وبظهور الفضائيات أصبح جمهور المشاهدين أكثر تأثراً بما يتم عرضه من مواد لا سيما عنصر الشباب. * لماذا عنصر الشباب بالذات؟ – من نتائج احدى الدراسات أن التلفزيون حلّ محل كثير من الأنشطة التي كان يمارسها الشباب. * وهل يعتبر هذا التوجه للشباب إيجابياً؟ – الشيء الأيجابي فيه أنه استخدم لملء الفجوات الزمنية التي كانت تستخدم في مناشط غير بناءة ومنافية للأخلاق وهذا من الحسنات الكثيرة للتلفزيون. * هل هناك نتائج سلبية للتلفزيون بالنسبة للشباب؟ – من النتائج المقلقة هي أن الميالين الى العنف أصبحوا أكثر ميلاً لهذا العنف نتيجة مشاهدتهم لبعض البرامج وهناك الكثير من الأمهات أصابهن القلق على أبنائهن من كثرة متابعة الصغار للفضائيات وإهمالهم للدروس. * ماهو الحل في نظرك؟ – يجب علينا أن نلزم أنفسنا بتوجيه أبنائنا ومراقبتهم والإشراف على ما يشاهدونه ونفس هذه المسئولية تقع على عاتق المعلمين والمعلمات في المؤسسات التعليمية المختلفة وهناك أدلة كثيرة على أننا نتعلم من التلفزيون أكثر مما نتعلم من قنوات التعليم التقليدية وكثير مما نتعلمه أصبح مقيداً لنا في مجالات الحياة المختلفة. * معنى ذلك أن محاربة التلفزيون مستحيلة؟ – هذه لابد من الإشارة إليها أن محاربة التفزيون أمر مستحيل وضار أشدّ مما هو مفيد والأفضل من محاربته أن نصنع لأنفسنا عادات إيجابية للمشاهدة يتحمل فيها الآباء مسئولية مراقبة ما يتعرض له أبناءهم من برامج.. وذلك هو الحل الوحيد بحكم أن التلفزيون أصبح جزءاً أساسياً من حياتنا رضينا أم أبينا وهو بالطبع نعمة حاول البعض أن يجعل منها نقمة وهو ما لا يجوز. * هل تعتقد أن التقليد الأعمى يقودنا الى الثقافات الوافدة؟ – نلاحظ أن كثيراً من المسلمين تركوا بقصد أو بدون قصد تقديم ثقافتهم التي هي الأكبر والأصدق بلا منازع خلال هذه الفضائيات المهمة واستعاضوا عنها بتقليد أنماط الحياة الغربية ونتيجة لذلك تمكّن الغرب من احتكار هذه القنوات وتأطيرها بالشكل الذي خدم ثقافته.. وهمش ثقافتنا. * إلى أي مدى نجح الغرب في تحييد عقول الشباب؟ – الى الدرجة التي أصبح فيها أبناؤنا لا يثقون بأن ثقافتهم تصلح بالفعل لأن تكون مادة ممتازة لهذه القنوات الحديثة وهذا الأمر استمر لفترات طويلة حتى بداية التسعينيات، حيث كانت معطيات الثقافة الغربية الدخيلة على مجتمعاتنا هي الأكثر بروزاً.. ولكن بفضل الحادبين على أمر ثقافتنا فهناك الكثير من الإشراقات. * العمل الأكاديمي شغل الدكتور عوض كثيراً فبدأ ذلك على حساب الإبداع؟ – في الواقع العمل الأكاديمي عمل متميّز وفيه قيمة كبيرة للإنسان وأنا أعطيت الكثير له منذ عام 1990م ومازلت، حيث تدرجت فيه بالجامعات بدءاً بوظيفة محاضر ثم أستاذ مساعد وأستاذ مشارك وأنا على استشراف درجة البروفيسور الآن. * أين دكتور عوض الآن من ناحية العمل؟ – أنا سعيد بأن أوكلت لي جامعة أفريقيا العالمية بعد أن أصبحت رئيساً لقسم علوم الاتصال فيها مهمة إنشاء كلية الإعلام وبحمد الله عملت اللجنة التي أقوم برئاستها على رفع تقاريرها الكاملة حول إنشاء الكلية وتمت إجازتها من مجلس الأمناء. * سيكون هذا دافعاً أكبر لإبتعادك عن الإبداع الإعلامي؟ – لم أكن بعيداً عن الإبداع الإعلامي يوماً ما.. بل عملت على تخريج عشرات الإعلاميين الجدد للسودان وأفريقيا وقارة آسيا، حيث أشرفت على عدد كبير من رسائل الدكتوراة والماجستير والدبلوم العالي والبكلاريوس في مجال الإعلام.. وذلك بكل الجامعات التي عملت بها داخل وخارج السودان.. وعملت كأستاذ زائر لجامعة غرب كردفان قسم الإعلام. * قراءة للساحة الغنائية من خلال تقييمك لها؟ – الساحة الفنية لدينا مليئة بالنشاط وفيها الكثير من الجمال والإبداع المتواصل حتى لدى عمالقة مبدعينا الكبار.. ولكن الآونة الأخيرة دخلت على الساحة ظواهر مبتذلة الى حد كبير دخلها الكثير من العاطلين عن الموهبة.. فأنا منذ أن عدت من ماليزيا في 2003م أسمع في كل يوم فناناً جديداً.. فهل يعقل هذا؟.. ثم إنني ألوم الوسط الفني أشدّ اللوم. * هل يدخل في هذا التردي فكرة (نجوم الغد)؟ – فكرة برنامج (نجوم الغد) فكرة متميّزة ورائعة وعالجها صديقنا بابكر صديق بكل الحكمة والدراية من أجل استكشاف المواهب الجديدة.. ولكن للأسف انفرط العقد وتمرّد الكثيرون على أستاذهم بابكر صديق وصار الواحد منهم يخرج ألبوماَ من البرنامج ليصبح في اليوم التالي من نجوم اليوم، فهل هذا معقول؟.. كثيرون منهم ظهروا بـ(4) أو (5) حلقات متوالية وعرفهم الناس كمواهب جديدة يرجى منها.. ولكن فاجأونا في الاسبوع التالي ليغنوا في نفس الساحات مع وردي ومحمد الأمين وحمد الريح وسيف الجامعة وصديق عباس وكمال ترباس.. فهل هذا معقول؟.. أنا متأكد من أن الذي يقفز من نجوم الغد ويدعي أنه من نجوم اليوم سيكون بعد سنة واحدة من نجوم الأمس مهما ملأ الأرض ضجيجاً ومهما تطاير شعره مع النسيم وحلّق حوله (البود قارد) وأرتال الشباب العاطلين من المواهب. * هل هناك أسباب أخرى أدّت الى توقف قناة الأمل؟ – في أثناء مرض والدتي أصاب القناة ذلك الحريق اللعين الذي التهم كل ما فيها من معدات في ليلة حالكة وصبرنا على القدر المحتوم.. ورحلت أمي الى الدار الآخرة مغفوراً لها بإذن الله.. وفي نفس الوقت كانت ظروف السودان الاقتصادية والعالم من حوله لا تساعد على تحقيق كل الطموحات فأثّر ذلك في مسيرة كل القنوات ببلادنا حتي الحكومية منها.. وقد دفعنا ثمن كل ذلك من خلال تلكؤ المموِّلين وغلاء الأجهزة وعقبات الترحيل ومصاعب التحويل للخارج.. حيث أن كل الشركات التي تنقل بثنا على الأقمار توجد خارج السودان.. والحكومة منعت تحويل أي دولارات للخارج ولم تسمح إلا بألف دولار فقط في حالات الضرورة فكيف يستقيم أمر قناة تحتاج لأن تدفع شهرياً للقمر الصناعي مبلغ ثلاثة وثلاثين ألف دولار أمريكي؟! * معنى ذلك أن تمويل القنوات لا يقوم على الأفراد فقط؟ – بالطبع فإن تمويل القنوات في كل بقاع العالم لا يقوم به الإفراد فقط ولا الإعلاميون ولا المفكرون ولا العلماء ولا الفنانون وإنما تقوم به المؤسسات التمويلية كالبنوك والشركات وشركات التمويل العديدة أو رأس المال الخاص، ولذلك كان على كل قناة أن تواجه أمرها بأساليبها الخاصة وبالفعل واجهت القنوات السودانية هذه المعضلات رغم قساوتها والكل عانى بدءاً بقناة قطوف ومروراً بقنوات (زول) و(هارموني) و(ساهور) و(ابوني) و(النيل الأزرق) وغيرها. * هل ستعود قناة (الأمل)؟ – إنشاء الله قناة (الأمل) عائدة في القريب العاجل وستملأ الدنيا ضجيجاً وإبداعاً وجمالاً كما بدأت في فترة بثها التجريبي وأعجبت الكثيرين. * أغنيات الحماسة التي من تأليفك؟ – أغنيات الحماسة استهوتني كثيراً منذ الصغر.. ومزجت بينها وبين الغناء للوطن، فأخرجت للناس عدداً كبيراً منها حتى أصبحت أستمع إليها عبر الإذاعات والتلفزيونات المختلفة في كل يوم وهذا قد زادني حماساً لتأليف المزيد منها لأنها نمط محبب لنفوس السودانيين.. وكان لي شرف أن عدداً من هذه الأغنيات في أشرطة الفيديوكليب، مما جعل العمل الفني أكثر قرباً لنفوس المتلقين.. ومن أكثر ألحاني التي أعجبتني عندما سمعتها أغنية (وطن السلام) للفنان الكبير حمد الريح وأغنية (يا أهلنا السلام) للفنان الكبير سيف الجامعة وأغنية (عربي وأفريقي) لعمر احساس و(دارفور سلام وأمان وفاشر السلطان).. ثم غنى لي محمد الفاتح بكثير من أغاني الحماسة ومحمد خلف (طمني يا روحي). * أين دكتور عوض من الإطلالة البرامجية بعد الغيبة؟ – قدّمت في رمضان مع إذاعة أمدرمان سهرة تستضيف (3) من نجوم الغناء الممتازين في بلادنا وفتحنا النوافذ لكثير من المسكوت عنه من أمور الفن، أتمنى أن تكون قد نالت رضاء المستمعين. * كلمة أخيرة؟ – أقول للجميع أحبكم حتى الثمالة.. وأنا مدين لكل أهل السودان بهذا الحب الذي غمرتموني به والاحترام الذي أصبح زاداً في طريق العمل الدؤوب من أجل خدمة أهلنا في كل المواقع.